:مصدر المقال
http://ajalia.com/article/14660

دلالات إسقاط الطائرة الإسرائيلية -للدكتور الياس عاقلة

2018-02-12

حازت القوات الإسرائيلية الجوية على السيطرة التامة على أجواء الوطن العربي بعد أن قامت بالتدمير الكامل للطائرات المصرية الحربية خلال عدوانها على محور الطوق عام 1967 في حرب الأيام الستة . منذ ذلك الحين استغلت إسرائيل الضعف العربي في المجال الجوي لتقوم طائراتها المقاتلة بأعدادٍ كبيرةٍ من الغارات الجوية وبدون أي إعاقةٍ جويةٍ ، حتى يوم السبت الماضي، بإنزال خسائرٍ وتدميرٍ في الدول العربية المجاورة لتقليل أخطار الإصابات في صفوف جنودها المشاة ولضمان انتصارهم في مواجهة المحاربين العرب .
خلو المجال الجوي من مقاتلات أو صواريخ عربية سمح للطائرات الإسرائيلية بتدمير منشآت حيوية في قلب بعض الدول العربية كما حدث عام 1981 عندما دمرت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووية العراقية ، وفي عام 2007 حين أغارت الطائرات الإسرائيلي على ما ادعت إسرائيل أنها مفاعل نووية سورية . كما قامت المقاتلات الإسرائيلية ، خارقة قوانين حقوق الإنسان وبدون أي إدانة دولية ، بقصف العديد من المنشآت المدنية وتدمير الكثير من البنى التحتية، وقصف بيوت المدنيين والمستشفيات والمدارس وكثير من المؤسسات المدنية وحتى الجوامع والكنائس ، كما ظهر ذلك بوضوح خاصة في احتلال إسرائيل للبنان عام 1982 وإعتداءات ما بعد ذلك الى سنة 2006 ، وفي اعتداءات إسرائيل على قطاع غزة في 2008/09 وفي عام 2014 .
وتظهر غطرسة سلاح الجوي الإسرائيلي في اختراقها الروتيني للأجواء اللبنانية لتقصف أهدافاً سورية تحت إدعاءات كاذبة مثل حق الدفاع عن النفس ، وضربات إستباقية دفاعية ضد قوافل صواريخ مرسلة الى حزب الله ، ولإسكات مصادر صاروخية أُطلقت عبر الحدود ، ومؤخراً لقصف منشآت عسكرية ومصانع صواريخ إيرانية في الأراضي السورية .
وفي السنوات القليلة الأخيرة كثف القادة الإسرائيليين قصفهم للأراضي السورية متبجحين أن هذه الغارات لا تكلفهم أي ثمنٍ عسكري أو سياسي . ولكن جاءت نهاية هذا الوضع يوم السبت العاشر من شباط/فبراير عندما قررت الحكومة السورية أنها تحملت ما فيه الكفاية وقررت الدفاع عن سيادة مجالها الجوي وأسقطت مقاتلة إسرائيلية وأصابت أخرى .
تقوم القوات السورية بمراقبة حركات محاربي داعش الإرهابية باستعمال الطائرات المسيرة (Drones) . وكعادتها قررت إسرائيل أن تساعد داعش (جيشها بالوكالة) بالتخلص من مفعول هذه الطائرات المسيرة بقصف مطار تسييرها . ففي صباح يوم السبت قامت مقاتلتان إسرائيليتان باختراق الأجواء اللبنانية ، كالعادة، منطلقتان تجاه الأراضي السورية ليقوم الطيارون الإسرائيليون ، حسب اعتقادهم المعتاد، بمهمة سهلة نوعياً .
ولكن فوجأ الطيارون الإسرائيليون عند اكتشافهم أن غارتهم هذه لم تكن بتلك السهولة التي توقعوها . إذ قوبلوا بدفاعات سورية مكثفة بما فيها صواريخ أرض جو أدت الى إسقاط أحدى المقاتلالت (ف-16) وإصابة الثانية (ف-15) .
انتشر الهلع بين المستعمرين الإسرائيليين في الشمال الفلسطيني المحتل خوفاً من إطلاق المزيد من الصواريخ السورية على مستعمراتهم . ودوت صفارات الإنذار وهرع الإسرائيليون الى الملاجئ ، كما توقفت الملاحة في مطار بن غوريون قرب تل أبيب . وخوفاً من إطلاق الصواريخ قامت القوات الإسرائيلية يوم الأحد بنشر بطاريات صواريخ القبة الحديدية على الحدود الشمالية ، وبإرسال قوات تعزيز على الحدود الجنوبية مع قطاع غزة . فإسرائيل لا تملك عمقاً إستراتيجياً يحميها من قذائف قد تُطلق من أي مكانٍ من الاراضي السورية.
خشية نتياهو من أي ردٍ عسكري إيراني أو روسي ، أو أسوأ من ذلك ، تورط إسرائيل لوحدها في حرب مع القوات السورية ومحاربي حرب الله ، دفعته الى الإسراع بالإستنجاد هاتفياً بالرئيس الأميركي "ترامب" وبالإتصال بالرئيس الروسي "بوتين" مدعياً أن إسرائيل لا تسعى الى التصعيد وأن الغارة الإسرائيلية جاءت رداً على ما ادعى أنه اختراق طائرة إيرانية مسيرة للمجال الجوي الإسرائيلي . وهذا إدعاء كاذب ومطابق لإدعاءات "نتياهو" الروتينية لتبرير الإعتداءات الإسرائيلية مدعياً أن إسرائيل تسعى الى السلام ولكنها مستعدة للرد على أي إعتداء يمس أمنها الوطني في تحذير مبطن للدول العربية أن لا تقوم بأي ردٍ عسكري إذ يقول "نتياهو" محذراً و متحدياً "نحن نسعى الى السلام ، ولكننا مستعدون لأي سيناريو آخر، وأنا لا أنصح أحداً باختبار عزيمتنا."وأخيراً عندما قررت سوريا اختبار هذه العزيمة أُصيب "نتنياهو" بالفزع ولجأ الى الحضن الأميركي للحماية .
أُصيب العسكريون الإسرائيليون بالصدمة للنتيجة غير المتوقعة لما ظنوا أنها مهمة سهلة لمقاتلة ف-16 المجهزة بأحدث أجهزة الدفاع الإلكترونية المعاكسة (ECM, Electronic Counter Measures) أميركية الصنع لتحميها من الهجمات الصاروخية . لم تصب الصدمه العسكريين الإسرائيليين فقط ، بل تعدت ذلك وصدمت القيادة الأميركية الجوية أكثر شدةً بعد الاكتشاف أن أجهزة الدفاع الإلكترونية المعاكسة غالية الثمن لم تستطع حماية المقاتلة من صاروخ س-200 الروسي المصنوع بتقنيات قديمة تعود الى الستينات . وجاء هذا الإكتشاف مقلقاً كثيراً للأميركيين خاصة أن سلاح الجوي الأميركي مبني بشكل رئيسي على مقاتلات ف-16 المجهزة بنفس أجهزة الدفاع الإلكترونية ECM .
تبريرات إسرائيل أن غارتها هذه جاءت رداً على اختراق طائرة إيرانية مسيرة للمجال الجوي الإسرائيلي دليل آخر على إصابة رؤساء إسرائيل بمرض هَوَس الخوف من إيران: القنبلة النووية الإيرانية ، الصواريخ الإيرانية ، وأخيراً الطائرات المسيرة الإيرانية . كل هذا الهوس الإيراني دليل على اتساع الخيال المرضي لعقل "نتنايهو" الذي يحاول جاهداً إقناع العالم أن إيران ، وليست إسرائيل ، تشكل تهديداً لأمن المنطقة وبالتالي تهديداً للأمن العالمي . فالإدعاءات بالتهديد الإيراني تملأ كل خطابات "نتنياهو" .
التاريخ يثبت أن إيران لم تقم بأي إعتداء أو إحتلال لأي بلدٍ آخر عبر المئة سنة الماضية على الأقل ، ولم تقم ببناء أسلحة نووية كما صادقت على ذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية عدة مرات ، بينما وُلد الكيان الإسرائيلي من استعمارٍ غاصبٍ لفلسطين ، ولا يزال في حالة حربٍ استمراريةٍ عدوانية ضد الدول المجاورة، ويملك حسب التقارير ما بين 200 – 300 رأس نووي يهدد أمن المنطقة وأمن العالم كله بتهديد ما يُسمى "خيار شمشوم"، كما قصف هذا الكيان اليمن بقنابل نووية تكتيكية . وبعكس أميركا خالقة "داعش" لا تملك إيران أي وجودٍ عسكري داخل سوريا ، بل مستشارين عسكريين دعتهم الحكومة السورية لمساعدتها .
إسقاط سوريا المقاتلة الإسرائيلية ليس مجرد حدث عابر ، إذ يمكن اعتباره نقطة تحول هامة في الصراع العربي الإسرائيلي . لقد أصبح من الواضح أنه لم يعد بإمكان إسرائيل قصف جيرانها بدون ثمنٍ كما في الماضي . على إسرائيل أن تفكر ملياً وتعيد حساباتها قبل القفز في مغامرات عسكرية جديدة . صحيحٌ أن لبنان والعراق وسوريا جرحى حروبٍ طاحنة ، لكنهم خرجوا منها بخبرة وبتصميم وبتسليح أكثر وأفضل من قبل . سياسة "نشر الفوضى الخلاقة" ومشروع "الشرق الأوسط الجديد" وحروب إرهاب "داعش" التي اتبعتها الإدارة الأميركية المتصهينة بالإشتراك مع الكيان الإسرائيلي ، والتي هدفت كلها الى إضعاف وتدمير وشرذمة محور المقاومة العربي لم يفشل فقط في أهدافة ، بل على العكس ، أدي الى نتائج معاكسة تماماً . فمحور المقاومة ، بشعوبه وبرؤسائه ، أقوى الآن من ذي قبل .
سيفهم القادة الإسرائليون أن هذا الحدث أعلن بداية مرحلة استراتيجية جديدة . فعهد عربدة سلاح الجو الإسرائيلي قد ولى الآن . أي غارة جوية إسرائيلية جديدة بعد الآن ستُظهر لبقية الزعماء العرب بطلان فاعلة المقاتلات الإسرائيلية مقابل الصواريخ الروسية ، وستُظهر مدى الضعف الإسرائيلي خاصة أن إسرائيل لا تملك أي عمق إستراتيجي يحميها من ضربات صواريخٍ بعيدة المدى تُطلق من العمق العربي . ولم يبق لإسرائيل إلا أن تلجأ الى الأحضان الأميركية لتحميها من أي هجومٍ كهذا قد يسبب الهلع في قلوب الإسرائيليين ويدفعهم مهرولين الى الملاجئ ، محطماً بذلك خرافة إسرائيل الأكثر أمناً في العالم لليهود ، وقد يسبب هجرة معاكسة خروجاً من كل فلسطين المحتلة .