:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/15168

إسرائيل تنهب الأثريات الفلسطينية وتستخدمها أداة لتكريس روايتها وللاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات!

2018-05-05

"الاستئثار بالماضي ـ الاستغلال الإسرائيلي لمواقع ومُكتشَفات أثرية في الضفة الغربية" ـ هو عنوان تقرير جديد يعرض ويحلل سياسة الأثريات الإسرائيلية في الضفة الغربية وانعكاساتها الخطيرة على حقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق المحتلة.
يمتد التقرير، الذي يشكل ثمرة مشروع بحثي مشترك لمنظمتين حقوقيتين إسرائيليتين (هما: منظمة "يش دين"/ يوجد قانون ـ منظمة متطوعين لحقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ ومنظمة "عيمق شافيه" - منظّمة ناشطة من أجل حقوق الثقافة والتراث وبهدف الحفاظ على المواقع الأثرية كممتلكات عامة تابعة لكل المجتمعات والشعوب)، على ثمانية وعشرين صفحة موزعة على ستة فصول هي التالية: 1. المقدمة؛ 2. خلفية إدارة الأثريات في الضفة الغربية؛ 3. الأركيولوجيا كأداة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية؛ 4. لمن تعود الأثريات؟ الأركيولوجيا كأداة للاستئثار بالرواية؛ 5. تل شيلو ـ خربة سيلون في أراضي قرية قريوت ـ حالة اختبارية؛ 6. تلخيص. وقد أعدّت البحث والتقرير زيف شطهل، مديرة دائرة الأبحاث في منظمة "يش دين".
يقدم الفصل الأول عرضا للخلفية القانونية الخاصة بمجال الأثريات في منطقة خاضعة للاحتلال ويعرض الإطار القانوني الذي يسري على الضفة الغربية، مع التركيز بشكل خاص على نصوص وأحكام القانون الدولي بشأن المسموح والمحظور في عمل قوة الاحتلال في كل ما يتعلق بالأثريات، مواقعها وموجوداتها، في المنطقة الخاضعة للاحتلال، علاوة على ما تفرضه هذه القوانين من واجبات وتقييدات على إسرائيل وكل من يعمل باسمها ونيابة عنها في مجال الأثريات في الضفة الغربية.
في الفصل الثاني، عرض للأساليب الإسرائيلية المتبعة في مجال إدارة الأثريات في الضفة الغربية ومجالات مسؤولية "ضابط قيادة الأثريات"، وهو المسؤول المباشر عن مجال الأثريات من قبل الإدارة المدنية، ممثلا مباشرا للقائد العسكري، منذ توقيع الاتفاقيات المرحلية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية سنة 1995.
ويحلل الفصل الثالث طرق استخدام الأركيولوجيا كأداة لتعميق السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية المحتلة ولتوسيع المشروع الاستيطاني، من خلال نهب موارد الفلسطينيين وثوراتهم ومن خلال خرق أحكام القانون الدولي في هذا المجال.
ويعرض الفصل الرابع الطرق التي تعتمدها إسرائيل في استغلال الأركيولوجيا لتكريس روايتها بشأن الرابطة بين الشعب اليهودي والضفة الغربية، من خلال توكيد وإبراز التراث اليهودي في مواقع أثرية مختلفة وأسبقيته على موجودات أثرية من عصور وثقافات أخرى. كما يبين هذا الفصل، أيضا، الأساليب الإسرائيلية في الاستئثار بالثروات الأركيولوجية في الضفة الغربية، من خلال المس بمكانتها كثروات أركيولوجية ـ حضارية تعود لأبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية ومن خلال المس بحقوق الفلسطينيين هناك، السياسية والثقافية.
الفصل الخامس يعالج "حالة اختبارية" تتمثل في الموقع التاريخي ـ الأثري في خربة سيلون (تل شيلو) الواقع في أراضي قرية قريوت الفلسطينية، وهو الموقع الذي حددته سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقيادات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية بكونه "الموقع السياحي الرائد في المشروع الاستيطاني". وتجسد هذه الحالة الاختبارية "عصارة التقرير كله: ابتداء من وضع اليد على أراضي الموقع والاستيلاء عليها، ثم طرد أصحابها الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون هناك ويعتاشون على فلاحة أراضيهم، ثم نقل المسؤولية عن إدارته إلى هيئات تابعة للمستوطنين تقرر المضامين المعروضة فيه بما يتلاءم مع منظورها الاستيطاني ويخدم رؤيتها، وانتهاء بتطويره كموقع سياحي وتجاري متميز، من خلال المس غير القابل للإصلاح بالموقع الأثري وبالموجودات الأثرية التي يحتوي عليها".
تنوه كاتبة التقرير إلى أن الرغبة في تضمين التقرير معالجة لسياسة منح التراخيص للحفريات في المواقع الأثرية في الضفة الغربية ولسياسة إدارة الحفريات والسياسة الإسرائيلية في كل ما يتعلق بالمكتشَفات الأثرية التي تم العثور عليها في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية ـ اصطدمت (هذه الرغبة) برفض إسرائيلي رسمي لتسليم معطيات ومعلومات جدية حول هذه القضايا، مما حال دون التطرق إليها. وعلى هذه الخلفية، لجأت المنظمتان (يش دين وعيمق شافيه) إلى إجراءات قضائية للمطالبة بتزويدهما بالمعلومات الضرورية حول السياسة الإسرائيلية في مجال الأثريات في الضفة الغربية.
كما تنوه، أيضا، إلى أن العمل على إعداد التقرير استمر أربع سنوات أجرى مندوبو المنظمتين خلالها زيارات إلى العديد من المواقع الأثرية في الضفة الغربية والتقوا أصحاب الأراضي الفلسطينيين الذين عُثر في أراضيهم على مكتشفات أثرية وبقايا تاريخية، وهو ما مكّن من توثيق الإجراءات الإسرائيلية المختلفة المستخدمة لنهب التراث الفلسطيني وسلب الفلسطينيين حقوقهم وتراثهم. ورغم أن بعض حالات التوثيق هذه قد أتاح التوجه إلى السلطات الإسرائيلية المعنية وإلى هيئات قضائية إسرائيلية بغية ضمان حقوق الفلسطينيين، إلا أن الواقع القضائي القائم في الضفة الغربية "لا يوفر دائما إمكانيات جدية لخوض نضال في هذا المجال، مما يعني أن انتهاكات عديدة وخطيرة لحقوق الفلسطينيين، أفرادا ومجموعات، تبقى خارج القدرة على العمل من أجل وضع حد لها أو إصلاح أضرارها".
الأثريّات ـ وسيلة لتكريس الرواية الصهيونية
يؤكد التقرير أن الضفة الغربية غنية بالمواقع والآثار الأثرية "التي تذكّر بالتاريخ الغني والمتنوع الذي شهدته المنطقة". ورغم أن الأركيولوجيا تكشف أحداثا وقصصا من الماضي، إلا أن ثمة للرواية التاريخية أهمية حاسمة في الضفة الغربية التي تخضع للاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967. وفور احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، في حزيران 1967، أبدت إسرائيل اهتماما ملحوظا في كل ما يتعلق بالأثريات والمواقع الأثرية هناك وهي تواصل، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، استغلال الأركيولوجيا كأداة أساسية لتعميق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية. وفي هذا السياق، يبين التقرير المساعي الإسرائيلية المتواصلة لإثبات رابطة تاريخية، دينية وثقافية يهودية بالضفة الغربية، في إطار محاولاتها لتبرير وشرعنة سياسة النهب، الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية.
يلقي القانون الدولي على قوة الاحتلال واجب المحافظة على المواقع والموجودات الأثرية في المنطقة الخاضعة للاحتلال وحمايتها، لكنه يحدد ضرورة أن يكون أي نشاط تقوم به سلطة الاحتلال في مجال الأركيولوجيا محدود الطابع والأبعاد ومباحاً فقط لحماية الثروات الأركيولوجية من أية مخاطر قد تهدد بالمس بها أو بطمسها. وعلى مثل هذه الأنشطة أن تجرى من خلال التنسيق والتعاون مع السكان المحليين وبما يخدم مصلحتهم، وسط حظر تام لكل ما من شأنه إدخال تغييرات بعيدة الأثر والمدى على المواقع والموجودات الأثرية.
غير أن تحليل السياسة، التي تنتهجها إسرائيل في مجال الأثريات في الضفة الغربية، يكشف أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد انتزعت لنفسها صلاحيات واسعة جدا في هذا المجال، وسط انتهاكات صارخة للقوانين والأعراف الدولية المُلزمة. ذلك أن جميع مركّبات هذه السياسة قد أعدّت لخدمة النوايا الاستئثارية التي تقوم على قاعدة أن الارتباط اليهودي بالمواقع الأثرية في الضفة الغربية يمنح دولة إسرائيل حقوقا امتيازية فيها ويشرعن سيطرتها على هذه المواقع والموجودات التي تم العثور عليها هناك.
تشكل السيطرة الإسرائيلية على المواقع والموجودات الأثرية في الضفة الغربية أداة مركزية لإقصاء الفلسطينيين، فعليا، عن هذه المواقع والموجودات بطرق ووسائل مختلفة، بما يؤدي إلى إضعاف الرابطة بين الفلسطينيين وتراثهم. وإضافة إلى هذا، تتيح هذه السيطرة لإسرائيل صياغة وتصميم الرواية التاريخية التي ترويها هذه الأثريات، على نحو يؤكد ويُبرز ارتباط شعب إسرائيل بها، من جهة، بينما يُضعف ويطمس ارتباط الشعوب والثقافات الأخرى بها، من جهة أخرى. فرغم أن السيطرة على الأراضي من خلال الأركيولوجيا ليست الطريقة الأساسية للاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، إلا أنها وسيلة ذات أهمية بارزة واستثنائية "لما تنطوي عليه في البعد الرمزي وفي مستوى الوعي".
ففي العام 1981، على سبيل المثال، وجه يسرائيل هرئيل، أحد مؤسسي "مجلس مستوطنات يهودا والسامرة وغزة" ورئيسه آنذاك، مذكرة خاصة إلى وزارة التربية والتعليم التي رأت بدورها أهمية وضرورة تحويلها إلى ديوان رئيس الحكومة حينذاك، مناحيم بيغن، إذ اقترح هرئيل أن تتخذ إسرائيل سلسلة من الإجراءات في مواقع أركيولوجية مختلفة في المناطق المحتلة "بغية ضمان وتكريس سيطرة شعب إسرائيل على المواقع التي تزخر بتاريخه، بذكرياته وتشكل دليلا واضحا على جذوره العميقة فيها وعلى حقه التاريخي في هذه البلاد".
يعيد التقرير التذكير بأن الحركة الصهيونية "أحسنت، منذ بداياتها الأولى، استغلال الأركيولوجيا لتكريس مزاعمها بشأن ارتباط شعب إسرائيل بأرض إسرائيل. وقد انسجمت الرواية التوراتية، انسجاما تاما، مع الرواية الصهيونية بشأن عودة الشعب اليهودي إلى أرض إسرائيل. وكان من شأن استغلال الأثريات تكريس الرواية الصهيونية بشأن حق شعب إسرائيل التاريخي في أرض إسرائيل".
لكن أهمية الأركيولوجيا تعاظمت، أكثر فأكثر، في واقع النزاع القومي، ثم ازدادت أضعافا في أعقاب احتلال الضفة الغربية في العام 1967 على خلفية "التوجه الإسرائيلي القائل بأن الأركيولوجيا قادرة على توفير البرهان على الرابطة التاريخية بين شعب إسرائيل والمواقع الأثرية الموجودة في المناطق التي احتلتها إسرائيل". وهذا ما دفع إسرائيل إلى إجراء "مسح طوارئ أركيولوجي" في العام 1968، أعقبته على الفور أعمال حفريات واسعة جرت في منطقة سوسيا في جنوب جبال الخليل في العام 1971. ثم بلغ هذا التوجه ذروته في العقد الثاني على الاحتلال، بين الأعوام 1977 – 1987، خلال فترة الازدهار التي شهدها المشروع الاستيطاني، وما رافقه من حملات دعائية إسرائيلية رسمية استطاعت تجنيد ميزانيات كبيرة للأبحاث والحفريات الأركيولوجية في الضفة الغربية.
وبهذا كله، تلتف إسرائيل على مسؤولياتها كـ"مؤتمن" على الثورات الأثرية الخاضعة لسيطرتها المؤقتة بحكم كونها قوة احتلالية، بما يشكل اعتداء فظا على حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية ومصالحهم، الثقافية والسياسية، وبما يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي.