:مصدر المقال
http://ajalia.com/article/16269

من جيسي أفانس حتى ليونيل ميسي-هآرتس

2018-06-11

ربما بعد خمسين سنة حيث سيجلس مؤرخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ويكتب تاريخه، سيبدأ كتابه هكذا: في نيسان 1971 ارسلت الولايات المتحدة منتخبها لتنس الطاولة إلى مباراة استعراضية في الصين، كانت تلك الخطوة الاولى التي اخترقت سور العداء بين الدولتين العظميين، التي جرت منذ الحرب الكورية في الخمسينيات. كانت تلك خطوة اولى في الطريق إلى التقارب والتعاون بين الدولتين العظميين. في 2018 ألغى منتخب الارجنتين المباراة الاستعراضية التي كان من المقرر أن تجري مع منتخب إسرائيل، تحت ضغط قوي من معارضي الاحتلال في الارجنتين وفي اسبانيا.
كانت تلك مرحلة هامة في الطريق الطويل إلى انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيل. المشاعر الرياضية لها تأثير محفز مثل المشاعر الوطنية أو الدينية القوية. بعد شهر على الاستعراض الافنغلستي الفاشي من بطولة بنيامين نتنياهو وأبناء عائلة ترامب وعدد من رجال الدين المسيحيين في القدس، استعراض غمر أمة كاملة بمشاعر ذات طابع كهذا، جاء السقوط الكبير. يبدو أنه لن يكون ما يشوش على هذين الأزعرين الثملين من نشوة النصر. ترامب ونتنياهو اللذان يذهبان من جيش إلى جيش ترافقهما جوقة تشجيع وحشية قليلة العقل بقيادة ميري ريغيف.
والآن جاءت فرقة كرة القدم – احدى الفرق الافضل في العالم برئاسة نجم كبير له ملايين المشجعين في العالم وفي إسرائيل، وقالت، نحن لن نشارك في مباراتكم. وحتى لو قيلت كل المبررات بأن الالغاء جاء لاعتبارات مهنية لاحتياجات المنتخب الذي يستعد لكأس العالم أو لمشاكل امنية – المعنى واضح. الارجنتين قررت أن إسرائيل التي تحتفل في القدس بعروض استعراضية في حين أن الفلسطينيين في غزة يقمعون وتطلق النار عليهم – ليست هي ملعبها.
الغاء مباراة الارجنتين في إسرائيل يجب أن يكون يوم عيد لكل من يؤيدون السلام ومن يؤيدون حلم إسرائيل اخرى. فهو يضع ملايين الإسرائيليين – ليس فقط عشاق كرة القدم – امام ضرورة النظر في المرآة وسؤال أنفسهم بصدق: لماذا يحدث هذا بالذات؟
إن تأثير الغاء المباراة يمكن أن يكون أكثر دراماتيكية بكثير من الغاء دعوة باحث إلى مؤتمر في جامعة خارج البلاد، أو ازالة البندورة الصغيرة التي زرعت في المستوطنات عن الرفوف في محلات السوبرماركت في لندن. اذا ماذا سيفعل الآن مئات آلاف مشجعي ليو ميسي في إسرائيل؟ هل سيتوقفون عن السفر إلى برشلونة لمشاهدته وهو يلعب؟
اذا فعلوا ذلك سيضطرون إلى مواجهة ازمة غير بسيطة: بالنسبة لشخص يحب الرياضة فإن ترك مجموعة محبوبة ونقل الدعم والتشجيع لخصمها (ريال مدريد) هو تقريبا مثل تحويل الديانة. بالضبط إلى هذا تهدف حركة المقاطعة الـ بي.دي.اس: دعوة جموع الإسرائيليين لمواجهة تداعيات القمع والاحتلال على مناطق راحتهم مع المس بروتين حياتهم اليومية. لذلك الغاء المباراة هو امر هام جدا.
هناك قدرة لنجوم الرياضة والفنانين الذين يحظون بتشجيع الملايين على التأثير على الرأي العام وهزه أكثر بكثير من السياسيين والاكاديميين والمفكرين. هناك عدد غير قليل من الامثلة لرياضيين شكلوا الذاكرة التاريخية ووضعوا اشارة مرور في النضالات ضد القمع، العنصرية والعنف. وحتى لو لم يكونوا يقصدون هذا منذ البداية. جيسي افانس، العداء الاسود الذي وجه الاتهام إلى الديكتاتور النازي عندما تغلب على كل انقياء العرق الالمان في اولمبياد ميونيخ في العام 1936، هو مثال جيد على ذلك.
مثال آخر هو تومي سميث وجون كارلوس، هما أيضا رياضيان من السود، وقفا على منصة تتويج الفائزين في ركض الـ 200 متر في اولمبياد المكسيك في 1968 وهما يحملان شعارات حقوق الانسان وكل واحد منهما رفع يد تلبس قفاز اسود اثناء عزف النشيد الوطني الأميركي كتشجيع للقوى السوداء. بادرة حسن النية هذه ساهمت في النضال من اجل حقوق المواطن في تلك السنين اكثر من مؤتمر اكاديمي. إن الغياب الصارخ لليونيل ميسي عن ملعب كرة القدم في القدس، عاصمة إسرائيل ورمز الاحتلال، يمكنه أن يؤدي إلى أن يذكر في المستقبل ليس فقط بفضل لعبه الخاص.
ازاء النقاش الذي جرى في الاسابيع الاخيرة على صفحات "هآرتس" بشأن الطريق الصحيحة لليسار الإسرائيلي. نعم مع الضم الجزئي، لا للضم الجزئي، نعم لحزب العمل، لا لحزب العمل، فإن قرار منتخب الارجنتين عدم المجيء إلى هنا يضع تحد جديد.
المرحلة القادمة التي ستأتي بشكل تلقائي، سيكون هناك جهد كبير سيجري في اوروبا للضغط على فنانين وهيئات بث عامة من اجل عدم المجيء للاحتفال القادم المخطط له في القدس، الأوريفزيون 2019. إن صوت مؤيدي السلام ومعارضي الاحتلال في إسرائيل يجب أن يكون مسموع. طالما أن إسرائيل تحول احداثا رياضية وثقافية إلى استعراضات تعطي الشرعية لعروض سياسية من اخراج ميري ريغيف، لن نشارك فيها وسنقنع آخرين في البلاد وفي العالم بأن يحذوا حذونا.
يوجد لقرار كهذا مشروعية اخلاقية، يهودية وتاريخية. في آذار 1933 جرى في نيويورك لقاء لشخصيات عامة يهودية برئاسة الحاخام ستيفن شموئيل فايس، رئيس المؤتمر اليهودي الأميركي وزعيم صهيوني مهم، تقرر فيه دعوة الجمهور الأميركي لمقاطعة المنتوجات الالمانية المستوردة إلى أميركا بسبب سياسة المانيا النازية اللاسامية. ذلك لم يكن قرار سهل. لم يكن واضح ماذا سيكون رد الادارة. وكان هناك خطر لزيادة حدة الجو اللاسامي في الشارع الأميركي. فايس رجح الكفة لصالح القرار بقوله "إن زمن الانتظار والحذر انقضى، علينا أن نسمع صوتنا كبشر".