:مصدر المقال
http://ajalia.com/article/18921

صرخة من غزة - هآرتس

2019-06-09

يوم الأحد 5 أيار الساعة 16:40 بعد الظهر رن الهاتف المحمول في منزل خميس زايدة وأيقظه من النوم. رقم المتصل مخفي، الصوت الآخر على الخط يسأل: هل أتحدث مع خميس زايدة؟ أنت تتحدث مع الشاباك الإسرائيلي، أمام بيتك مدرسة، هل هناك أحد في المدرسة في هذه الأثناء؟ أجاب زايدة بأن لا. وفي اليوم نفسه، اليوم الأول من شهر رمضان، لم تكن دراسة في غزة بسبب القصف الإسرائيلي.
رجل الشاباك واصل: «أعطيك خمس دقائق كي تبلغ أبناء عائلتك وكل الناس في المبنى الذي تعيش فيه بالخروج. علينا تفجير المبنى بعد خمس دقائق». حاول زايدة الاحتجاج ـ لا يمكن إخلاء مبنى مكون من سبعة طوابق ولا يوجد فيه مصعد وتعيش فيه 15 عائلة تشمل مسنين وأطفالاً في خمس دقائق. رجل الشاباك قال: «هذا لا يهمني، لديكم خمس دقائق».
هكذا بدأت الدقائق الخمس الأكثر جنوناً في حياة خميس، وبعد ذلك تم تدمير منزله وحياته. منذ ذلك الحين وهو يعيش في عريشة تحت قبة السماء مع زوجتيه و12 ولداً، الصغير عمره 4 سنوات. قصف سلاح الجو لم يبق حجراً على حجر، والمبنى السكني انهار خلال ثوان مطلق غيمة من الغبار. هذا هو اليوم الأخير لجولة القتال الأخيرة في غزة وغلافها. والجيش أراد كالعادة إنهاءها بعملية مدوية من قصف مبنى سكني. لم ينجح زايدة في إنقاذ شيء. شقته كانت ملكاً له. عمل من أجل شرائها طوال سنوات في كهرباء السيارات في كراج «ايغد» في حولون. لم يبق أي شيء، ولا حتى الملابس.
هو ابن 54 سنة، يعمل في فحص السيارات من قبل السلطة الفلسطينية، وعمل في كهرباء السيارات سابقاً في «ايغد»، والذي يوقظ مجدداً عبريته القديمة من السبات. قال إنه كان يقرأ كتالوجات الحافلات بالعبرية. في الأعوام 1987 ـ 1993 عمل في ايغد في حولون. تلك كانت أياماً جيدة، قال.
إلى المحادثة المطولة بالسكايب التي أجريناها الأسبوع الماضي انضمت زوجته الثانية دنيا ظاهر (42 سنة). زوجته الأولى فتحية (45 سنة) هي من أقرباء صائب عريقات، تعيش معهم مع أولادها. «الجميع يعيشون في المبنى نفسه الذي قصفته الطائرات»، قال.
المنزل في حي تل الهوى في غزة. الشقة اشتراها قبل عشر سنوات بأموال توفيرات عمله. قبل سنتين انتهى من دفع الأقساط. في السنوات الثلاثة الأخيرة يكسب ألف شيكل شهرياً، بعد خفض الرواتب في غزة إلى النصف، وهو ابن لعائلة لاجئين من يافا ويحصل على مساعدة غذائية من الأونروا.
الشقة التي في الطابق الأولمن تتكون خمس غرف. في الطابق الثاني كان هناك مكتب لجمعية مساعدة للجهاد الإسلامي، وبسببها فجر سلاح الجو المبنى. حسب أقواله، كل يوم بين التاسعة والثانية عشرة كانت تأتي إلى هناك عائلات محتاجة وتتلقى المساعدة. في باقي ساعات اليوم لم يتواجد أحد ولم تكن فيه أي نشاطات أخرى. أثناء القصف أيضاً لم يكن أحد، باقي شقق المبنى كانت تستخدم للسكن. في عملية «الجرف الصامد» أصيب المبنى بأضرار بعد إطلاق صاروخ تحذيري عليه. الساكنون سارعوا لإخلائه، وبعد ذلك قامت طائرة مروحية برش المبنى بطلقات مدفع رشاش. بعد بضعة أيام عادوا إلى المبنى. وقد أنهوا إصلاح الأضرار فقط قبل سنة. ولكن يوم الأحد، 5 أيار، في الساعة 16:30 كل شيء كان يسير على ما يرام، لكن بعد ذلك «كل شيء انتهى».
في الصباح ذهب مع زوجته للتسوق قبل بداية الصوم. الساعة 15:30 عادوا وذهبوا إلى القيلولة. الساعة 16:40 رن الهاتف وبعد أن أوضح له عميل الشاباك بأنه ليس معه أكثر من خمس دقائق، بدأ في الصراخ على زوجتيه وأولاده من أجل الإسراع والنزول إلى أسفل، في الوقت الذي كان ابنه عامر (20 سنة) يصعد بسرعة إلى أعلى المبنى وبدأ ينتقل من طابق إلى آخر ويطرق على الأبواب ويطلب من السكان الإخلاء على الفور.
أحد السكان: «لو قصفونا في بيوتنا لكان أهون علينا مما عشناه في هذه اللحظات»
زوجته تضرب كفيها والزوج يواصل وصف حالة الذعر زمن الإخلاء. «الجميع بدأوا يصرخون ويبكون، وأثناء ذلك صرخت في بيت الدرج على كل السكان كي ينزلوا. بعد خمس دقائق سيقصفون المبنى. امرأة (30 سنة) تجمدت ولم تنجح في التحرك من الخوف. ابني حملها على ظهره ونزل بها على الدرج. النساء اللواتي كان يجب أن يغطين رؤوسهن قبل الخروج نزلن بدون غطاء الرأس، خرجنا حفاة ولم نتمكن من العثور على الأحذية. شيوخ وأطفال تراكضوا، هذا ما حدث في الدقائق الخمس التي منحتنا إياها السلطات الإسرائيلية. كانت هستيريا، حتى الآن ما زلنا في هستيريا. حتى الآن بعد شهر كل الأشخاص الذين كانوا في المبنى يعيشون في خوف مما حدث لنا في الدقائق الخمس. هل تعرف ماذا يعني إخلاء مبنى في خمس دقائق؟
«في النهاية أنا أيضاً نزلت، كان عندنا حفل زواج لعامر قبل شهر من التفجير، عندها أخذت البدلة الجديدة التي اشتريتها. خلاف ذلك لم أتمكن من أخذ شيء، لا وثائق ولا أموال ولا شيء. الأطفال كذلك لم يأخذوا شيئاً، نزلوا حفاة في الدقائق الخمس هذه. هل تعرف ماذا فعلوا بنا؟ جنون، حتى الآن ما زال موجوداً، حتى هذه اللحظة التي اتحدث فيها معك ما زلت خائفاً».
«سنوات كثيرة عملت في إسرائيل من أجل شراء هذا البيت. في أيام الإضراب وفي الانتفاضة الأولى كنت أذهب سيراً على الأقدام إلى حاجز ايرز حتى لا أخسر يوم عمل. الساعة الثالثة فجراً كنت أخرج من البيت وأعود في السادسة مساء. أحرقت حياتي في إسرائيل من أجل شراء هذا البيت. والآن خسرت البيت بل وحياتي. حياة بناتي خسرتها. في عمري كيف سأشتري بيتاً آخر؟ البنطال والقميص اللذان ارتديهما أعطياني إياهما أشخاص آخرون.
خص أعطاني الملابس الداخلية وآخر أعطاني الحذاء. الأطفال يستيقظون في الليل ويقولون نريد العودة إلى البيت، العودة إلى الكتب. وأنا أقول لهم: أين ستذهبون، لا بيت لنا». «حكومتكم وجيشكم، كيف يفعلون هذا الشيء؟ ألا يعرفون أننا مدنيون؟ ألا يعرفون؟ لا أتحدث فقط عن نفسي. هناك أشخاص لم ينهوا بعد دفع أقساط الشقة. لو قاموا بالقصف ونحن في البيت لكان ذلك أسهل علينا من الخمس دقائق هذه. لو كنا متنا لكان أكثر راحة لنا». صوته حبس. أيضاً مكالمة السكايب فصلت لبضع دقائق. هذه المحادثة استطعنا إجراءها بفضل النشاط المخلص لباحثي بتسيلم في غزة، ألفت الكرد وخالد عزايزة. الهرب المذعور لسكان المبنى استمر بضع دقائق طويلة مثل الأبد. كل من نزل إلى الشارع سارع إلى الابتعاد عن المبنى راكضاً. عندها مرة أخرى اتصل عميل الشاباك للتأكد من إخلاء المبنى من كل السكان. لقد وقفوا مذهولين في الشارع وشاهدوا أمام ناظريهم شققهم تقصفها طائرات الجيش الأخلاقي. الجيران تجمعوا معهم. «شاهدنا كيف يقصفون بيوتنا. كيف يهبط بيتنا. انتظرنا رؤية كيف تطلق الطائرات الصواريخ على البيت وكيف سينهار البيت».
طائرة بدون طيار أطلقت عدة صواريخ تحذير على سطح البيت. بعد ذلك بساعة، الساعة الخامسة بالضبط، أطلقت طائرة مقاتلة الصاروخ وانهار المبنى. الضجة كانت مخيفة، سحب الدخان والغبار تصاعدت إلى الأعلى.
قد استغرقت وقتاً طويلاً حتى تلاشت. سكان المبنى تفرقوا في كل اتجاه، لم يكونوا قادرين على مشاهدة الدمار. لقد تفرقوا بين بيوت الجيران والأقارب من أجل قضاء الليلة الأولى بلا بيت.
«كيف يصمت الشعب الإسرائيلي على ما يحدث؟ نحن، الشعبين الأكثر قرباً، عملنا معاً وأكلنا معاً ونمنا معاً وعشنا معا. كنتم تأتون إلينا في الأعراس، كيف يصمت الشعب الإسرائيلي عندما يرى ما يحدث لنا؟ لقد استخدموا ضدنا كل أنواع الصواريخ التي توجد في العالم، بما في ذلك التي يحظر استخدامها. أين هو الشعب الإسرائيلي عندما يرى حكومته تفعل ذلك؟ في غزة هناك أشخاص بلا أيد أو أرجل، لا يوجد بيت بدون قتيل، بأي ديمقراطية تعاملوننا؟».
«يجب أن يصل هذا إلى الحكومة، وتصل هذه المقالة إلى نتنياهو والجمهور في إسرائيل. لقد بقينا بدون أي شيء. الناس هنا يتجولون وهم يحملون الأمراض ولا يمكنهم الخروج. هناك من فقدوا أولادهم. أأنتم مسرورون من ذلك؟ نحن بشر بالضبط مثلما أنتم بشر. هل تريدون أن نموت؟ تسقطون المباني فوق رؤوسنا؟ اتركونا نعيش. كما تعيشون نريد أن نعيش. جميعنا معاقون في غزة. أنتم تغلقون علينا السماء والبحر والبر. ماذا تريدون منا؟ تجعلونا نكره كل الإسرائيليين. نحن لا نريد ذلك. افتحوا غزة واتركونا نعيش. حينئذ قد ننسى ما فعلتموه بنا».