:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/596

اسرائيل تجر أوباما لسوريا رغماً عنه ...مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

2013-05-09

علاقة اسرائيل مع سوريا وما يجرى على أرضها من حرب طاحنة ليست مجرد علاقة في معادلة من طرفين، فليس الأمر متعلقاً فقط بمستقبل الصراع على الجولان المحتل، أو بطبيعة توجهات وتحالفات النظام الذى قد يخلف النظام الحالي، فلو كان الأمر رهينة بذلك فربما كان نظام الأسد الأب والابن هو الخيار الأفضل اسرائيلياً من بين كل الاحتمالات المستقبلية، لكن المعادلة بالنسبة لإسرائيل معادلة مركبة متعددة الأقطاب، فالنظام السوري الحالي الذى وفر استقراراً على جبهة الجولان ولم يشكل لإسرائيل أي تهديد جدى بحيث ان الجيش الإسرائيلي على الجبهة السورية كان في حالة استرخاء تام، ومعسكراته كانت مهجورة، ولم يكن له أي حضور في موازنة وزارة الحرب السنوية تماماً مثل الجبهة الجنوبية مع مصر على حدود سيناء سابقاً، ومع كل ذلك فإن اسرائيل ظلت ولا زالت تنظر لسوريا على أنها عدو كامن وخطير بما يمثله من قاعدة مثلث ما تسميه بـ "محور الشر" الذى يشمل ايران وسوريا وحزب الله وفصائل المقاومة، وربما يضم اليه نظام نورى المالكي بتأثير مذهبي إيراني.
هذا المحور حسب زعم اسرائيل هو التحالف الوحيد الموجود عملياً الذي يشكل تهديداً لأمن اسرائيل وسياساتها، وهو الذي يحد ويواجه امتداد نفوذها وتحولها الى دولة اقليمية مهيمنة، وهي لن تنسى أبداً لسوريا وحزب الله تجرؤهم على قوة ردعها في تموز 2006 وانكشاف هشاشة جبهتها الداخلية ومحدودية فعالية ترسانتها العسكرية.
التهديدات المحيطة بإسرائيل تزداد وتتسع رغم ما قد يبدو عليه ظاهر الحال العربي الذى يعيش أزمة عنق الزجاجة الأخير، والمخاض دوماً عسير ينطوي على فرص ومخاطر، واسرائيل من موقعها من خلف الأسوار المحصنة ترقب وتدرس وتصنف الفرص والتهديدات، فرص تحويل الثورات الى مجرد أعباء لا تنتهى لفوضى مستمرة وحروب داخلية لا يقوى أحد على اطفائها، أي ثوره لا تخلف الا فوضى دون الوصول لإنجازات الثورة الحقيقية، فرص التخلص من تهديد طالما أرقهم، وهي ترى أيضاً التهديدات منها الاستراتيجي والتكتيكي، ما يمكن معايشته وتطوير أدوات التصدي له، ومنها ما لا يمكن التعايش معه ويجب التصدي له والانتصار عليه، ويعتبر التوجه الإيراني نحو التكنولوجيا النووية هو الخطر الأعظم وجودياً، ليس لأن أحداً يصدق أنها ستستخدمه ضد اسرائيل وتزيلها من الوجود كما يعلن نجاد، بل لأنه سيحرم اسرائيل من ميزة كونها الدولة الوحيدة التي تمتلكه في المنطقة، سيحرمها من درع داود الذى بث فيها لعقود الثقة والطمأنينة، ولأنه سيشجع دولاً عربية وفى مقدمتها مصر على امتلاكه، الأمر الذي يشكل الكابوس الأكثر رعباً لإسرائيل حكومة وشعباً.
سيناريوهات اسرائيل في مواجهة التهديد الإيراني
ان مجمل التهديد الاستراتيجي والاستراتيجي المرحلي والتكتيكي لإسرائيل حالياً يأتي مما تسميه بـ "محور الشر"، الأمر الذي استقر عليه رأي أصحاب القرار في تل أبيب بتوجيه كل قدراتهم وجهودهم، واستغلال كل الفرص المتاحة للقضاء عليه قبل أن يصبح هذا الخيار غير ممكن، وهم يدركون أنهم في صراع مع الزمن، زمن نتاز وبوردو وبوشهر.
بيد أن مهمة تل أبيب معقدة كثيراً؛ فهي لا تسطيع ولا ترغب في التصدي للمشروع الإيراني وحدها، وتسعى جاهدة بكل غطرسة وعنجهية لأن تحمل العالم الغربي وفى مقدمته أمريكا عبء استمرار هيمنتها وعدوانها، وقد ازدادت مهمتها صعوبة في ظل عودة أوباما للبيت الابيض وتعيينه لكيري وهيغل، الأمر الذى قض مضاجع تل أبيب كثيراً، حيث قرأت فيه امعاناً لسياسة أوباما التي تسعى للانطواء للداخل وسحب القوات من أفغانستان، وتقليص أي نشاط أو تدخل عسكري أمريكي، لذلك قدرت تل أبيب أن اختلاف تكتكة ساعة أوباما عن تكتكة ساعة نتنياهو، ورغبة أوباما في مد الحبل الدبلوماسي لإيران ليس الا مناورة من أوباما لكسب المزيد من الوقت، والتهرب من مواجهة القرار الصعب، واكتفى بتعويض اسرائيل بحرارة الأقوال لا الأفعال، وعلى الرغم من كل المديح العلني في اسرائيل لأوباما وسياساته والتزامه تجاه أمن إسرائيل، وقوله علناً ان اسرائيل تمتلك الحق في الدفاع عن أمنها بما تراه مناسباً فيما يتعلق بالموضوع الإيراني؛ الا أن تل أبيب لا تخفى خيبة أملها الكبيرة من أوباما، مما يدفعها على ما يبدو للعمل وفق سيناريوهين:
الأول: الاستعداد لتنفيذ عدوان مركز على ما تعتبره مواقع نووية إيرانية بالاعتماد على ترسانتها والتسليح الأمريكي الخاص، وكذا دعم ومساندة أمريكية لوجستية وأنظمة رقابة وتشويش.. الخ.
الثاني: جر أمريكا الى التدخل في المنطقة رغماً عنها عبر بوابة التدخل في سوريا؛ حيث إن جر أمريكا للتورط في المستنقع السوري سيجر معه تحالف غربي قد يؤدي للتورط في حرب اقليمية بأبعاد دولية تتورط فيه أمريكا ودول غربية وبعض الدول العربية، ستعمل اسرائيل على أن تتسع رقعته ليصل حزب الله، وربما طهران فيما يعرف اسرائيلياً بتنظيف الطاولة والتخلص من أشواك الشرق الأوسط، أي توظيف أمريكا والعرب والغرب لخدمه أمن اسرائيل وضمان استمرار هيمنتها.
التحريض الإسرائيلي على سوريا
ويمكن أن نفسر في هذا السياق السعي الإسرائيلي المرتبط بمساعي جمهورية في الكونغرس لإحراج أوباما، ومحاولات الانتقاد العلنية لتهرب أوباما من خطوطه الحمراء في الملف السوري، وقد كان تصريح ايتاي برون مسؤول وحدة البحث والدراسات في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" قبل أسبوعين عن معلوماته المؤكدة لاستخدام نظام الأسد أسلحة كيميائية ضد المعارضة؛ احراجاً علنياً ومدروساً في تل أبيب لسياسة أوباما وتحريضاً كبيراً له للتدخل في سوريا، مما أربك البيت الأبيض واضطر كيري وهيغل للتعليق والرد، وأربك اوباما الذى اضطر لتغيير موقفه مرتين؛ في الأول نفى، وفي الثاني أكد الاستخدام، ولكنه أكد على غموض الزمان والمكان والجهة المستخدمة، نتنياهو نفى أن يكون على معرفة مسبقة بتصريح برون لكي لا يظهر ضلوعه في مؤامرة احراج أوباما، لكن نفيه ليس الا أكذوبة مفضوحة، حيث لا يعقل أن تتحصل الاستخبارات على معلومات ذات قيمة، ولا تصل الى طاولة متخذي القرار قبل وصولها للإعلام، كما لا يعقل أن يطلع عليها أصحاب القرار دون أن يتخذوا فيها قرار.
ان المتتبع للإعلام الإسرائيلي يشعر وكأن نظام الأسد يفرط يومياً في استخدام الأسلحة الكيماوية، حيث الكثير من اللغط والتحريض والسخرية من خطوط أوباما الحمراء التي يقولون انها باتت وردية، ويعربون عن قلقهم عن مستقبل خطوطه الحمراء لطهران.
العدوان على سوريا والتغير في الموقف الأمريكي
التحريض على خطوط أوباما الحمراء لا يقتصر على تل أبيب؛ فأصدقاؤهم في الكونغرس والاعلام الأمريكي يمارسون ضغطاً وتحريضاً كبيراً عليه لدفعه للتدخل بذريعة استخدام الأسد للسلاح الكيماوي.
اسرائيل لم تكتف بالتحريض فهي تبادر الآن بالتحرش والاستفزاز عبر العدوان الواضح على الأراضي السورية، الذي لم يعد متقطعاً وسراً كما في السابق؛ بل تحول الى غارات متواصلة شبه علنية، التي ترمى بالإضافة لأهدافها العسكرية الى توتير الأجواء بحيث تضطر أوباما الى الاسراع في التدخل خشية من يؤدى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية الى تداعيات واصطفافات جديدة في المنطقة.
أوباما الذي ربما يدرك النوايا الإسرائيلية لجره للمنطقة ورغبتها في أن تملي عليه أجندتها؛ يرى في الملف السوري أشبه بمستنقع يتمتع بخاصية الجذب والاغراق، فهو يتوجس منه خيفة ولديه الكثير من الريبة والشكوك تجاه مستقبل سوريا، الأمر الذي ربما يفسر التغير في الموقف الأمريكي من الأزمة السورية الذي عبر عنه كيري في تصريحاته الثلاثاء في موسكو مع نظيره الروسي لافروف الذي يؤكد على أن اتفاق جنيف هو الأساس السياسي الوحيد للحل.