:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/9503

المستوطنات..«جغرافيا الموقع» لتدمير البيئة الفلسطينية

2016-04-07

بعناية ودراسة مسبقة يبحث الاحتلال عن الأراضي الأكثر ملائمة لإقامة المستوطنات عليها لتحقيق أهدافه المختلفة مستهدفا البيئة بكل مكوناتها الطبيعية.
فمن خلال إطلاع سريع على خريطة انتشار المستوطنات، وكثافة تواجدها بأماكن دون سواها، يعكس طبيعة الأهداف التي يحاول الاحتلال تحقيقها سواء من خلال مسح الهوية العربية الفلسطينية لبعض المواقع، أو "التغلغل" لالتهام المقدرات الطبيعية التي وهبتها البيئة الفلسطينية.
وتعد المستوطنات أبرز مظاهر التشويه، والتدمير للبيئة، والاقتصاد، والحياة الاجتماعية الفلسطينية، بل وأخطرها على الإطلاق، فالاستيطان يعني السيطرة على الأرض والموارد، وهو بهذا يشكل ذروة الاحتلال وجوهر الفلسفة التي قامت عليها دولة "إسرائيل".
صورة جوية لموقع بعض المستوطنات
• الانتشار الجغرافي للمستوطنات:
تم تقسيم الضفة الغربية جغرافياً إلى أربع مناطق استيطانية، بناءً على دراسة "إسرائيلية". وهي:
أولاً: القطاع الشرقي؛ يضم منطقتي طوباس والأغوار (سلة فلسطين الغذائية) على وجه الخصوص، حيث يهدف الاستيطان في هذه المنطقة إلى الحد من فرص تطور الاقتصاد الفلسطيني، خصوصاً القطاع الزراعي، ففي نهاية العام 2012، بلغ عدد المستوطنات في هذا القطاع 28 مستوطنة يستوطن فيها 5663 مستوطناً، يمثلون نحو 1.0% من إجمالي المستوطنين في الضفة الغربية.
ثانياً: القطاع الجبلي؛ ويضم سلسلة الجبال الواقعة في وسط الضفة الغربية والممتدة من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، وتشمل جبال محافظات نابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل، حيث يهدف الاستيطان في هذا القطاع إلى السيطرة على شريان المواصلات الرئيسي الذي يربط المدن الفلسطينية الكبرى في الضفة الغربية مع بعضهما، ويضم هذا القطاع 31 مستوطنة يقيم فيها أكثر من 50 ألف مستوطن، يشكلون نحو 8.9% من إجمالي المستوطنين في الضفة الغربية.
ثالثاً: قطاع التلال الغربية؛ وهي التلال الواقعة في غرب الضفة الغربية والقريبة من الخط الأخضر، والتي تضم تلال محافظات جنين وطولكرم وقلقيلية وسلفيت ورام الله، حيث يهدف الاستيطان في هذا القطاع إلى إزالة الخط الأخضر الذي يعتبر الحد الفاصل بين المناطق التي احتلها اليهود في العام 1967م والمناطق التي احتلوها قبل عام 1967م، ومن ثم خلق تواصل جغرافي بين مستوطنات هذه المنطقة والمدن الإسرائيلية الواقعة إلى الغرب من الخط الأخضر، يقع ضمن هذا القطاع 48 مستوطنة يقيم فيها 164117 مستوطناً يشكلون نحو 29.1% من إجمالي المستوطنين في الضفة الغربية.
رابعاً: قطاع القدس الكبرى: تعمل إسرائيل على إنجاز مشروع القدس الكبرى من أجل تهويد الجزء الشرقي من المدينة مع زيادة مساحته بشكل كبير، بحيث تشكل القدس الكبرى نحو 10% من مساحة الضفة الغربية، ويهدف الاحتلال من وراء هذا المشروع إلى فصل شرقي القدس عن ضواحيها، وإقامة حزام استيطاني على الأراضي الممتدة من مستوطنة معالي أدوميم وأراضي أبو ديس، وشرقي القدس، وبالتالي استكمال الحزام الاستيطاني الشرقي بعد الانتهاء من الحزام الغربي المقام على جبل أبو غنيم، ويهدف هذا المخطط بعد الانتهاء منه إلى ضرب إمكانية قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
• التأثيرات البيئية
تركت المستوطنات آثاراً مدمرة طالت جميع عناصر البيئة الفلسطينية، فبالإضافة إلى مصادرة الأراضي ومنع المواطنين الفلسطينيين من دخولها، وممارسة أنشطتهم المختلفة، فإن هناك الكثير من مظاهر التدمير البيئي الفلسطيني.
ويمكن تلخيص التأثيرات البيئية للمستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يلي:
مصانع جيشوري قرب طولكرم
1. تأثيرها على المياه الجوفية:
منذ احتلال "إسرائيل" للأراضي الفلسطينية أصدرت مجموعة من الأوامر العسكرية، فرضت بموجبها سيطرتها الكاملة على المياه الفلسطينية، ومنعت الفلسطينيين من حرية التصرف في مواردهم المائية، حيث تسيطر إسرائيل على 86.5% من المياه الفلسطينية الأمر الذي أوجد خللاً واضحاً في معدلات استهلاك الفرد الفلسطيني مقارنة بمعدلات الاستهلاك الفردي الإسرائيلي، إذ بلغ معدل استهلاك الفرد الفلسطيني السنوي 93 متراً مكعباً، في حين أن استهلاك الفرد الإسرائيلي وصل إلى 344 مترا مكعبا. وفي الوقت الذي منعت فيه إسرائيل المواطنين الفلسطينيين من حفر الآبار لاستخراج المياه للأغراض المختلفة قامت بحفر أكثر من 300 بئر بالقرب من الخط الأخضر لاستنزاف مياه الحوض الغربي، كما قامت بحفر 51 بئراً في مستوطناتها في الضفة الغربية.
2. تلوث الهواء:
طالت مخلفات المستوطنات الهواء، فبالإضافة إلى التلوث الناتج عن استخدامات وسائط النقل المحلية في المناطق الآهلة بالسكان نجد أن "إسرائيل" عملت على زيادة معدلات هذا التلوث عن طريق عشرات المصانع المنتشرة في مستوطناتها بالضفة الغربية وعلى حدود قطاع غزة. إذ تنفث هذه المصانع ملايين الأطنان من الغازات السامة التي تلحق أضراراً بالصحة العامة، إلا أن من أبرز ملوثات الهواء الغبار الناتج عن مقالع الحجارة الإسرائيلية في الضفة الغربية؛ حيث تنتشر كميات هائلة من الغبار في الهواء، وتسبب في إلحاق الأضرار بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية بعد أن تتساقط ذرات هذا الغبار على المحاصيل الزراعية والأشجار، الأمر الذي يعمل على تدميرها، وبالفعل تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في دير شرف في محافظة نابلس وبيت فجار في محافظة بيت لحم، وبني نعيم في محافظة الخليل إلى التدمير، لأن هذا الغبار يمنع النباتات والأشجار من النمو.


الطرق الإلتفافية التي تربط المستوطنات
3. تشويه الطبيعة:
قامت "إسرائيل" بشق 58 طريقاً التفافية لخدمة مستوطناتها في الضفة الغربية، وذلك في الفترة ما بين 1994 - 1998 بلغت أطوالها 293.2 كيلو متر على مساحة 38071 دونماً، بالإضافة إلى إنشاء العديد من الطرق العرضية، ومعظم هذه الطرق تخترق مناطق ذات حساسية بيئية، وتساهم الطرق الالتفافية والطرق العرضية بشكل كبير في تجزئة الأراضي الفلسطينية ومنع التواصل الجغرافي بين التجمعات السكانية الفلسطينية، وتسهل من عمليات الحصار التي تفرضها القوات الإسرائيلية على المدن والقرى الفلسطينية، بالإضافة إلى ما تتركه هذه الطرق على المدى الطويل من تدهور بيئي، فإزالة الغطاء النباتي لمسافات طويلة بعد تجريف الأراضي في مختلف أرجاء الأراضي الفلسطينية، سوف يهدد التنوع البيئي الحيوي وبالإضافة إلى تسببه في اختفاء الكثير من أنواع النباتات، فانه سيمنع انتقال هذه النباتات من منطقة لأخرى بفعل العوامل الطبيعية، ويحد من حركة وانتقال الحيوانات البرية من مكان إلى آخر للتزاوج. ناهيك عن هدم جحورها وأوكارها وهذا يدفعها إلى الهرب إلى جهات أخرى خارج الحدود.
4. تقليص الأراضي الزراعية وتصحرها:
تؤثر المخططات الاستيطانية بشكل مباشر على القطاع الزراعي سواء من خلال تخفيض الأسعار للمنتجات، أو السيطرة على المصادر المائية والقضاء على الأصناف البلدية من الإنتاج النباتي من الأشجار والخضروات والحبوب، كما تم إضعاف البنية التحتية للزراعة خاصة في مسألة شق الشوارع الزراعية وإمكانية وصول الفلاح الفلسطيني إلى أرضه.
وقد قامت المستوطنات وشوارعها الالتفافية المتعددة الأغراض على حساب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وأغلقت مساحات أخرى من الأراضي بحجج أمنية، وأدى ذلك إلى خسائر لا حصر لها نتيجة فقدان المزارع لأرضه وعرقلة وصوله إليها. وفي نفس الوقت قامت بإغراق الأسواق العربية بالمنتجات الزراعية ذات المواسم المبكرة وبأسعار مدعومة من قبل الحكومة بغية القضاء على إنتاج الفلاح الفلسطيني.

الاستيطان على حساب الأرضي الزراعية الفلسطينية
• النتائج المترتبة على التوزيع الجغرافي للمستوطنات:
1- يقدر عدد الأشجار المثمرة والحرجية التي اقتلعت لإقامة المستوطنات ما يقارب 3.5 إلى 4.5 مليون شجرة مثمرة وحرجية عدا عن النباتات والأعشاب والزهور البرية التي تعيش في هذه المناطق المزروعة بالمستوطنات، والممتدة عليها الطرق الالتفافية أو الجدران الإسمنتية العازلة.
2- اختلال المراعي الخضراء لمربي المواشي والتي كانت أحد أعمدة الاقتصاد الفلسطيني في العديد من القرى والأرياف، وهذا أثر اقتصادياً على حياة الإنسان الفلسطيني بشكل سلبي.
3- تسارع عملية بناء المستوطنات وبشكل دؤوب مع استمرار شق الطرق من خلال الجبال، أوجد خللا في البيئة الفلسطينية، منها: تلويت الهواء بالغبار، وتشويه التضاريس الفلسطينية التي كانت باستمرار مغطاة بالأشجار والنباتات، فلا يوجد ربيع اليوم لهذه التضاريس.
4- أجمع العديد من علماء النباتات أنه يوجد في فلسطين أكثر من 33 ألف نوع من النباتات البرية، يوجد منها حصراً مجموعة فقط تعيش على رؤوس الجبال أدى وجود الاستيطان عليها إلى اختفائها أو تدني عددها.
5- كما هو معروف لدى خبراء الجيولوجيا والمياه، أن المناطق الجبلية في فلسطين إحدى مصادر مياه الشرب للسكان الفلسطينيين من خلال الينابيع السطحية (النزازات)، والتي جففت وقطعت منابعها من خلال أعمال شق الطرق وإقامة البنية التحتية للمستوطنات.
6- لوثت المياه العادمة والصرف الصحي ومخلفات المصانع للمستوطنات العديد من المياه السطحية والجوفية في الضفة الغربية.
7- سيطرة المستوطنات على خزانات المياه الجوفية والتحكم في كمية المياه للسكان الفلسطينيين، أدى ذلك إلى تقليص الأراضي الزراعية الفلسطينية وتصحرها، وأمثلة عديدة على ذلك منطقة أريحا وغور الأردن والشعراوية الشرقية وأراضي طوباس والخليل والقدس ورام الله والبيرة، أضف إلى ذلك منطقة قلقيلية وصانور وجزء من سهل مرج بن عامر.
8- وجود عدد كبير من الآبار الارتوازية خلف جدار الفصل العنصري مما أدى إلى عدم جدوى الاستفادة في ري الأراضي الزراعية التي ابتلعها الجدار والتي بقيت خارجه.
وبتحليل الأرقام وخريطة المستوطنات القائمة، يلاحظ بأن هنالك تركيزاً واضحاً لهذه المستوطنات في مناطق محددة، حيث إن 85% من المستوطنين يسكنون حول مدينة القدس وفي منطقة غرب رام الله، وجنوب غرب نابلس، وذلك لأن معظم المستوطنين مرتبطون رغماً عنهم بمراكز العمل والخدمات داخل "إسرائيل"، إذ يلاحظ أن 70% من المستوطنين يعملون داخل الخط الأخضر، و46% من مجموع العاملين في المستوطنات يعملون داخلها بالخدمات العامة، كما يعمل حوالي 34% من هؤلاء العاملين في أفرع إنتاجية (زراعية وصناعية).
المراجع:
• دراسة الاستيطان الإسرائيلي في شرقي القدس 1967-2009.. دراسة في الجغرافية، د. فوزي الجدبة، جامعة الأقصى.
• المستوطنات الإسرائيلية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية على الأراضي الفلسطينية، وحدة السياسات والمشاريع، وزارة العمل 2012.
• بحث المستوطنات في بيت المقدس.. أسماؤها وأبعادها، د. محمد البع، كلية الآداب الجامعة الإسلامية.