سكنتُ سنوات طويلة جداً بين روما، مكة، والقدس. من النافذة شاهدتُ الكنيسة الحبشية ببرجها وجرسها. ومن الشرفة التي باتجاه الشمال تمكنت من رؤية منازل حي مئة شعاريم. ومن السطح استطعت عد نصف دزينة من المساجد. في البداية كان الجرس. ففي كل صباح، في الساعة الخامسة والنصف بالضبط، أسمع صوته. وقد دندن عميقا بصوت مبحوح، وقد يكون السبب هو عمره. ولكن صوته غاب بعد مجيء المؤذنين بصوتهم العتيق المتسلسل.
في نهاية المطاف تأتي الأبواق، فقط في شهر أيلول العبري. وأحيانا كان يصدر من الحي صوت بكاء واعتذارات. "يا الهي، يا الهي، أيها الرحيم الحنون، طوّل عمرنا واجعلنا نتكاثر".
احيانا، في كل ساعة من ساعات المساء والليل كان ينضم صوت آخر، صوت يصدر من مكبرات الصوت المتحركة، يعلن عن جنازة ستتم في تلك الليلة، لأنه لا يجب إبقاء الميت بدون دفن، خصوصا في القدس، بل يجب دفنه على الفور حتى لو كان ذلك في منتصف الليل. ويعلن مكبر الصوت عن اسم المتوفى، هذه المكبرات تدعو المُعزين وتوقظ الجيران. إن كل من سكن أو يسكن في الاحياء الحريدية يعرف هذا النعي بصوت مرتفع.
في الاسابيع الاولى كان يصعب النوم. فالاستيقاظ مرتين أو ثلاث في كل صباح من شأنه أن يُجنن فيلا. ولكن بعد مرور بضعة اشهر كنت استيقظ فقط عندما تتم الدعوة من قبل طرف من هذه الاطراف.
اذا صمت الجرس بسبب عيد أو بسبب خلل، واذا صمت أحد المؤذنين بسبب المرض أو تماس كهربائي، واذا أُغلقت فجأة فتحة البوق بسبب الشيطان، كنت أنهض من السرير وأتساءل ما الذي شوش روتين ازعاجي.
لكنني عرفت دائما وعرف الجميع أن هذه هي القدس. فهذا ما يميزها وهذه هي طبيعتها. ومن هم أكثر انفعالا مني سيقولون هذا هو جمالها. وهذا ايضا هو مصير "الارض المقدسة" بعد أن تم حشر الكثير من الكيانات السماوية فيها: الاستماع بطول نفس الى اصوات الله الثلاثة.
وللحقيقة، هذه اللحظات وهذه الاشعار المسموعة هي من اللحظات الاكثر نجاحا للاكتظاظ المقدس. وفي العادة يميل من يؤيدون إلههم الى الامساك بحناجر بعضهم ورش الدماء من حولهم، وهم يتصارعون مثل الاولاد. وفقط مرة في اليوم واحيانا مرتين تكون هناك لحظة نادرة يكون فيها الرنين والمزامير التي يضعونها في آذان بعضهم.
الآن نهضت الشياطين التي تريد محو هذا الشيء القليل. فهم لا يحتملون أي ثانية من الهرمونيا. ومن أسفل سلة القمامة العنصرية قاموا باخراج الذرائع: الضجة تزعجنا، ليست ضجة الاجراس ولا ضجة الأبواق ولا ضجة الجنازات ومن يرافقون الاموات في منتصف الليل، لا ضجة روما ولا ضجة القدس، بل فقط ضجة مكة هي التي تزعج آذانهم. إن هذا أمر مقرف ببساطة.
يا ليت قانون المؤذن ينجح، ويا ليت الشياطين تعود وتثبت الى أي درجة هي غير جديرة بالسيطرة على القدس. وايضا ليست جديرة بالسيطرة على كل هذه البلاد.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف