ببطء لكن بمنهجية تسعى وزيرة القضاء الإسرائيلية، أييلت شاكيد، إلى فرض "رؤيتها اليهودية"، التي عرضتها في المقال الشهير الذي نشرته في دورية "هشلواح"، وتبنى نهجا محافظا، بكل ما يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات وعلاقة الدين بالدولة.
وقد ترافق تصريحها الواضح، الذي أعلنت فيه أن الصهيونية لن تخفض رأسها أمام المنظومة العامة لحقوق الفرد، مع تضمين "قانون القومية" بندا يلزم المحكمة العليا الإسرائيلية باعتماد القانون العبري في القضايا التي لا يوجد عليها أجوبة في القوانين والسوابق القضائية الوضعية، وكذلك مع تغيير قانون أساس: القضاء، بحيث يصبح من الممكن تغيير أي حكم قضائي صادر عن المحكمة العليا بأغلبية 61 عضو كنيست.
أصابع شاكيد طالت أيضا مسألة تعيين القضاة، حيث نجحت في لوي ذراع المحكمة العليا وفرضت شراكتها في مسألة التعيينات، وبذلك تكون قد أقحمت رؤيتها الدينية اليمينية المحافظة في سجل القوانين الإسرائيلي، وفي المنظومة العليا لجهاز القضاء، الذي يُعتبر معقلا هاما للصهيونية الليبرالية التي تتعرض معاقلها لهجمة شاملة في اطارعملية تغيير النخب التي تقودها الصهيونية الدينية وحكومة نتنياهو.
حول هذه التغييرات وأثرها على في بنية الجهاز القضائي الإسرائيلي، وتأثير ذلك علينا كمجموعة قومية داخل الدولة وكشعب واقع تحت الاحتلال في أراضي 67، أجرى "عرب 48" الحوار التالي مع الخبيرة القانونية، المحامية بانة شغري- بدارنة، وهي ناشطة في مؤسسات حقوق الانسان وتحضر رسالة الدكتوراة في القانون في الجامعة العبرية في القدس.
"عرب 48": ماذا تريد شاكيد وإلى أين ستصل، وما تأثير ذلك علينا كمجموعة قومية داخل اسرائيل وكشعب واقع تحت الاحتلال؟
شغري - بدارنة: "يمكننا القول إن المركبات الديمقراطية للنظام القانوني الإسرائيلي آخذة بالتقلص، وهناك فرصة سانحة لتغيير بنيوي أعمق. والسؤال على من يؤثر هذا التغيير، أعتقد أن تأثيره أكبر على من كان يؤمن بأنه يعيش في دولة ديمقراطية، وعلى أولئك الذين هاجروا من أوروبا عوضا عن أن يناضلوا هناك للوصول إلى نفس درجة المساواة، وأقصد جماعات اليسار الصهيوني، التي تعتقد أنها ملاحقة، وقد كانت ملاحقة فعلا في أوروبا، وبررت هجرتها إلى فلسطين بأنها المكان الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه بعد الهولوكوست. وهذا ’اليسار’، كتيار صهيوني علماني، وجد نفسه في أزمة، إما أن يقول إنه كولونيالي أو أن يقول إنه علماني ولكنه لا يرفض الدين، لأن الدين هو هويته وهو مصدر ’حقه’ في هذا المكان الذي أتى إليه. ومن أجل الموازنة بين هاتين المسألتين وُجدت صيغة الدولة ’اليهودية الديمقراطية’ التي تجعل هؤلاء يستفيدون من الدين اليهودي من غير أن يخسروا مركبات العلمانية. وهذا التيار كان بحاجة لأهرون براك (رئيس المحكمة العليا الأسبق) ولقوانين أساس وقبل ذلك لأغرانات وكاهان وصحيفة ’كول هعام’ (صحيفة الحزب الشيوعي الإسرائيلي بالعبرية). كان هذا التيار بحاجة إلى أن يقول لماذا ملف’كول هعام’ وليس جريدة ’الاتحاد’ (صحيفة الحزب الشيوعي الإسرائيلي بالعربية)، لأنه طالما هذا التيار يقمع ’العدو’ فإن هذا الأمر لا يهم أحدا في الصهيونية العلمانية".
وهم المساواة في نظام عنصري
"عرب 48": هل التغيرات الحاصلة على بنية القانون الاسرائيلي تمس تيار الصهيونية اللبرالية اكثر مما تصيب العرب؟
شغري - بدارنة: "هذه التغييرات تشكل ضربة كبيرة لدعاة ورعاة الدولة ’اليهودية الديمقراطية’. وهؤلاء الذين كانوا سعداء بأنهم وجدوا المعادلة الذهبية ’يهودية ديمقراطية’، ويستطيعون توسيع مفهوم الديمقراطية وتقليص اليهودية عند الحاجة دون أن يصفوا أنفسهم كدولة كولونيالية. هؤلاء هم المتضررون الأساسيون، لأن قدرتهم على استخدام المحكمة العليا لتوسيع مساحة الحقوق الفردية سواء للنساء، ولكن ليس للنساء الفلسطينيات ولا حتى نساء الحريديم، أو لغيرهن، هؤلاء أصحاب المسار اللبرالي الفردي الرأسمالي هم المذعورون لأن لديهم الكثير من الأشياء ليخسرونها وسيخسرونها".
"عرب 48": ونحن؟
شغري – بدارنة: "بالنسبة لنا كأقلية في وطن يقع تحت حكم كولونيالي، كانت هناك فترة استطعنا فيها تحصيل مكاسب من خلال القضاء، لكننا لم نحقق أي إنجاز يذكر في مجال القومية والحقوق الجماعية، في حين اقتصرت تلك المكاسب على مجال المساواة والحقوق الفردية. ولا أريد أن أقلل من تلك المكاسب، فمنها ما يتعلق بميزانيات ومعايير لتوزيع ميزانيات وافتتاح عيادات طبية في قرى غير معترف بها في النقب، وأذكر في هذا السياق الشباب والصبايا والشيوخ الذين عملت معهم في قرية الدريجات في النقب لمدة عشر سنوات من أجل الاعتراف بالقرية، حتى تسنى ذلك من خلال دمج القانون مع التخطيط بالتوقيت المناسب. بالنسبة لأهل الدريجات كان الاعتراف يعني منع الهدم والترحيل والشروع بمسار مؤلم نحو الحصول على الفتات الذي تحصل عليه كفر ياسيف ودبورية وغيرها من القرى المعترف بها".
"عرب 48": هل استفدنا من الانفراجة اللبرالية ومن قوانين الأساس التي شرعت في حينه؟
شغري - بدارنة: "بحدود معينة. وهذا خلق وَهما لدى الناس حيال إمكانية توسيع مساحة المساواة من خلال هذه الآليات، وهذا وَهمٌ لأن توسيع هذه المساحة مرهون بطبيعة الدولة ’اليهودية الديمقراطية’، ومرهون بيهودية الدولة وصهيونيتها. والدريجات هي واحدة من 35 قرية عربية غير معترف بها وقد خسرنا أمام العليا في قرية العقبي. وكنا نعرف أننا سنخسر، لكن وثقنا أن هؤلاء الناس هم ’إقرث وبرعم النقب’، هجروهم وعندما اصبح مكانهم خاليا خصصوه لليهود، لأن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو هدف أساسي من أهداف الدولة اليهودية".
"عرب 48": وماذا بعد تضييق الحيز الديمقراطي؟
شغري - بدارنة: "أصبحت حدود العمل القانوني والعمل البرلماني مكتوبة وواضحة كم خلال قوانين. وهذه القوانين ستطرح من جديد أسئلة حول ماهية وجدوى العمل في هاتين الساحتين. عندما نرى العنصرية ضد الأثيوبيين، وهم جزء من المجتمع اليهودي في إسرائيل، والمهاجرين الأفارقة، بسبب لون البشرة، نكتشف وَهم الديمقراطية الإسرائيلية وحدودها. وقد آن الأوان ليرى الفلسطينيون والعالم حقيقة إسرائيل وكونها دولة كولونيالية مقامة على أرض شعب آخر".
تغيير بنيوي
"عرب 48": عودة إلى "اصطلاحات" شاكيد، هل تشكل تغييرا أساسيا في مبنى القانون الاسرائيلي؟
شغري - بدارنة: "نعم. هي بمثابة تغيير بنيوي وتغيير في هيكلة نظام الحكم وتغيير في مبنى الدولة. وهذا التغيير يحصل بشكل تراكمي. والمهم في القوانين التي يجري سنها هو النقاش الدائر حولها، خاصة وأن القضاة هم أساسا لا يرفضون قاعدة الدولة ’اليهودية الديمقراطية’، وهم يتأثرون بالأجواء المفعمة بالشوفينية الدينية والقومية. كذلك فإن الإجراءات القانونية والإدارية الجديدة تهدد نشاط حقوق الإنسان، من أفراد وجمعيات وآليات أخرى يرتبط عملها بهامش الحرية الذي توفره الديمقراطية اللبرالية في ساحتي القضاء والبرلمان".


"عرب 48": قلتِ إن التغيير يشمل هيكلة الدولة ونظام الحكم، ما هو المقصود؟
شغري - بدارنة: "التغيير يسمح لهذه المنظومة السياسية، أي اليمين الاستيطاني واليمين الصهيوني – الديني، بأن يدوم حكمها لفترة أطول. وإذا كان صعود مناحيم بيغن إلى الحكم، عام 1977، قد أثبت أن السلطة ليست حكرا على ’مباي’ وأنه يمكن للآخرين أن يصلوا إليه، فإن نتنياهو يريد أن يثبت أنه يمكن للآخرين أن يصبحوا ’مباي’، بمعنى احتكار السلطة، من خلال الإمساك بزمام المؤسسات الحاكمة ليس بقوة الانتخاب السياسي بل بتغيير يسيطر على مؤسسات الدولة، في القضاء والإعلام والثقافة وغيرها، وهذا التغيير يتم إما بالقانون وإما بالتخويف. ونتنياهو يسعى لتغيير القاعدة الاثنية التي كانت سائدة، أو قلب القاعدة الأيديولوجية التي سادت زمن ’مباي’".
"عرب 48": وهل هذه القوانين والإجراءات تؤسس لنظام أبرتهايد؟
شغري - بدارنة: "الفصل العنصري موجود ويتم تطبيقه عبر آليات مختلفة، منها القوانين ومنها وسائل أكثر ذكاء. وهذه القوانين لا تزيد أو تنقص من حالات الفصل العنصري. لكن الأخطر منها هو ما يعرف بـ’قانون التسوية’، الذي إضافة إلى التمكين من السطو على أراضي الفلسطينيين الخاصة، يوجد فيه جانب خطير دستوريا كونه أعطى برلمان الاحتلال دور الحاكم العسكري. ورغم أن الحاكم العسكري يخضع قانونيا لوزير الأمن، الذي يخضع بدوره للبرلمان، إلا أن اختصار هاتين الحلقتين يشكل مخالفة جسيمة للقوانين الدولية المتعلقة بالحرب، علما أن الفرق بين الصيغتين هو كالفرق بين منع التعذيب على الورق وعدم تطبيق قانون العقاب على أفراد الشرطة الذين يمارسونه، بل منحهم حصانة من العقاب. من يصيغ قانونا بهذا الشكل المباشر هو إما يتمتع بشعور من القوة الفائقة وشعور بأنه يتمتع بحصانة من العقاب وإما أنه يعاني من هوس أو لوثة عقلية".
-----------------
**المحامية بانة شغري - بدارنة خبيرة في القانون الدولي، حقوق الإنسان والدراسات النسوية. من عام 1999 حتى عام 2008، عملت كمحامية في جمعية حقوق المواطن، من خلالها قادت نضالات قانونية للاعتراف بالقرى غير المعترف بها وحقوق عرب النقب على أرضهم. بعدها أصبحت المديرة القانونية للجنة العامة لمناهضة التعذيب وقادت نضالات حقوقية ضد تعذيب الأسرى والأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال ولرفع الحصانة من المساءلة التي يتمتع بها أفراد الشاباك. وفي الأعوام الثلاثة الماضية أدارت عيادة حقوق الإنسان والقانون الدولي في الجامعة العبرية، وتشغل اليوم منصب أستاذ مشارك في كلية الحقوق بالجامعة العبرية، كما وتحضر للدكتوراة في موضوع "الشريعة الإسلامية، النسوية وحقوق الإنسان في "الدولة اليهودية - الديمقراطية"".
عرب 48

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف