تُعرّفُ قوة الردع على أنّها استراتيجية أٌعدّت من اجل أن تمنع الخصم أو العدو، من أن يقوم بعمل معين، من خلال الإشارة له، أن الرد على عمله سيكون قوياً وسيسبب له ضرراً كبيراً، وتعتبر سياسة الردع من الاستراتيجيات المنتشرة في العالم وعلاقاته الدولية.
انتهجت "إسرائيل" منذ نشأتها سياسات ردع متنوعة، من أجل الوقوف بوجه التحديات المختلفة التي واجهتها ولا زالت تواجهها، في ظل حقيقة أنّها دولة طارئة على المنطقة، ووجودها جاء بما يتنافى مع الأعراف الأخلاقية، القيمية، والتاريخية، إلّا أنّ الجانب الأهم من البنية الاستراتيجية للردع الإسرائيلي، بقي يدور حول فلك وجود تهديدات من دول محيطة، تنوي القضاء على الدولة العبرية، ويُمكن القول أنّها نجحت في ذلك، إلى حد كبير في حروب متكررة ومختلفة.
وقد ارتكزت استراتيجية الردع الإسرائيلية، على أربع نظريات أساسية:
أولا: الردع الجارف، هو التهديد باستخدام قوة جارفة لمنع العدو من اتخاذ أي خطوات من شأنها تغيير الوضع القائم، او القيام بأي رد من قبل العرب على الأعمال التي تقوم بها "إسرائيل"، مثل التسلل إلى "إسرائيل" والقيام بعمليات عدائية وإجباره على العودة وعدم التنفيذ.
ثانياً: الردع المحدد، استراتيجية تهدف إلى منع الخصم من اتخاذ أي إجراءات مخطط لها – لا تشمل الخروج الى حرب- بهدف تغيير الوضع القائم، والردع المحدد يُنفذ عن طريق وضع خطوط حمراء ومصالح المساس بها يُكلف ثمنا باهظاً كرد عسكري أو حرب.
ثالثاً: الردع الاستراتيجي، معدة من أجل منع الخصم من القيام بأي عمل يمثل تهديد وجودي على "إسرائيل" -على سبيل المثال حرب شاملة- من خلال إقناعه أن نتائج الحرب والثمن سيكون قاسياً، ووظيفة النظرية هنا منع المهاجم من تحقيق أهدافه من خلال تفعيل القوة التقليدية، والجدير بالذكر هنا أن "إسرائيل" تحافظ على سياسة الغموض النووي، كجزء من الردع الشامل.
رابعاً: الردع المتراكم، هي سياسة طويلة الأمد ، وهي معدة لإقناع الطرف العربي، أن إنهاء الصراع عن طريق القضاء على دولة "إسرائيل" هو أمر غير ممكن.
نظريات الردع هذه كانت مخصصة لمواجهة دول، تُشكل تهديداً لإسرائيل، سواءً بشكل عسكري مباشر، أو من خلال توفيرها غطاءً لمجموعات المقاومين المتسللين للأراضي المحتلة، بهدف تنفيذ عمليات متنوعة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
هذا الواقع شابه الكثير من التغييرات، فقد وجدت نفسها "إسرائيل"، مضطرة لمواجهة تحديات عسكرية من نوع، ربما لم تكن تخال أنّها قد تصل إليه، والمقصود هنا، قوى المقاومة المختلفة، في الشمال، وفي الجنوب، حيث تُشكل المقاومة في غزة، كسراً لإستراتيجية عدم وجود تحدي أمني استراتيجي داخل الأراضي المحتلة.
المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وبعد مجموعة من الجولات ضد الاحتلال، ألزمته البحث عن استراتيجية ردع جديدة، الهدف منها ملائمة التغييرات الحاصلة، وإجبار المقاومة على تحمل تبعات ما تقوم به، جماهيرياً وكذلك على مستوى تكبيدها خسائر فادحة، تجعلها تُفكر وتتردد كثيراً قبل اتخاذ خطوات من شأنها المساس بالاحتلال، وقد اعتمدت "إسرائيل" على سياسة ردع مبنية على الأسس التالية:
أولا: استراتيجية عدم الخضوع، والتي تمثلت في عدم خضوع "إسرائيل" لتنظيمات المقاومة، وتأسست على تخفيف حدة المواجهة وخلق قوة ردع، والامتناع عن حسم المعارك التي سيكون ثمنها باهظ جداً، والهدف منها تقصير عمر المواجهة وتدفيع الخصم ثمناً قاسياً كوسيلة لمنعه من افتعال مواجهة مع "إسرائيل" في المستقبل.
ثانياً: تقنيب العشب، استراتيجية ردع إسرائيلية، تقوم "إسرائيل" وفقها بضبط النفس إلى حد كبير مقابل تنظيمات المقاومة العربية، حيث لا تقوم "إسرائيل" بالرد على أي عمل عدائي، على أن تقوم في كل فترة برد قاسٍ وقوي، تضمن من خلاله ردع الخصم بشكل فعال وتقنيب قوته إلى حد كبير، مع إيصال العديد من الرسائل التي أبرزها أن القضاء على "إسرائيل" أمر غير ممكن.
ثالثاً: استراتيجية "عقيدة" الضاحية، تتمثل هذه النظرية بتفعيل "إسرائيل" اكبر قوة عسكرية ممكنة، خاصة القصف الجوي للمساس بالمناطق الحيوية لتنظيمات المقاومة، كما فعلت "إسرائيل" في مواجهة حزب الله في العام 2006، ويعتقد الجيش الإسرائيلي أن المواجهات القادمة يجب أن تشمل قصف مكثف لأي منطقة تنطلق منها الصواريخ باتجاه "إسرائيل"، والهدف منها إنهاء الحرب بشكل سريع وردع الخصم من افتعال أي حرب قريبة في المستقبل، وهذا ما انتهجته خلال حرب غزة 2014، وتُعيد إليه الهدوء الحاصل على جبهتي لبنان وغزة.
رابعاً: منع استعادة الخصم قوته، استراتيجية تهدف إلى منع تنظيمات المقاومة وبالتحديد حركة حماس من استعادة قوتها الهجومية، وإبقاء وضعها الاقتصادي والسياسي ضعيف.
وهدفت "إسرائيل" من سياسات الردع المختلفة، منع وجود تهديد حقيقي يؤدي إلى القضاء على الدولة العبرية عسكرياً، وربما استطاعت كما أشرنا منع ذلك أمام تهديد الجيوش المحيطة، إن وُجد، إلّا أنّ وجود المقاومة الفلسطينية، ووجود الحراك الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى والثانية، وكذلك الهبات المتلاحقة داخل الأراضي المحتلة، خلق نوعاً جديداً من التهديد الكبير للمشروع الصهيوني.
حيث تُدرك "إسرائيل"، وربما كذلك المقاومة الفلسطينية، أنّه من الصعب ولو مرحلياً القضاء على "إسرائيل" عسكرياً، إلّا أنّ الأمر المقلق إسرائيليا، أنّ هذه المقاومة، إلى جانب الحراك الفلسطيني المستمر، ساهم بخلق نوع جديد من التهديد، مرتبط بزعزعة المشروع الصهيوني من الداخل، والمساهمة في جعل الأمن الإسرائيلي، تحت طائلة التهديد وعدم الاستقرار، الأمر الذي من شأنه أن يدفع الكثير من الإسرائيليين، للشعور بفقدان الأمن الشخصي.
ويُشير اللواء السابق جرشون هكوهين، أنّ الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بحاجة إلى دعم كبير، لوجستياً وفكرياً من أجل تقبل الصمود أمام التهديد الدائم، فيما أشار عوزي روبين أنّ "إسرائيل" باتت تشهد تهديدات، لم تستطع بعد الوصول إلى استراتيجية واضحة للتعامل معها، وهذه التهديدات، تحفر تحت "إسرائيل" لتهيئتها للسقوط من الداخل، وضرب تأثير حركة المقاطعة، بي دي أس نموذجاً.
بالعودة إلى عملية نابلس الأخيرة، وما تبعها من مواجهة في جنين، والتي هي ضمن سلسلة العمليات الفلسطينية الممتدة منذ انطلاق مقاومتها، على اختلاف المسميات التنظيمية التي تقف وراءها، فإنّها تأتي ضمن سياق المقاومة التي لم تستطع "إسرائيل" بلورة سياسة ردع حقيقية لمنعها، والدليل على ذلك استمرارها منذ عقود زمنية إلى اليوم، رغم آلة البطش والتنكيل، والعقوبات الجماعية الإسرائيلية، بحق جموع الفلسطينيين بعد كل عملية.
المقلق إسرائيليا أنّ استمرار المقاومة الفلسطينية، جاء مع تغيّرات كبيرة على البُنية المجتمعية الإسرائيلية، فلم يعد الجيل الحالي، كما كان الجيل الأول والثاني مستعداً للتضحية الحقيقية في سبيل الأرض، أو مرتبطاً بشكل أيديولوجي قوّي في هذه البلاد، وبات ارتباطه يتضح بشكل أكبر في الأمن والاقتصاد، ومؤشرات ذلك، باتت كثيرة ومتنوعة، من هجرات كبيرة لفئة الشباب وتحديداً الروس، ورفض للتجنيد لدى فئات كثيرة، ورفض بعضهم التجنيد البري، ومساحة النقاش الكبيرة عند مقتل أو إصابة جندي أو مستوطن، وكأنّ هذا الأمر طارئ، وليست الحياة الطبيعية التي يحيياها أيّ احتلال.
من هنا فإنّ استمرار العمليات الفلسطينية، رُبما قد لا يكون وحده العنصر الأبرز في القضاء على الاحتلال، إلّا أنه دون شك، عامل بارز في إضعاف المشروع الصهيوني من الداخل، وزيادة فجواته التي باتت تأخذ في الاتساع، كفجوة الشرقي والغربي، المتدين والعلماني، اليسار واليمين، الإصلاحي والأرثوذوكسي، المستوطن والمواطن، إلى جانب الفجوات الاقتصادية والتي باتت أكثر اتساعاً.
فـإسرائيل التي تهيأت لمواجهة الجيوش العربية، ونجحت في إقصائها بطرق متنوعة، باتت أمام معضلة حقيقية، تفتح نقاشاً داخلياً حقيقياً، وردود فعلّ تُعبر عن فقدان الأمن، بعد كل عملية، وبعد كل قذيفة تسقط في الأراضي المحتلة، ولست مضطراً للتذكير بسيل الهجرات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة عندما اشتد وطيس الانتفاضة الثانية، ليؤكد الفكر، ولتؤكد العقيدة، على استحالة ردعها ومواجهتها، فالأجيال الفلسطينية المتعاقبة لم تنسى، بل باتت أكثر تمسكاً، وأقلّ خوفاً، وأقدر على الإمساك بزمام المبادرة، دون الاكتراث بالثمن القاسي، والذي عليه بنت "إسرائيل" نظريات ردعها.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف