يُصادف اليوم الخميس، الثامن من شهر آذار/ مارس، اليوم العالمي للمرأة، وحين نتحدث عن هذا التاريخ، نستذكر النضال النسوي ضد التمييز العنصري وإذلال النساء وسلبهن أبسط حقوقهن، ما دفع النساء في الولايات المتحدة لإطلاق مظاهرات غاضبة، أضخمها كانت في العامين 1857 و1909 للاحتجاج على ظروف عملهن الصعبة والمطالبة بحقوقهن.
ولم تأتِ الإنجازات التي صنعتها المرأة منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، بسهولة، فقد عانت المرأة قبل أعوام طويلة، من التمييز العنصري، وهناك روايات خطيرة جرى من خلالها الكشف عن مدى العنصرية التي تعرّضت لها النساء في دول عديدة بينها أميركا، وترك التاريخ روايات قاسية عن التمييز العنصري ضد النساء بالأساس، والأفريقيات منهن بشكلٍ خاص.
وواقعيا وبالرغم من التطور الكبير في الحضارة الإنسانية، إلا أنه لا تزال هناك مساحة فاصلة بين الرجال والنساء في الكثير من الأمور، بما في ذلك الدول المتقدمة؛ وقد تنبأ المؤتمر الاقتصادي العالمي "دافوس"، في وقت سابق، بأن هذه الفجوة لن تُغلق تماما إلا بحلول عام 2186!
وتبرز قضايا مُلحّة مثل حق المرأة في العمل والتصدي للعنف ضد النساء، ووضعية النساء والأطفال في الحروب، وحقها السياسي وغيرها من المسائل المطلوبة للتقريب بينها والرجل.
النّساء الفلسطينيّات
تأتي المناسبة هذا العام في وقت تشهد فيه الأراضي الفلسطينية عموما، وقطاع غزة خصوصا تدهورا غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية. كما تواجه المرأة أشكالا وأنماطا مختلفة من الانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي جراء عمليات الاستهداف المباشر بالقتل والإصابة والاعتقال وتقييد حرية الحركة والتنقل، بالإضافة إلى الانتهاكات الإسرائيلية التي تطال حقها في الحياة وتقوض أسس الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية عموما وقطاع غزة على وجه الخصوص، الأمر الذي تنعكس آثاره على غالبية حقوق الإنسان بالنسبة للمرأة الفلسطينية.
وتُشير مصادر المعلومات في مركز الميزان إلى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي قتلت 455 سيدة في قطاع غزة منذ مطلع عام 2008 وذلك في سياق عمليات استهداف المدنيين وممتلكاتهم، كما بلغ عدد النساء اللواتي فقدن أزواجهن 1413 سيدة. وتعتبر المرأة هي الأكثر تضررا من الانتهاكات الإسرائيلية لحرية الحركة والتنقل، حيث تمس القيود الإسرائيلية بحقوقها الأساسية، ولاسيما الحقوق الصحية حيث بلغ عدد النساء اللواتي فارقن الحياة جراء حرمانهن ومنعهن من تلقى العلاج المناسب في المرافق الصحية خارج قطاع غزة 17 سيدة خلال عام 2017 فقط، فيما بلغ عدد الضحايا الإناث اللواتي هجرن من منازلهن التي دمرتها قوات الاحتلال بشكل كلي 28283 أنثى. ويُضاف إلى الانتهاكات الإسرائيلية ما تعانيه المرأة جراء ظاهرة غياب سيادة القانون، حيث بلغ عدد النساء اللواتي قتلن على خلفية الشرف 23 فيما قُتلت 14 سيدة على خلفية الشجارات العائلية أو الشخصية وأصيبت 32 أخريات.
كما تأتي المناسبة هذا العام في ظل تزايد التقلبات السياسية والاقتصادية وضعف الآليات الحكومية على صعيد إعمال حقوق الإنسان، وغياب الفعل التنموي وتوفير فرص العمل، مما فاقم من مشكلات البطالة والفقر، حيث تعاظمت معاناة المرأة الفلسطينية كونها تتحمل تبعات هذه الظواهر. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن الفجوة لا تزال كبيرة أمام مشاركة الإناث في القوى العاملة، وبلغ معدل البطالة بين الإناث المشاركات في القوى العاملة 47.4%، وزادت معدلات البطالة بين النساء الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر إلى 53.8 من مجموع هذه الفئة من النساء. وفي قطاع غزة ارتفعت نسبة النساء اللواتي يترأسن الأسر بواقع 9.5% في قطاع غزة.
إن هذه التحديات تعوّق من قدرة المرأة على لعب دورها على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في المجتمع، بل ووضعت المرأة الفلسطينية تحت وطأة ظروف بالغة القسوة، بات معها اهتمامها ينصب على توفير الاحتياجات الأساسية، وأصبح التمتع بجملة حقوق الانسان كالصحة والتعليم وتولي المناصب العامة أمنية بعيدة المنال بالنسبة للمرأة الفلسطينية عموماً وفي قطاع غزة على وجه الخصوص.
ففي الوقت الذي تحتفل النساء بيومهنّ العالمي، لا تزال المرأة الفلسطينية عموما، والغزية خصوصا، تلملم جراحها التي خلّفتها 3 حروب و11 عامًا من الحصار، حيث تشير الإحصائيات إلى تراجع الواقع المعيشي والاجتماعي للنساء الفلسطينيات بغزة، اللاتي ما زلن يدفعن ثمن الحروب والحصار وما خلفاه من أمراض وتشوهات وتردي الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاك حقوق المرأة الفلسطينية، حيث تحتجز قوات الاحتلال 62 امرأة فلسطينية، بينهن 6 طفلات، و9 مصابات و3 نساء رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، كما تمارس بحقهن مختلف أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.
ولتأكيد الجرائم الإسرائيلية، يكفينا أن نعلم أن قوات الاحتلال الإسرائيلي، نفّذت نحو 15 ألف حالة اعتقال في صفوف النساء الفلسطينيات منذ عام 1967 حتّى اليوم!.
يوم المرأة بالنسبة لفلسطينيّات
يبدو أن الواقع المرير الذي تُعايشهُ الفلسطينيّات، فرض قبضته عليهن، بحيث لم نلمس الحماس لديهن، نظرا لسوء الأوضاع التي يُعايشنها في ظل الاحتلال الذي كبّل معظم أحلامهن، والذكورية المُترسّخة في المجتمع.
تقولُ أستاذة الإعلام بجامعة بيرزيت عبير إسماعيل، في حديثها لـ"عرب 48": "لا أشعر بأن هذا اليوم يحمل طابعا خاصا ومهما، أنا وبكل بساطة لا أشعر أنه مهم، لا أرى فيه إلا احتفالا شكليا، يُساهم في ترسيخ الدور المُحدّد للمرأة سلفا"، مُشيرة إلى أن "المرأة في هذه الأيام تُجاري الرّجل بالعمل، وفي كثير من الأحيان تتفوّق عليه، بحيث يكون عملها مضاعفا عن الرّجل".
وبيّنت إسماعيل أن المشكلات التي تُعاني منها المرأة الفلسطينية عموما، كثيرة جدا، بحيث يصعبُ حصرها، واعتبرت أن "المرأة الفلسطينية تواجه الكثير من المشكلات على جميع الأصعدة، داعية للالتفات إلى إنجازات إنجازاتها".
وترى أن أساس المُشكلة يكمن في الثقافة التي تُعزّز الأفكار النّمطيّة المغلوطة عن المرأة، لذلك فإنها تدعو إلى "الاهتمام بالتعليم التثقيفي الصحيح للأطفال، لتعزيز المساواة بين الجنسين، والعمل على محو المعالم الذكورية، لا ترسيخها".
وترى المُذيعة أسيل دزدار في حديثها لـ"عرب 48" أن "المشكلات التي تُعاني منها المرأة الفلسطينية، كثيرة ويصعب تعدادها جميعا، ولعل أساسها يتجذّر منذ الطّفولة، حيث تُزرع الأفكار الذكورية في ذهن الأطفال، ضمن معايير مجتمعية خاطئة، لتترعرع الطفلة ويكون من السّهل إخضاعُها للذكر مُستقبلا، بغض النّظر كان زوجا، أو أخا، أو حتى ابنا".
وأضافت دزدار: "المُشكلة في فلسطين أبعد وأعمق من ذلك، فحتّى القانون لا يُنصف المرأة، إذ لا يعترف القانون بالأم ولية أمر لأولادها، فعندما تذهب للمصرف مثلا، فإنها تحتاج لموافقة من أب الطفل أو عمه لكي تفتح لابنها أو ابنتها حسابا ستضع هي النقود فيه!".
وانتقدت قانون العقوبات الذي يسمح للمغتصِب بأن يتزوج الأنثى التي اعتدى عليها، قائلة: "واغتصب فتاة والجائزة أن تتزوجها!".
طقوس يوم المرأة
تختلف الطقوس في مدن العالم بالاحتفال باليوم العالمي للمرأة بحسب ثقافة الدول والمجتمعات، ولكن عادة لا تخلو أجواء الاحتفالات من الإشادة بأدوار المرأة وتقديرها بمختلف المجالات في المجتمع، أما طرق الاحتفال باليوم العالمي للمرأة فهي مختلفة، فهناك دول تجعل اليوم العالمي للمرأة عطلة رسمية ومن ضمنها أفغانستان، وأرمينيا، وأذربيجان، وبوركينا فاسو، وكمبوديا، والصين "عطلة للنساء فقط"، وأوكرانيا وغيرها.
وفي دول أخرى يتم الاحتفال بيوم المرأة بتنظيم مسيرات داعمة للنساء وإقامة فاعليات ومؤتمرات بمناسبة يوم المرأة، وفي غالبية الدول الأخرى يتم الاحتفال بيوم المرأة بطريقة مشابهة ليوم الأم حيث تقدم الهدايا للزوجات، والصديقات والقريبات بمناسبة يوم المرأة، لكن وبالرغم من كل ذلك، بوسعنا القول دون تردّد أن المرأة لم تصل إلى مرحلة نستطيع فيها الادعاء بأننا نساويها بالرّجل، فها هي تُقتلُ هنا وتُغتصبُ هناك، ويُسلبُ حقها، وتُهمّش إنجازاتها، والوقائع والحقائق تثبتُ ذلك.
باسل مغربي

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف