طرح د. صائب عريقات سؤالاً يبدو في ظاهره منطقياً، مفاده: لماذا ترفض حماس تنفيذ اتفاق القاهرة في 12 أكتوبر 2017؟ وأشار في سياق التساؤل قائلاً: "لماذا يتم رفض الرزمة الشاملة بتنفيذ دقيق وأمين وكامل وتدريجي لاتفاق القاهرة دون تجزئة؟ وبما يضمن تلبية جميع احتياجات ابناء شعبنا العظيم في قطاع غزة، ويحافظ على مشروعنا الوطني، ويسقط صفقة القرن الأمريكية الإسرائيلية، الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، ويضع حجر الأساس لشراكة سياسية فلسطينية حقيقية ترتكز إلى التعددية السياسية وليس لتعدد السلطات".
كلام جميل؛ إذا ما تمَّ أخذه بعيداً عن حالة الظن والتشكيك التي تسود واقعنا السياسي المتلاطم الأمواج، فهو يعبر عن الحرص والشعور بمعاناة قطاع غزة، وقد يكون السؤال من هذه الزاوية بريئاً، وسنتعاطى معه بنية حسنة، برغم أن "الطريق إلى جهنم مفروش بحسن النوايا"!! كما يقولون!! ولكنَّ صياغة السؤال في ظل حالة الاستقطاب والاصطفاف الحزبي توحي – بلا شك - وكأن حركة حماس هي من يقف خلف تعثر جهود المصالحة وانهاء الانقسام!! وهذا حقيقة هو ما يتطلب الرد على الصديق د. عريقات، بعيداً عن أسلوب المناكفة أو الردح الفصائلي.
من المعروف أن الإنصاف في الحكم على الأشياء يتطلب أن يأتي "الحكم" من طرف محايد؛ أي طرف الوساطة المصري مثلاً، وهذا لم يحصل، إذ ما زال الإخوة في مصر الشقيقة يحاولون مشكورين جمع الشمل الفلسطيني!! كما أن هذا "الحكم" لم تنطق به الفصائل التي شاركت حضور الاتفاق!! فكيف توصل د. عريقات إلى هذا "الحكم" بتحميل حركة حماس عثرات عدم الالتزام بتنفيذ الاتفاق؟!
تاريخياً، ومنذ أن وقع الانقسام البغيض في يونيو 2007، ونحن ننادي بالتحرك لطي صفحة ذلك الحدث المشئوم، وقمنا معاً بجولات حول العالم العربي والإسلامي، بحثاً عن طوقٍ للخلاص، حتى الكعبة المشرفة - بكل قداستها - طفنا حولها لتشهد علينا، ولكن دون جدوى!!
لم يكن أحد يرغب بتدويل الانقسام، وكنا نأمل أن نحاصره داخل ساحتنا الفلسطينية، وطالبنا أن تكون هناك مرجعية من فصائل منظمة التحرير للفصل فيما شجر بيننا من خلاف وقطيعة، ولكن لم تثمر كل تلك الجهود، وبقي الوضع على حاله لسنوات من "المراوحة في نفس المكان"!! للأسف؛ تمَّ ترك الساحة للإعلام الحزبي لتوزيع الاتهامات والتشهير بالقيادات هنا وهناك، والتي أدت إلى تشويه صورتنا الفلسطينية الوضيئة بين شعوب أمتنا العربية والإسلامية، وأظهرتنا وكأننا نتصارع على "كرسي الزعامة والملك"، فيما أرضنا محتلة، وتنتقص كل يوم من أطرافها بسياسات التوسع الاستيطاني وتكديس أعداد المستوطنين، حيث لا رادع لهذه التعديات، ولا كرامة أو حق لأحدٍ منَّا عند الإسرائيليين!!
وما ابرئ نفسي: كلانا في المسئولية سواء
إلى الصديق صائب عريقات.. لقد أخطأنا جميعاً (فتح وحماس)، وما زلنا نتخبط في التيه، ولا يملك أحد منا لشعبنا مفتاح الخلاص.
لقد فشلنا جميعاً (فتح وحماس) في التوافق على رؤية وطنية واحدة، وقد أخفقنا جميعاً في إدارة حكم رشيد يعزز من قدرات شعبنا على الثبات والصمود، والحفاظ على زخم العمل المقاوم، ولقد فشلنا كذلك في قيام شراكة سياسية تجمع الكل الفلسطيني، حيث يتحمل كلٌّ منَّا المسئولية الكاملة في "الغُنم والغُرم".
لقد فشلنا يوم سمحنا لإعلامنا الحزبي أن يطلق لسانه في مناكفات جارحة أوغرت الصدور، وصارت "الوطنية" لها صكوك ومزامير!!
لقد فشلنا في الحفاظ على وحدة شعبنا وتماسك معنوياته الوطنية، ولم نقدم له رؤية تجمع ولا تفرق، فغدونا شعوباً وأحزاباً، وصار حال كل منَّا كما قال امرؤ القيس: "نحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا"!!
لقد فشلنا يوم عمَّقنا الخلاف بيننا، وأضحت قضايا خلافاتنا السياسية مطيَّة للتلاسن والتنابز بالألقاب المصاحب لها، وتحولنا بعيداً عن خطابنا الوطني، وتقاعسنا عن رصد الطاقات لحشد الأمة خلف قضيتنا المركزية فلسطين.
لقد فشلنا جميعاً بامتياز عن تعبئة الأمة للانتصار لنا، وتسببنا في شرذمتها بما استفحل بيننا من تباينات وخلاف.
لقد فشلنا يوم سمح كل منَّا للحمقى من أصحاب الحناجر للتطاول على كل ما هو جميل في تاريخنا النضالي، وكأن تاريخ القضية بدأ مع هذا الفصل أو ذاك!!
لقد فلشلنا يوم أضحى الشارع الفلسطيني مستقطباً، ولا يحفظ إلا ما يقول به شيخ القبيلة، وعطلنا حسه الوطني، وصار لسان حال أكثرنا "وأحياناً على بكرٍ أخينا"!!
لقد فشلنا جميعاً برغم تقارب وجهات نظرنا في مشروع التحرير والعودة، حيث اختلت بوصلتنا النضالية، وغرقنا من جهلنا وصراعاتنا السياسية في بحر لجيٍّ من التيه والضياع.
لقد فشلنا جميعاً يوم غابت ضوابط الخلاف، فلم نترك أحداً بيننا بدون نقيصة أو اتهام، بحيث لم يبقَ لشبابنا من يتعلقون به كقدوة ومثال في الرمزية والكريزما الوطنية.
لقد فشلنا (فتح وحماس) يوم أظهرنا للعالم - بجهالة وغباء سياسي - أن التنظيم يتقدم على الوطن، وكرسي الزعامة هدف الجميع.. لقد فشلنا حقيقة حين صارت تنظيماتنا تبني تقييماتها لكوادرها على مدي عداوتها للآخر الفلسطيني!! لقد فشلنا جميعاً حين تحول الجدل والخلاف إلى منصة للمناكفة، وأخذ كل ديك حزبي – للأسف - على مزبلته يصيح!!
لقد فشلنا؛ لأننا لم نعد نصلح لقيادة شعب، كان دائماً مشكاة للأمة، وكان شبابه عنواناً للكرامة والنخوة والرجولة "قوىُّ البأسٍ جبارٌ عنيد"، فكان عن جدارة رمزاً للفخر والعزة؛ ولحن الخلود لأرضنا المباركة.
لقد فشلنا وفشلنا - يا صديقي - يوم تحول رجالات هذا الوطن إلى خيول مخصيِّة لا نسمع صهيلاً لها!!
لقد فشلنا يوم تحولت المنصات الخطابية والمنابر إلى سوق عكاظ لأصحاب الحناجر ووعاظ السلاطين، فلا يعتلي أكثرها إلا كل من فقه معادلة "ذهب المعز وسيف"!!
لقد فشلنا - يا صديقي - يوم أوصلنا الكثير من أبناء شعبنا العظيم إلى متسولين وباعة في الحواري والطرقات، وبالكاد يتحصل الواحد منهم على قوت عياله!!
لقد فشلنا جميعاً يوم تركنا ثروتنا الوطنية من الشباب الخرجين تتسكع في الطرقات تبحث عن عمل فلا تجده، فتركب قوارب الموت أملاً بالحياة التي تهبها فرص الهجرة والاغتراب، بعيداً عن أرض الوطن!!
لقد فشلنا جميعاً يوم اعتقد كل منَّا بأنه صاحب القوامة والولاية الوطنية؛ أي أنه وحده في الحكم لا شريك له!!
لقد فشلنا جميعاً حين قمعنا الأصوات وكممنا الأفواه، ومنعنا الناس أن تطالب بحقها في الحرية والعيش الكريم، وأطلقنا يد الأجهزة الأمنية تدوس كرامة الجميع، فلا تكاد تسمع لأهل الرأي والمشورة من كلمةٍ إلا همساً!!
لقد فشلنا جميعاً يوم أضعنا مستقبل شبابنا وأطفالنا فلم تعد بلادهم غالية عزيزة، ولا أهلها كرماء، بل غدت أرضهم - برغم أنها مباركة - طاردة لهم!!
لقد فشلنا يا صديقي حين ركبنا العناد، فلم نتوافق حتى على إدارة مسيرات العودة السلمية، والأخذ بيد شعبنا لإشعال انتفاضة تغطى كل ساحات الاشتباك مع المحتل الغاصب؛ لإن لكل طرف حساباته الخاصة، وتعدى الطموح ما اجتمعنا عليه من وطن!!
لقد فشلنا يوم خسرنا رصيدنا التاريخي في الثورة والنضال السياسي والعسكري، فصارت حركة فتح "أم الجماهير" مثار شبهات واتهام، وكذلك هو الحال مع حركة حماس؛ أيقونة الجهاد والمقاومة، "وهلا يا ربع القسَّام"!!
بصراحة يا صديقي.. كانت قامات مواقفنا أقل بكثير من طموحات قامات شعبنا العظيم!! وهنا بيت القصيد وحجر الزاوية، والسؤال الذي سنعيش أنا وأنت نطرحه في ألم وحسرة: لماذا؟!
يا صديقي.. لقد فشلنا جميعاً - أنا وأنت - بكل ما نمثله من مكانة وانتماء، وأخطأنا الحسابات، وأخشى ما أخشاه أن تصبح أثداء الحرائر سلعة للعهر والمتاجرة، حيث بلغ حزام الفقر الطُّبيين، وصارت ضغوطات الحاجة تبيح كل محذور أخلاقي ووطني، وقضية هكذا حالُ أهلها – يا صديقي – لن تصمد على مواجهة الأعداء، فضلاً على احتمالية هزيمتهم.
أنا يا صديقي لا أملك القدرة لكي أعسَّ في الليل لأسمع أصوات الجوعى وذوي الحاجات؛ لأن الكثير من هؤلاء غدوا يطرقون – على استحياء - باب كل صاحب بيتٍ يمتلك قوت يومه.
لقد أخطأنا وأخطأنا، وفشلنا وبعثراتنا جميعاً أضعنا الوطن!!
صديقي د. صائب..
قل لي بربك من يجرؤ اليوم على الاعتراض، ومن يستطيع أن يقول لا أريد هذا أو ذاك من رموز هذه المرحلة البائسة من محنتنا الوطنية!! إن الكثير ممن تكدسوا اليوم في مشهد السلطة والقرار في الضفة الغربية أو قطاع غزة هم - في الحقيقة - من أذهبوا طهارتنا الوطنية، حيث أصبحت ممارسات البعض منهم موضع إدانة أو اتهام.
إن المرحلة – يا صديقي - بما هي عليه من وضعية الذل والفقر والمهانة تجعلنا لا نعذر أحداً منهم أو نُبرِّؤه، فالبعض منهم لو كان للتاريخ مقصلة لأخذهم عدل حبالها.
صديقي د. صائب.. أنا وأنت ربما لسنا أبرياء، فكلنا متهمون يا عزيزي!! فأنا عملت في الحكومة لسنوات وكذلك أنت، وشاهدنا معاً كيف تراكمت الأخطاء، وكيف وقعت الكارثة.. يمكننا - أنا وأنت - الادعاء بأننا حاولنا الإصلاح بقدر الاستطاعة، ولكنَّ جهودنا لم تكلل بالنجاح، وهذا يا صديقي لا يعفيني أو يعفيك، فنحن في منظور الحالة الوطنية جزء من هذا الفشل. لقد اعتذرت - على المستوى الشخصي - مرات ومرات لشعبنا، واعتذر غيري كذلك، ولكن تبقى الحقيقة المرة أننا فشلنا وأضعنا الوطن.
صديقي العزيز د. صائب
لا تُحمِّل حماس وحدها ظلم ما آلت إليه الأوضاع، فحركة فتح هي شريك وطني بامتياز في كل هذا المشوار الطويل مما نحن فيه من الإخفاق والتردي.
صديقي د. صائب.. إن من حقك أن تعتز بقبيلتك وأنا كذلك، ولكن ما أضعناه أكبر من القبيلة وشيخ القبيلة، إنه هذا الواقع الأليم الذي تُذرف عليه دموع الندم، ويتطلب مني ومنك التسبيح الدائم وطلب المغفرة من هذا الشعب، الذي أرهقنا كاهله صعوداً بمسغبة الفقر والعوز والحاجة.
صدقني يا صديقي.. إن ألف حَجةٍ إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة لن تجعل ضميري مرتاحاً، فيما الأقصى وبيت المقدس في أيدي الصهاينة.. صدقني يا عزيزي د. صائب أنه في اليوم الذي نغيب فيه أنا وأنت والكثير ممن هم اليوم متشبثون بصدارة مشهد الحكم والسياسة، فسوف يجد أبناء وطني من جيل الشباب من يتصدى لحمل الراية، والأخذ بيد شعبنا العظيم إلى الخلاص.
ختاماً.. يبدو يا عزيزي أن طول سنوات الخصومة والانقسام تفرض علينا أن نفكر خارج الصندوق الحزبي، وأن نبادر بطرح مبادرة وطنية جديدة، لعلنا نجد فيها طوقاً للخلاص وراحة البال من هذه المناكفات التي لن تنتهي مع حالة الاصطفاف والحزبية المقيتة.
لقد طرح د. إبراهيم أبراش؛ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر، فكرة تستحق منا القراءة والتأمل، حيث أشار إلى أن "تقليص الخيارات أو انعدامها أمام النخب السياسية الفلسطينية الحاكمة في الضفة وغزة أو إيصالها لقناعة بعدم وجود بدائل وخيارات، لا يعود فقط لقوة إسرائيل بل لفشل هذه النخب والافتقار لروح الإبداع الثوري أو لتواطئها مع العدو لوجود مصالح مشتركة غير معلنة بينهم". ولذلك، هو يعرض اليوم فكرة "الفيدرالية الفلسطينية"؛ باعتبارها نظاماً بديلاً بديل عن الانفصال، والطريق إلى الخلاص الوطني.
ربما تكون الفكرة مفاجئة لنا جميعاً؛ لأن آمالنا ما تزال معلقة بتحقيق المصالحة وانهاء الانقسام، ولكن بعد أكثر من إحدى عشرة سنة من عذابات الترقب والانتظار وتآكل جغرافيا الوطن، فليس أمامنا إلا أن نشب على طوق الخلاف، ونأتي بما يحفظ وحدتنا، وذلك بقطع الطريق على كل من يحاول أن يسوقنا عنوة باتجاه دولة غزة.
قد تكون الفيدرالية هي صيغة إبداعية للحل، ربما داعب خيال البعض حتى من الإسلاميين، فدعنا نضعها كفكرة على منصة المداولة والنقاش.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف