بعدَ أيامٍ قليلةٍ على استئناف المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة قلت لديبلوماسيٍّ أميركيٍّ بأنني أدعو اللهَ لكي لا ينجح كيري في جهوده للتوصل إلى اتفاقيّة سلام، على خلاف القيادة الفلسطينيّة التي تتمنى له النجاح. فسألني والدهشة تسيطر عليه: لماذا؟ فأجبته: لأن أي اتفاق يتم التوصل إليه في ظل الرعاية الأميركيّة للمفاوضات الثنائيّة، التي تمت بلا مرجعيّة ولا ضمانات ولا حتى تجميد الاستيطان؛ سيكون اتفاقًا لصالح إسرائيل. فهو سيكون ملبّيًا للمطالب والشروط الإسرائيليّة الجوهريّة على الأقل، وسيُفرض فرضًا على الفلسطينيين، وهذا يعود لسبب بسيط جدًا وهو أن الإدارة الأميركيّة منحازة بشكل مطلق لإسرائيل، وبشكل أسوأ من الإدارات السابقة، كما اتضح ذلك من زيارة أوباما التي رمم فيها علاقاته مع إسرائيل، وتبنّى الرواية التاريخيّة للحركة الصهيونيّة، التي تعتبر إقامة إسرائيل تحقيقا للوعد الإلهي بوصفهم "شعب الله المختار"، الممتدة جذوره في "أرض الميعاد" منذ آلاف السنيين.
لا يوجد ما يدعو للتفاؤل بالمفاوضات، لأن الوضع الفلسطيني ضعيف، وما يزيده ضعفًا على ضعف الانقسام الذي يتجذر عموديًا وأفقيًا. كما أن مآل الوضع العربي بعد الثورات العربيّة حتى الآن على الأقل همّش القضيّة الفلسطينيّة، وشجع حكام واشنطن وتل أبيب على العمل من أجل المسارعة إلى تطبيق أكثر الإجراءات الاحتلاليّة سوءًا، والسعي لفرض حل تصفوي للقضيّة الفلسطينيّة. كما أن الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة أكثر حكومة تطرفًا في إسرائيل، ويتراوح موقف وزرائها في غالبيتهم العظمى بين من يرفض قيام دولة فلسطينيّة ومن يرفض حتى حل انتقالي جديد أو خطوات أحاديّة الجانب، ومن يقبل قيام الدولة يفعل ذلك على أساس اللاءات والشروط الإسرائيليّة التي تجعلها - إذا قامت - لا تملك من مقومات الدولة سوى الاسم، ولا تملك السيطرة سوى على السكان في المعازل التي ستكون تحت سيطرتها.
وجاءت بعد ذلك المساومات الدوليّة حول الكيميائي السوري والنووي الإيراني، التي تحفظت إسرائيل عليها علنًا، وانتقدت إدارة أوباما على عقدها، الأمر الذي دفعها لمحاولة استرضائها أكثر وأكثر على حساب الفلسطينيين.
فبعد أن كان كيري يفضل التوصل إلى "تسوية" نهائيّة تتضمن إقامة دولة على حدود 67 مع تبادل أراضٍ متفق عليه، وعلى أساس مرابطة قوات دوليّة أو أميركيّة على الحدود وفي الأغوار؛ طالعتنا الأيام الماضية بخطة عرضها كيري أثناء زيارته الأخيرة تضمنت إعطاء الأولويّة للأمن الإسرائيلي، بحيث يتم الاتفاق على الخارطة الأمنيّة أولًا، ليصار بعد ذلك إلى رسم خارطة الحدود على أساسها.
لقد تضمنت "خطة كيري" قبولًا أميركيا باستمرار السيطرة العسكريّة الإسرائيليّة على الحدود والأغوار لفترة يقال إنها مؤقتة، ولكن التجربة الماضية علمتنا أنها ستكون دائمة، بذريعة إلى أن تتأكد إسرائيل من جدارة الدولة الفلسطينيّة العتيدة على توفير الأمن لإسرائيل، على أن تكون المعابر مشتركة (إسرائيليّة فلسطينيّة) مع توفير غطاء تكنولوجي أميركي.
واتضحت معالم "الخطة الأميركيّة" الانتقاليّة بتصريحات أوباما في منتدى "سابان"، حيث قال إن هناك تقدمًا بالمفاوضات يمكن أن يسمح بالتوصل إلى اتفاق إطار على طريق التسوية النهائيّة على مراحل، وأشار إلى أن الحل يمكن أن يبدأ في الضفة ويتم تأجيله في قطاع غزة، وعندما يرى أبناء القطاع "الازدهار الناشئ" في "دولة" الضفة سيثورون لكي يتلحقوا به. وقال أوباما إن على الفلسطينيين الموافقة على رغبة إسرائيل في قيام "فترة انتقاليّة" للتأكد من أن الضفة لن تشكل مشكلة أمنيّة مشابهة لتلك التي شكلها قطاع غزة، وطالب الفلسطينيين بضبط النفس لأنهم لا يمكن أن يحصلوا على كل ما يريدونه في اليوم الأول. وأضاف بأن الخطوط العريضة لـ"اتفاقيّة سلام" محتملة واضحة.
الجانب الفلسطيني رفض المقترحات الأميركيّة لأنها تعني "حلًا انتقاليًا" جديدًا يراد له أن يكون "نهائيًّا". ومن أجل ضمان التوصل إليه، تحدث أوباما وكيري عن التقدم الحاصل الذي يمكن أن يحصل، وذلك للتمهيد لتمديد المفاوضات من خلال الإيحاء أنها وصلت، أو يمكن أن تصل حتى نهاية نيسان القادم، حيث تنتهي فيها فترة الأشهر التسعة؛ إلى نقطة يشعر فيها كل طرف من الطرفين أنه سيخسر من عدم التقدم إلى الأمام.
أما الجانب الإسرائيلي، فخاض خلافًا علنيًا حول "الخطة الأميركيّة" رغم أنها تلبي المطالب الإسرائيليّة الرئيسيّة في الأمن، حيث عارضها موشيه يعالون، وزير الحرب، وأفغيدور ليبرمان، وزير الخارجيّة، لأنهما ضد الحلول الانتقاليّة وضد إعطاء الفلسطينيين شيئًا قبل اعترافهم بإسرائيل بوصفها "دولة يهوديّة" وتنازلهم عن حق العودة للاجئين.
في ظل الشروط التي تجري بها المفاوضات، أصبحت مفاوضات أكثر من أي مفاوضات سابقة "إسرائيليّة إسرائيليّة"، ومن ثم "إسرائيليّة أميركيّة"، وما يتم الاتفاق عليه بينهما تجري محاولة فرضه على الفلسطينيين، حيث يذهب المفاوض الفلسطيني إلى المفاوضات ضعيفًا من دون أوراق قوة ولا بدائل، ومن دون الشروع في بناء بدائل عمليّة عن المفاوضات قادرة على وضع أقدام الفلسطينيين على طريق تجاوز مآزقهم في المفاوضات، والمصالحة، والمشروع الوطني الذي أصبح بحاجة إلى إعادة تعريف بعد وصول إسترتيجيتي المفاوضات والمقاومة إلى طريق مسدود، حيث تستخدم المفاوضات للتغطية على تعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان، والمقاومة أصبحت وسيلة دفاعيّة هدفها الحفاظ على السلطة.
القيادة الفلسطينيّة أمام لحظة الحقيقة، وتقترب اللحظة التي يتوجب فيها اتخاذ قرار بمستوى التحديات والمخاطر التي تواجه القضيّة الفلسطينيّة، وإذا استمرت بالتصرف كما تتصرف حتى الآن ستقود الفلسطينيين إلى كارثة جديدة، سواء إذا قبلت الحل التصفوي الجاري بلورته، أو إذا رفضته واستمرت بانتظار الرئيس الأميركي القادم والحكومة الإسرائيليّة المقبلة. إن اعتماد المفاوضات كخيار وحيد من دون بدائل وفي ظل الانقسام وشلل منظمة التحرير وغرق السلطة بتأمين الرواتب وبلا مقاومة لا شعبيّة ولا غيرها؛ سيُدخِل الفلسطينيين في نفق مظلم يقودهم إلى الكارثة والضياع. إن ما يجري حتى الآن من مقاومة ليس إستراتيجيّة مقاومة معتمدة من القيادة والقوى، وما يتطلبه ذلك من توفير الإرادة والإمكانيات لنجاحها، وإنما مقاومات فرديّة ومحليّة منعزلة عن بعضها، ويمكن أن تتعايش معها إسرائيل إلى الأبد.
إن المعضلة لا تكمن أساسًا في المفاوضات أو عدمها، وإنما في عدم طرح تصور متكامل يجمع أوراق القوة والضغط وقادر على استنهاض الشعب الفلسطيني مجددًا من أجل تحقيق أهدافه وحقوقه الوطنيّة، عند توفره يمكن أن تتكامل فيه أشكال العمل السياسي مع أشكال النضال، بحيث تزرع المقاومة لكي تحصد المفاوضات، ومن لا يزرع لا يحصد.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف