:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/1795

خصوصية نبات الصّبار في حياة الإنسان الفلسطيني../ روضة غنايم

2013-10-20

ضمن زيارة قمت بها لمزرعتنا في الأسبوع المنصرم، رأيتُ نبتة صبار من لوح واحد تحمل الكثير من أكواز الصبر ونباتات اخرى أحاطت جدار المزرعة. فألهَمني نبات الصبار للكتابة عن خصوصيته في الحياة الفلسطينية، حيثُ أعادني لذاكرة هذا المكان، فتواجده الكثيف هُنا هو بمثابة شهادة ودلالة مُثلى لإدراك أن في هذا المكان كانت هُناك قرية فلسطينية.
نبات الصّبار يُمثل حقيقة وجودنا وقوة صبرنا وصُمودنا في وطننا. وهو شاهد على دمار مُدننا وقُرانا التي هُجر مِنها أهلنا بِقوة السلاح، ومع أنهم استطاعوا هدم البيوت وطرد أهلها، وإخفاء كل معالم القرى وحتى زرع السرو والصنوبر على أنقاضها، بقي الصبّار مُنتشراً في خرائب وحدود القرى المُدمرة والمُهجرة في البلاد.
نحنُ والصّبار
كانت لنبتة الصَبار وظائف هامة في حياة القرى الفلسطينية، حيث استُخدم في رسم الحدود بين مساحات ومُلكية الأراضي بين الجيران أي أنه احتل في الجغرافيا الفلسطينية مكانا هاما. واستخدم أيضا كحام للمكان والإنسان من خلال أشواكه، حيث أن شوكه يحميه من الخارج أي لا يستطيع أي حيوان الاقتراب منه إلا الجمل، فالجمل حيوان صحراوي مُتكيف لأكل النباتات الشوكية ويستطيع أكله مع أشواكه ثم يستخرجها لاحقا من فمه، لذلك نسمع أن في منطقة النقب عند البدو، حين تنغرز شوكة في جسم طفل أو أي شخص آخر، يُحضرون ريق من الجمل ويمسحون بها الجلد لتذوب.
ما يميز هذه النبتة أنها تعيش من لا شيء. ما تريده فقط هو أرض لترتبط بها، حتى لو قطعت لوح صبار ورميته يبني جذورا في الأرض ويعيش. للصبار قدرة احتمال عجيبة في بقائه بظروف البيئة القاسية، يشبه الصبار بذلك الإنسان الفلسطيني المتشبث بأرضه رغم الظروف السياسية والاقتصادية القاسية. فمهما انتزعته من جذوره ومهما زاد علية الحر والبرد، يعود ويغرس جذوره في الأرض من جديد ويبقى صامدا في مكانه مهما طال الزمن.
من أمريكا إلى فلسطين
الصبار ينتمي للفصيلة الصبارية، مُعظم أنواع الصبار تعيش في الظروف والبيئات الصحراوية، لهذا يضرب المثل بهذه النباتات في تحمل العطش والجفاف، الذي قد يمتد لسنوات طويلة، وينتج بعضه ثمارا مثل التين الشوكي (ما نسميه بالصبر)، وتنمو أزهار لبعض أنواعه. الموطن الأصلي للصبر هو أفريقيا الشرقية والجنوبية وأمريكا الجنوبية وشبه الجزيرة العربية. استعمل الصبر في الطب القديم، ويستخدم اليوم في الطب الحديث، حيث يستعملون عصارته المائية، ويستخدم أيضا في العلاجات التجميليه والوقائية.
التين الشوكي أو ما نسميه بالصبر هو من أهم أنواع الصّبار المتواجدة في بلادنا، وهذا النوع يرجع موطنه الأصلي إلى أمريكا الجنوبية. وهو بطيء النمو، يزهر في الصيف، لذلك هو مُهدد بالانقراض، والنباتات الصغيرة منه لا تتحمل أشعة الشمس المُباشرة لفترة طويلة، ولكن بعد أن يصبح عمرة سنة يحتاج إلى الشمس للتكاثر وللإزهار، كما يحتاج لتربة جيدة للتهوئة. الصبار نبات شوكي أوراقه التي نراها شوكية جدا، وتسمى كل ورقة "لوح صبر" نظر لثقلها فهي سميكة وكثيفة، للصبر ثمار تؤكل في الصيف وهي لذيذة الطعم وإن كان تقشيرها هذه يتطلب الكثير من الحذر نظرا لكون الثمار شوكية أيضا. وشوك الصبر صغير جدا، ولا يكاد يرى بالعين المُجردة، ويلقط بسرعة بالجلد، تسمى ثمرة تين شوكي (صبر) وتسمى (كوز صبر) وهُنا تبدو كما نراها قبل قطفها. لب الثمر حلو المذاق ولكن البذور بداخلة كبيرة الحجم نسبيا.
لا ينسى
نبتة الصبار لا تعني لنا نبتة صغيرة في داخل أصيص يزين بيوتنا. هذا الاستعمال أصبح حديثا ودخيلا لبيوتنا، هذه النبتة ارتبطت ارتباطا وثيقا مع هويتنا الفلسطينية وتراثنا الفلسطيني، فلهذه النبتة مفهوم تراثي واجتماعي عميق. استقبل الصبار في فلسطين كمهاجر من أمريكا على أيدي وبإرادة سكان فلسطينيين قبل حوالي 300 عام، واستعمل منذ تلك الفترة في شتى أنحاء الحياة للإنسان الفلسطيني، فأصبح حاميه وحدوده ومصدر غذاء وزينة لبيته، والصبر بدوره للعرفان بالجميل ظل شامخا واقفا مظهرا للحقائق عن شعب قد عاش وازدهر على هذه الأرض يأبى الزوال والنسيان.
أما اليهود مواليد البلاد يطلقون على أنفسهم مصطلح " التسباريين" " صباريّين" أي أنهم هم سكان البلاد الأصليين، مفهوم هذا المصطلح يعطي لهم شرعية بتجاهل احتلالهم لهذه الأرض. لا يميزون بين الصّبار الذي يعيش حياته الطبيعية في البلد، وبينهم كمشرعنين للاستيطان في الشرق الأوسط، عندما ينزعون عن فكرهم العنجهي والاستعلائي، ويحبون الصبّار وأهله سيتقبلهم الصبار في البلاد.