:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/1978

حين يهدد كيري.. بإنتفاضة ثالثة -معتصم حمادة

2013-11-16

يدرك كيري أن الانتفاضة الثالثة ستختلف عن الأولى والثانية في طبيعتها واستهدافاتها وآليات احتكاكها، لذلك «يعاتب» الإسرائيليين، ويدعوهم لخطوات أكثر «تعقلاً» في المفاوضات مع الفلسطينيين.
فاجأ وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، المراقبين بتحذيره من اندلاع انتفاضة ثالثة في المناطق الفلسطينية المحتلة. وكان قد سبقه في ذلك الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حديث له أمام المجلس الاستشاري لحركة فتح حين حذر من انفجار الوضع في الضفة الفلسطينية، واندلاع انتفاضة ثالثة على خلفية تغول المشاريع الاستيطانية، والعرقلة التي تشهدها العملية التفاوضية على يد الجانب الإسرائيلي. المراقبون، كما أسلفنا في الأسبوع الماضي، قرأوا في تحذيرات عباس، استنجاداً بالوزير كيري. وقرأوا في تصريحات كيري «تخويفاً» موجهاً ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
كيري يعرف جيداً أن الرئيس عباس تعهد أكثر من مرة بالعمل على منع قيام انتفاضة ثالثة في المناطق المحتلة، مادام هو على رأس السلطة الفلسطينية. وكيري يعرف جيداً، أنه رغم «الحوادث الفردية» التي تشهدها المناطق المحتلة، إلا أن التعاون الأمني بين سلطات الاحتلال وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية يسير على ما يرام، ولا يعكر صفوه أحد. و نتنياهو، يعرف، كما كما تبلغه تقارير أجهزته الأمنية والاستخباراتية، أن السلطة الفلسطينية جادة في تطويق أي تحرك شعبي فلسطيني قد ينبئ بحدوث انتفاضة ثالثة أو قد يهدد بحدوث ذلك.
إذن ما معنى تهديدات كيري لنتنياهو، وما هو مدى جديتها والهدف منها؟
بطبيعة الحال، إن كيري لا يريد أي شكل من أشكال العنف في المناطق الفلسطينية المحتلة، ويريد للعملية التفاوضية أن تتجاوز العراقيل التي تواجهها، لأسباب عدة، أولها أن يحقق نجاحاً دبلوماسياً مهماً، يرتبط باسمه، كأحد كبار الدبلوماسيين الأمريكيين. ثانيها أنه يريد أن يحقق لإسرائيل استقراراً أمنياً في المناطق الفلسطينية عبر التوصل مع الفلسطينيين إلى تسوية. ثالثها أنه يريد هذه التسوية لتخفيض منسوب التوتر في المنطقة، والفتح على مرحلة من «السلام» بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، توفر لتل أبيب أجواء انفتاح إقليمي وعربي، يعزز مكانتها سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً، باعتبارها الحليف الاستراتيجي والأكثر أهمية للولايات المتحدة في المنطقة. رابعها وليس آخرها، إعادة صياغة العلاقات الإقليمية (العربية ـ الإسرائيلية، والإسلامية ـ الإسرائيلية) بما يخدم أكثر فأكثر المصالح الأميركية في المنطقة ومصالح حلفائها، وإعادة صياغة العديد من المفاهيم والقيم العربية في هذا السياق. لكن كيري، ومعه مبعوثه إلى العملية التفاوضية مارتن أنديك، يعرفان جيداً، رغم تواطئهما، أن الاستيطان وتغوله، بالطريقة التي يدار بها في تل أبيب، من شأنه أن يستفز حتى أقرب الأصدقاء لإسرائيل، بمن في ذلك دول الاتحاد الأوروبي نفسها. لذلك لا غرابة أن تصدر عن أنديك، ثم لاحقاً عن كيري، تصريحات تتأفف من اتساع الاستيطان، ليس على خلفية المطالبة بوقفه (رغم الإقرار العلني بأنه «غير شرعي») بل على خلفية دعوة تل أبيب إلى «استيطان ناعم وهادئ» لا يعطل المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية ولا يستفز الفلسطينيين، والأصدقاء، في الوقت نفسه.
كما أن كيري يدرك جيداً أن الإسرائيليين، في مناورة سياسية كبرى، ذات ارتباط بالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب، يربطون بين «جنيف النووي» بين إيران والدول الكبرى [5+1] من ناحية، وبين المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، من ناحية ثانية. إسرائيل، في قرارة نفسها، مرتاحة لما تحققه العملية التفاوضية في جنيف من تقدم على طريق تسوية الملف النووي الإيراني، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام طهران لامتلاك مفتاح صناعة وتخصيب الوقود النووي، الضروري لإنجاز القنبلة الذرية. لكن تل أبيب، في الوقت نفسه، وهذا ما تعكسه تصريحات قادتها، وتعليقات الصحف اليومية فيها، تبدي قلقاً فيه الكثير من المبالغةـ من نتائج مفاوضات جنيف، لتضمن أكثر النتائج إيجابية لصالحها باعتبارها القوة الإقليمية الأقوى في المنطقة. وهذا ما يفسر، مثلاً، توجه تل أبيب، في «زكزكة» سياسية لواشنطن، إلى باريس وموسكو في بحث هذا الملف.
كيري يدرك خطر الانتفاضة الثالثة على أوضاع السلطة الفلسطينية وعلى أوضاع الاحتلال والاستيطان. كيري، وخبراء السياسة الأميركية، يدركون أن الانتفاضات الفلسطينية لا تكرر نفسها. فالأولى كانت «انتفاضة الحجارة» كما أطلقوا عليها، لأن الحجارة كانت هي السلاح المفضل (والمتاح) أمام أبطال الانتفاضة. أما الانتفاضة الثانية فقد كانت انتفاضة مسلحة لعبت فيها البندقية دوراً كبيراً ألحق بالإسرائيليين خسائر بشرية مهمة، وأوجد داخل إسرائيل زلزالاً سياسياً حين استعاد العديد من رجال السلطة في الأجهزة الأمنية مواقعهم كفدائيين ضد الاحتلال [قبل أن يتم، لاحقاً، وفي إطار ما يسمى بإصلاح السلطة الفلسطينية عام 2002، تسريحهم من مناصبهم عقاباً لهم على دورهم في الانتفاضة]. وكثير من المراقبين يتوقعون أن لا تقتصر الانتفاضة الثالثة (إن هي وقعت) على الصدام مع الاحتلال وحده بل من المتوقع أن تولد احتكاكاً مع السلطة الفلسطينية خاصة إذا ما أصرت السلطة على قطع الطريق عليها وإخمادها بالقوة. وهذا أمر يعرض واقع السلطة الفلسطينية ومستقبلها لخطر جسيم، تحرص إسرائيل ومعها الولايات المتحدة على عدم وصوله. فالطرفان يدركان جيداً أهمية السلطة الفلسطينية وأجهزتها الإدارية والأمنية في حمل الأعباء الكبرى عن الاحتلال، وإعفائه من العديد من المسؤوليات، بحيث تحول، كما وصفه الرئيس عباس، إلى «احتلال خمس نجوم». ويدرك الأميركيون والإسرائيليون أن انتفاضة ثالثة في ظل وجود قطاع غزة خارج الانتشار الإسرائيلي المباشر، تطور مخيف في عالم الصدام الفلسطيني الإسرائيلي. لذلك جاءت تصريحات كبرى عن الانتفاضة الثالثة، وعن الاستيطان (وقبله تصريحات أنديك) جوائز ترضية كلامية لا أكثر للفلسطينيين، وعتاباً لفظياً، لا أكثر، للإسرائيليين، لإعادة النظر في بعض السلوكيات إن في الاستيطان، أو في العملية التفاوضية. فالأميركيون، بطبيعة الحال، «يزعجهم» أن تتوقف المفاوضات عند حدود «الأمن والحدود» وأن لا تتقدم إلى الأمام بما يمكن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني من تحقيق «إنجازات» لصالح الوساطة والرعاية الأميركية. ويدرك كيري، كغيره، أن اليد العليا في المفاوضات، هي اليد الإسرائيلية وأن أصحاب الطلبات غير المحدودة هم الإسرائيليون، وأن الطرف الذي بإمكانه أن يعرقل العملية التفاوضية أو أن يسهل تقدمها هو الطرف الإسرائيلي.
لكن حدود الضغط الأميركي لم تصل ولن تصل إلى حد مطالبة الإسرائيليين بتقديم تنازلات ذات مضمون استراتيجي يعرض أمن إسرائيل (كما تراه تل أبيب) للخطر ولن يضغطوا على الإسرائيليين حتى الوصول إلى الاشتباك السياسي بينهما. وبالتالي لا نقرأ تهديدات كيري على أنها انحياز إلى الجانب الفلسطيني بقدر ما هي محاولة «لتوجيه» إسرائيل نحو مصالحها كما تراها الولايات المتحدة. في هذا السياق، (على سبيل المثال) يتحدث الأميركيون عن ضرورة قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لأن هذا من شأنه أن ينزع عن إسرائيل صفة «دولة الاحتلال»، وأن يعيد تقديمها باعتبارها دولة «ديمقراطية ومحبة للسلام». ولأن الفصل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي من شأنه أن يحافظ على «يهودية الدولة الإسرائيلية»، في نصيحة تبدو وكأن إدارة أوباما أكثر حرصاً من تل أبيب نفسها على يهودية الدولة الإسرائيلية.
هل تثمر عبارات العتاب الأميركي خطوة إيجابية في المسيرة التفاوضية بين الجانبين؟ علينا أن ننتظر نتائج الجولات القادمة، كما علينا أن ننتظر نتائج جنيف النووي الذي يفترض أن يستأنف في العشرين من هذا الشهر.