:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/23611

عندما ينحر شعث الحقيقة في أحاديث الإفك

2019-11-19

عندما ينحر شعث الحقيقة في أحاديث الإفك

معتصم حمادة

في لقاء بوخارست، إستمرأ نبيل شعث وقوفه أمام الحاضرين، وإسترسل، عبر مكروفون، في سرد أحاديث فبركها لسانه على أنها حقائق، وقادته محاولاته المكشوفة، للتغطية على فشله في إدارة دائرة شؤون المغتربين، أن ذهب بعيداً، بحيث فقد إحساسه بالزمان والمكان، فرسم لنفسه زمانه الخاص، متجاهلاً الحكمة القائلة بأنه بإمكانك أن تقنع البعض بأكاذيبك، لكنك لا تستطيع أن تقنع الجميع، خاصة في زمن بات التواصل فيه أسرع من البرق، ولا يستطيع شعث أو سواه، أن يتغطى، أو يتلطى، بالنفي اللاحق لأكاذيبه، أو اللجؤ إلى اللعبة الشهيرة المسماة «تدوير الزوايا».

• بداية نسي شعث أو تناسى، أنه ليس مدير أو رئيس دائرة شؤون المغتربين، وأنه مجرد مكلف بإدارتها، بعدما إنتزعت من اللجنة التنفيذية، وباتت معلقة في الهواء. عين فيها بدعوى أنها تحولت إلى مجرد مكتب للجبهة الديمقراطية، ليجري في اليوم التالي تعيين 22 موظفاً من لون حزبي وسياسي واحد، بحيث تحولت فعلاً هذه المرة، إلى مكتب ملحق بمفوضية فتح لشؤون التنظيم. على صلة بشكل رئيس، مع قيادة الخارج. ومازال شعث يتشدق برفضه للفصائلية، ويدعو لرفع يد الفصائل عن الجاليات الفلسطينية في الخارج، في الوقت الذي عين فيه مكلفاً بإدارة الدائرة من موقعه الفصائلي، ولأسباب «فصائلية» هدفها، الذي لم يتردد في الكشف عنه، هو هيمنة فصيله على الحركة الجماهيرية، وعلى الجاليات الفلسطينية في الخارج، ودوماً تحت شعار مقدس جرى تجويفه، وأفرغ من مضمونه، هو «الوحدة الوطنية». الإلتحاق بشعث وبفصيله، وبقيادته، والتساوق مع سياستها، هو الوحدة الوطنية، أما أن تكون معارضاً لهذه السياسة، وأن تتسمك بقرارات الإجماع الوطني في المجلس الوطني، وأن تدعو للخروج من أوسلو والإنفكاك عن بروتوكول باريس، فأنت معادي للوحدة الوطنية، تعمل على شق الصفوف. وهكذا، وفي زمن شعث وأمثاله، تنقلب القيم رأساً على عقب، وتعاد صياغة المعادلات، والمفاهيم، وفق معايير لم تعد تستطيع الخروج من قيود أوسلو وأغلاله.

• منذ أن عين شعث مكلفاً بإدارة الدائرة، رفع شعار وحدة الجاليات الفلسطينية في العالم، أوروبا، والأميركيتين وغيرها، بحيث بدا وكأن ما تعانيه جالياتنا هو إفتقارها إلى المؤسسات الأهلية القائمة على المبادرات الجماهيرية، وعلى أسس ديمقراطية، وكأن جالياتنا كانت في غفوة تاريخية، جاء شعث ليوقظها من غفلتها ويعيد إليها الحياة. ولم يتوقف عن شن حربه ضد الوجود الفصائلي في الشتات، نازعاً عن نفسه صفة الفصيل، مدعياً الوحدة، وحصر في شخصه صفة تمثيل منظمة التحرير، في فهم بيروقراطي إقصائي يعتقد أن تمثيل المنظمة حكر على فصيل دون آخر، في فهم مسطح وتسلطي لمفهوم المنظمة، ونفي الحقيقة القائلة بأنها إئتلاف وطني، يقوم على مبدأ الشراكة الوطنية، ويتنافى مع سياسات التفرد والاستفراد، وإقصاء الآخرين، وتهميشهم. ولعل ما نشاهده حالياً في حالة تهميش اللجنة التنفيذية، يشكل نموذجاً فاقعاً لسياسة التفرد والتسلط ، والبيروقراطية، ومحاولات فرض الرأي الواحد، والقرار الواحد، بديلاً للائتلاف الوطني.

وقد ترجم شعث شعاره المزيف بعقد مؤتمر روما تحت مسمى مؤتمر الفلسطينيين في أوروبا. أشرفت عليه قيادة فتح في الخارج ممثلة بأحد أعضاء لجنتها المركزية، وهي التي فبركت المؤتمر، وسمت أعضاءه، ووضعت جدول أعماله، وشكلت هيئة رئاسته، وكتبت مخرجاته، بما في ذلك هيئته الإدارية. والتدقيق في الأسماء، يوضح أن المؤتمر كان حصراً لحركة فتح ولبعض الفصائل التي في حكمها. كان بإعتراف الناقمين من أعضائه (لأسباب لسنا معنيين الدخول فيها) مؤتمراً فصائلياً، من الدرجة الأولى، بيروقراطياً من الدرجة الأولى، حتى أن مكان وتوقيت انعقاده رسم لأسباب سياسية وبيروقراطية، كان الهدف منها مكشوفاً، بحيث بات المؤتمر مجرد تظاهرة سياسية، خارج أي عمل منظم، الهدف الأول والأخير منها «صورة» وخبر في وكالة وفا، بعيداً عن هموم الجاليات الفلسطينية وتنظيم صفوفها.

السؤال الآن، ماذا تبقى من مؤتمر روما ماذا حققت هيئته الإدارية من أهدافه؟ ماهي المهام التي أنجزها في خدمة القضية الوطنية؟ بل ونسأل أيضاً من تبقى من أعضاء هيئته الإدارية، ولماذا قدم عدد من أعضائها استقالته؟ ولماذا يدور الحديث علناً، وفي البيانات، عن الهيئة الإدارية الحالية وفشلها الذريع، وضرورة تشكيل هيئة جديدة. وإذا كانت هذه هي باكورة «المؤتمرات» التي يدعو لها شعث وفق مقاساته، ووفقاً لمعادلاته، وحساباته: فشل على فشل، هدر للمال العام بلا طائل، مصاريف سفر وإقامة في الفنادق وحفلات في المطاعم، وموازنات بلا حساب، والنتيجة، الفشل. فعن أية وحدة وطنية يتحدث، وبأية ديمقراطية يتشدق. ولماذا لا يطلع علينا بمكاشفة علنية، يوضح فيها لنا أسباب فشل مؤتمر روما. إلا إذا اعتبر «الصورة» التذكارية، التي اختصر المؤتمر، من أجل التقاطها، كانت هي الهدف، وكانت هي النجاح الباهر.

• في بوخارست، يقول شعث إنه دعا لورشة من أجل تدارس كيفية بناء لوبيات [ مجموعات ضغط] فلسطينية في أوروبا، لصالح القضية الوطنية. ثم، بقدرة قادر، تحولت الورشة إلى مؤتمر يمثل الجاليات الفلسطينية في أوروبا. كيف؟ من اختار الأعضاء، وماهي أعماله التحضيرية؟ أين هي الوثائق المعدة سلفاً؟ أين هي مشاريع القرارات؟ والتوصيات؟ ومن أين استمدت الورشة شرعيتها، وشرعية تحولها إلى مؤتمر بإسم الجاليات في أوروبا؟ إلا إذا كان كافياً، مجرد حضور شعث، الذي يملك صلاحية منح البركة الرسولية لهذه الورشة، وإضفاء الشرعية عليها، وتلاوة بعض الخطابات الرنانة، حول الوحدة الوطنية، وحول القضية [متجاهلاً أوسلو الذي كان له في صناعته الباع الطويل]. وبالتالي تحقيق المعجزات، في زمن لم يعد فيه للمعجزات وجود.

• وفي بوخارست، ينتقد شعث الجبهتين الديمقراطية والشعبية، لأنهما رفضتا دعوته لهذه الورشة التي تحولت مؤتمراً.

لست معنياً بالدفاع عن الرفاق في الجبهة الشعبية بل أترك لهم حق الدفاع عن النفس.

أما عن الجبهة الديمقراطية فإن شعث لجأ إلى الأكاذيب لأنه فشل في فبركة ما يريد. لذا قال إن الرفاق في «الديمقراطية» رفضوا المشاركة لأنهم «حردانين» (على حد قوله) بسبب حصتهم في الصندوق القومي التي حجبها عنهم محمود عباس.

يكذب شعث أكثر من مرة.

نعم الجبهة الديمقراطية تتعرض لحصار مالي بقرار من رئيس السلطة حين حجب عنها حقها المشروع في الصندوق القومي، لحوالي عام ونصف العام حتى الآن. لكن الأمر، كما يعرف شعث لم تغادر م. ت. ف لا علاقة له بقضية المال كما ادعى.

في اللقاء معه في بيروت، لم يطرح وفد الجبهة مسألة المال وحقوق الجبهة. لسببين: الأول أن شعث ليس صاحب صلاحية في قضية تتعلق بمكان آخر، وبالتالي ما قاله عن المال مجرد أكاذيب. الثاني أن وفد الجبهة لا يخلط بين الأمور لذلك لم يرفض الوفد فكرة توحيد الجاليات في أوروبا، بل رفض الصيغة الإدارية البيروقراطية الإقصائية التي قدمها شعث وقدم له بالمقابل صيغة ديمقراطية لتوحيد الجاليات من خلال قيادة جماعية، تقوم على المساواة في التمثيل، وتحفظ لكل جالية كيانيتها، وخصوصيتها، وتحفظ، في الوقت نفسه القدرة على توحيد جهود ونضالات الجاليات في أوروبا.

مشروع شعث قام على مبدأ الدمج التام لكل الاتحادات، بقيادة من فتح، وبحيث يكون القرار في نهاية المطاف، بشأن الجاليات الفلسطينية في أوروبا، بيد دائرة المغتربين، أي بيد شعث شخصياً. باسمها تصدر البيانات السياسية، التي لا تراعي التنوع السياسي في صفوف الجاليات، في وقت يدرك فيه الجميع أن ثمة خلافات سياسية بين أطراف م. ت. ف. بين من يناضل لأجل الخروج من أوسلو، وبروتوكول باريس، واستعادة البرنامج الوطني، وإنهاء الانقسام، ونقل الرفض اللفظي لصفقة ترامب ـــ نتنياهو إلى الرفض العملي من خلال الاشتباك السياسي في الميدان وفي المؤسسات الدولية، عبر تطبيق قرارات المجلس الوطني، والمجلس المركزي،

وبين من يعطل هذه القرارات، ويرفض إعادة تحديد العلاقة مع دولة الإحتلال، ويرفض الإشتباك مع الولايات المتحدة، ويتمسك بالتنسيق الأمني مع قوات الإحتلال، ويرفض سحب الإعتراف بإسرائيل، ويرفض مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ويعطل تقديم طلب انعقاد مؤتمر دولي للقضية الفلسطينية، ويتمسك بالمفاوضات الثنائية مع إسرائيل، «علنية أو سرية»، على حد قول خطاب رئيس السلطة الفلسطينية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ما قدمته الجبهة هي صيغة ائتلافية ديمقراطية، لتوحيد الجاليات، بينما ما قدمه شعث صيغة إدماجية قسرية، همها، وهدفها، إسباغ اللون الواحد على الجاليات، هو اللون المتنفذ في م. ت. ف، والمهيمن على مؤسساتها، يصادر دورها ويعطلها، ويجعل منها هياكل فارغة، مجرد عناوين، يتم اللجوء إليها لإعلان الولاءات والمبايعة في المناسبات السياسية، وعلى حساب القضية والوطن.

ولأن شعث، بنى نفسه زمناً خاصاً به، مفصولاً عن الواقع، وبنى لنفسه جرحاً من الأكاذيب، مفصولاً عن الحقيقة، التي ينحرها يومياً في أحاديث الإفك التي بات يجيدها تماماً، تجاهل التجربة الرائدة التي حققها اتحادان للجاليات الفلسطينية في أوروبا، الأول برئاسة جورج رشماوي، والثاني برئاسة فوزي اسماعيل، توصلا خلالها إلى صيغة ديمقراطية، توحد جهودهما، ونضالاتهما، في ساحات أوروبا، بعيداً عن الهيمنة، والتسلط، وفرض الرأي الواحد على الآخرين، وحل القضايا وإدارتها بالمراسيم الفوقية.

• أخيراً.. ننصح نبيل شعث أن يستعيد وعيه، وأن يخرج نفسه من عالمه الخيالي، وأن يعيد قراءة الحالة الفلسطينية قراءة علمية وواقعية، وأن يدرك أن المرحلة التي يرفع شعث لواءها، مرحلة أوسلو وقيوده، والتزاماته المذلة، باتت تشرف على نهايتها. وأنها في النزع الأخير، تلفظ أنفاسها مخلية مكانها لما هو جديد.

ولى زمن أوسلو، وبات على حافة الحفرة.

ولى زمن الهيمنة والتفرد والتسلط، الرأي الواحد، وزمن النصف +1، وزمن الكوتا الفاسد، وزمن شراء الذمم بالمال والمناصب والمغانم، وزمن شراء الولاءات..

ها نحن نقتحم زمناً جديداً، فيه للحركة الشعبية الدور الفاعل والمؤثر، هي صاحبة القرار، وصاحبة النفوذ.

انظر حولك، واقرأ جيداً ما يجري في محيطنا العربي. وأنظر حولك واقرأ جيداً. إنك تخاطب جاليات في أوروبا، أحزابها وقواها السياسية وأنظمتها تقوم على مبادئ الديمقراطية، ولا يمكن أن نفرض على جاليات عاشت الديمقراطية سياسة الهيمنة والتسلط.

رهانك فاشل.

وكما فشل في روما.. حتماً سيفشل في بوخارست، وفي غير بوخارست ■