:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/4140

هل فقد النظام السياسي الفلسطيني مبرر وجوده؟!

2014-09-27

الصيغة المعتمدة في رام الله، لتيسير الأمور تحت عنوان «القيادة السياسية» ما هي إلا محاولة للتهرب من المساءلة والمراجعة والاعتراف العملي بفشل النظام السياسي الراهن.
في زمن الشهيد الراحل ياسر عرفات، تشكلت، إلى جانب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ما يسمى آنذاك بالقيادة السياسية الفلسطينية، وكانت تضم إلى جانب اللجنة التنفيذية ورئيسها الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، وكانت تعقد اجتماعها [أو معظم اجتماعاتها] خلف الأبواب الموصدة لتتخذ القرارات السياسية التي تلبي الاستحقاقات الوطنية وتستجيب لها. هذه الصيغة اعتمدت في عمان [أو صيغة تشبهها]، وفي بيروت، وفي تونس. وعندما انتقلت المؤسسة الفلسطينية إلى الأرض المحتلة، وقامت السلطة الفلسطينية، على مراحل، اختفت القيادة السياسية، بالصيغة التي أشرنا إليها، وتراجع دور مؤسسات م.ت.ف، وعلى رأسها اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي. أما المجلس الوطني، فقد تحول إلى ما يشبه الأداة الاستعمالية بيد القيادة الفلسطينية المتنفذة، يدعى لوظائف ومهام محددة، وبقيت وظيفته، كمؤسسة تشريعية عليا في الحالة الفلسطينية، أي باعتبارها البرلمان الفلسطيني في المنفى.. بقيت مشلولة، ومعطلة، حتى لا تشوش قراراته وتوجهاته السياسية على سياسات القيادة المتنفذة، والتزامهاتها نحو اتفاق أوسلو وما يترتب على ذلك من خطوات أثار الاستهجان في الصف الوطني الفلسطيني.
بعد رحيل الشهيد عرفات، وتولي الرئيس عباس رئاسة السلطة الفلسطينية أخذت الأمور، في المؤسسة الفلسطينية، منحى أكثر انحداراً، بل وأصيبت الحالة الفلسطينية بنكسة خطيرة مع انقلاب 14/6/ 2007، ما زلنا حتى الآن نعيش تداعياتها، على الصعد كافة.
كرد فعل على الانقلاب المشؤوم، وما عكسه من تشويش على «الشرعية» الفلسطينية، خاصة بعد انفراط عقد المجلس التشريعي، أعادت القيادة المتنفذة، وبشكل ملحوظ، وأثار الانتباه، إحياء دور المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي «جدد» الشرعية للمؤسسة الفلسطينية، وأدان، باسم هذه الشرعية، الانقلاب ونزع الشرعية عن أصحابه، وعن حكومة هنية (التي سميت آنذاك باسم حكومة الوحدة الوطنية). وعندما أدركت القيادة المتنفذة، بحسها السياسي، أنها صانت شرعيتها، على الصعيد الفلسطيني، والعربي (عبر جامعة الدول العربية) والدولي، استعادت سياستها السابقة في تهميش اللجنة التنفيذية، التي تحولت اجتماعاتها إلى منتدى، ذي طابع نمطي، يتحدث فيه الرئيس والأعضاء، كل يدلي بدلوه، بعدها ينفرط عقد الاجتماع، ويذهب كل إلى حال سبيله، أما القرار السياسي فيبقى حكراً على القيادة المتنفذة، حتى ولو لقي معارضة غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية. وما يصدر عن هذه اللجنة من بيانات، كان في غالبيته العظمى لا يعكس حقيقة المداولات والنقاشات التي تجريها اللجنة بل يعكس وجهة نظر القيادة المتنفذة وحدها، حتى أصبحت الاجتماعات، في بعض الأحيان، وسيلة، وأداة بيد هذه القيادة لتمرير المواقف السياسية الانفرادية، ببيانات تزعم أنها صادرة عن اللجنة التنفيذية. علماً أن هذه اللجنة، هي، في النظام السياسي الفلسطيني، القيادة اليومية للشعب الفلسطيني، وهي حكومته في المنفى، والمرجع الأعلى للحكومة الفلسطينية، والإطار السياسي التنفيذي لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الجبهة الوطنية المتحدة لعموم الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، والإطار التنفيذي للائتلاف الوطني الفلسطيني العريض، الذي يفترض أنه يقوم على مبدأ الشراكة الوطنية. الشراكة في القرار، بعيداً عن سياسات الاحتكار والفئوية والاستفراد. وواضح تماماً أن ثمة مسافة واسعة تفصل بين واقع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والواقع الذي يفترض أن تكون عليه. وواضح تماماً أن دعوات الإصلاح السياسي، بإعادة الاعتبار للجنة التنفيذية ودورها القيادي، باعتبارها صاحبة القرار السياسي الفلسطيني، ما زالت حتى الآن أضعف من أن تشق طريقها نحو التنفيذ.
لم يقف الانحدار في دور الهيئات القيادية في م.ت.ف عند هذه الحدود بل تعداها إلى ما هو أدنى بكثير، حين جرى اعتماد جديدة لما سمي بالقيادة السياسية تجمع رئيس اللجنة التنفيذية وأعضاءها، وأعضاء في المجلس التشريعي، ومجلس الوزراء، وضباطاً كباراً في الأجهزة، ومستشارين في مؤسسة الرئاسة، وأعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح، تجتمع، بدلاً من اللجنة التنفيذية، تدور فيها مداولات ونقاشات، دون جدول أعمال محدد، وتخرج في نهاية الاجتماع، دون أي قرار، ما يترك القرار للقيادة المتنفذة تنفرد بصياغته، وفق رؤيتها، متجاهلة باقي الآراء ووجهات النظر. وبات واضحاً من خلال التجربة، أن ابتداع هذه الصيغة إنما هدفه، ليس تشكيل قيادة سياسية جماعية، يشارك فيها الصف الأوسع من المسؤولين في م.ت.ف. وفي السلطة الفلسطينية، بل أن الهدف منها هو قطع الطريق على أية دعوات لتشكيل قيادة جماعية، تمنح للمؤسسة الفلسطينية، أي الجهة الوطنية الفلسطينية، بعد الشراكة الوطنية في القرار السياسي، واضح أن هذه الصيغة هي محاولة للتهرب من المساءلة الوطنية بعد أن وصل مشروع أوسلو وأصحابه إلى الطريق المسدود، باعترافهم هم، وبعد أن باتوا أمام مفترق طرق، وبدا عجزهم واضحاً في شق طريق بديل. بل يمكن القول إن هذا النمط في إدارة المؤسسة إنما يدلل على فشل ذريع لطبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي بني على قواعد اتفاق أوسلو، وتحت سقف التزاماته السياسية والتي ألحقت الضرر الفادح بالحالة الفلسطينية وبالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. وما نشهده حالياً من احتراب إعلامي، بين فتح وحماس، بعد أسابيع قليلة على توافقهما على تشكيل حكومة «التوافق الثنائي»، وما نشهده كذلك من صراع بينهما على تفسير اتفاق الشاطئ، خاصة بعد الحرب على غزة، والتطورات الإقليمية الداهمة، وبروز احلاف واحلاف مضادة، وخلط واسع للأوراق، إنما يدلل على فشل النظام السياسي الفلسطيني على مواكبة الأوضاع الفلسطينية وعلى مواكبة التحديات الناشئة عن التطورات السياسية، وفشل هذا النظام في تجديد نفسه، لذلك نراه يراوح مكانه، عاجز عن أية خطوة إلى الأمام، يحكمه التردد والخوف، يرفض الدخول في المراجعات السياسية والتنظيمية، وفي البحث في ضرورات التجديد الديمقراطي، بكل ما يمليه هذا التجديد من التزامات تتجاوز الحدود الضيقة التي رسمها اتفاق أوسلو لهذا النظام السياسي.
هذا، على سبيل المثال، يفسر لماذا تعطل القيادة المتنفذة قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في 26/4/2014، ولماذا تتجاهل مذكرة الفصائل الفلسطينية الداعية إلى استكمال خطوات الانتساب إلى المؤسسات الدولية، بما فيها محكمة الجنايات الدولية ومحكمة لاهاي، ولماذا تتردد في دعوة القيادة الفلسطينية المؤقتة إلى الاجتماع لتقييم الحالة الفلسطينية والإقليمية والدولية، ورسم استراتيجية سياسية جديدة على انقاض الاستراتيجية القديمة التي نفقت وأصبحت جثة هامدة تحتاج إلى ما يواريها التراب. فإلى متى تتعايش الحالة الفلسطينية مع الجثث النافقة؟