عام 2020.. الأسوأ أمريكيًّا على المشهد الفلسطيني
2020-12-22
يحزم دونالد ترمب -الرئيس الأمريكي- أمتعته راحلاً من البيت الأبيض، مخلّفاً إرثاً سياسياً هو الأسوأ تاريخياً على المشهد السياسي الفلسطيني.
منذ حلّ "ترمب" على إدارة البيت الأبيض لم يدعم فقط "إسرائيل" مطلقًا؛ بل ختم دورته الرئاسية عام 2020 بقطع جميع الخطوط الحمراء في ملف القدس والاستيطان والتطبيع وإضعاف الموقف الفلسطيني.
بنصف تفاؤل يترقب الفلسطينيون أفراداً ومؤسسات جو بايدن الرئيس الأمريكي الجديد؛ أملاً في تصويب ما أفسدته سياسة ترمب التي حجبت الدعم المالي عن المؤسسات العاملة في أراضي السلطة، وسخّرت ملف التطبيع ليكون نصلاً في عنق الموقف الفلسطيني.
نبوءة كيري
قبيل انتهاء ولاية أوباما الرئيس الأمريكي السابق نصح جون كيري وزير خارجيته حينها رئاسة السلطة بالصبر على مفاجآت الرئيس المقبل ترمب، وعدم التصادم معه، واعداً بعودة الديمقراطيين مرةً أخرى بعد 4 سنوات.
ما بشّر به "كيري" يومها أضحى حقيقةً، لكن سلوك ترمب كان ملغوماً بسلسلة مفاجآت غير متوقعة، بدأت بنقل سفارته للقدس المحتلة، وإعلان صفقة القرن، وتكثيف قرارات الدعم المطلق عام 2020، موزعاً الهدايا السياسية بكثافة لـ"إسرائيل" قبل أسابيع من رحيله.
ويؤكد أحمد رفيق عوض، المحلل السياسي، أن إدارة ترمب نسفت جميع المرجعيات السياسية العاملة تاريخياً في التسوية وإدارة الصراع بين الاحتلال والفلسطينيين، متجاوزاً جميع القرارات الدولية واتفاقية "أوسلو".
ويضيف : "شاهدنا إدارة ترمب عام 2020 تواصل ما أعلنته منذ تولت عن إطار جديد للحل شجع الاستيطان واليمين الإسرائيلي، وقلل من أهمية الاتفاق مع الفلسطينيين، وخنق غزة بتشديد الحصار وتجفيف دعم الأونروا وقطع المساعدات عن السلطة والشعب".
وأجبرت سياسة ترمب عدداً كبيراً من المؤسسات الأجنبية على مغادرة أراضي السلطة التي رفض هو الاعتراف بها كشريك تسوية حقيقية مطلقاً يد "إسرائيل" في الاستيطان والتهويد.
وانكمشت السياسة الفلسطينية مضطرة في عام 2020م وهي تشاهد السباق العربي للتطبيع في آخر شهور من إدارة ترمب حين فقدت القضية الفلسطينية موقعها كمفتاح لأي حل عربي مع "إسرائيل"، ووقعت في وحل التطبيع أنظمة "الإمارات-البحرين-السودان-المغرب"، والمفاجآت مستمرة.
ويصف جمال عمرو، الخبير في شئون الاستيطان والقدس، عام 2020 بأنه "عام الحزن والمآسي" على قضية فلسطين متفوقاً على مأساة جائحة كورونا التي تشغل العالم.
ويتابع : "عام 2020 جاء على غير توقع الفلسطينيين الذين انتظروا المجهول من سياسة ترمب الداعمة للاحتلال، وانهار المشهد دراماتيكيًّا بتعزيز غير مسبوق للاستيطان وتصفية للقضية من منع دعم الأونروا وإنكار حق العودة والحدود والقدس".
وكانت إدارة ترمب أغلقت عام 2018م مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الأمريكية الذي فتح أبوابه عام 1994م؛ الأمر الذي عدّته السلطة خطيرًا في موقف أمريكا تجاه القضية الفلسطينية.
الموقف العربي
دوماً كانت القضية الفلسطينية بوابة التقدّم في الموقف العربي من دولة الاحتلال كجسم غريب اغتصب أرض فلسطين وطرد شعباً من أرضه، لكن ملف التطبيع مضى عام 2020 مخالفًا لمعادلة الماضي.
ويقول المحلل عوض: إن إدارة ترمب عام 2020 دفعت ملف التطبيع لحماية وتشريع وجود "إسرائيل" والالتفاف على كل الاتفاقيات الموقعة مسبقاً في ملف التسوية مع الفلسطينيين.
وأضاف: "التطبيع بين أنظمة عربية وإسرائيل ألقى بالمبادرة العربية التي طرحت عام 2002م في سلة المهملات، واستبدلها بصفقة القرن التي خالفت أيضاً مشاريع رؤساء أمريكيين سابقين للتسوية مثل "بوش وكلينتون"، وضغطت على الفلسطينيين مستخدمةً جزءًا من الأنظمة العربية ضدهم".
ويشير عمرو -الخبير في شئون الاستيطان- أن صفقة القرن هدمت مشهد التضامن النظري الذي تمسكت به معظم الدول العربية تجاه فلسطين لسنوات طويلة.
وقال: "صحيحٌ أن حالة التضامن مع فلسطين من معظم الأنظمة العربية كان ضعيفاً يفتقد للقوة، لكنه كان مستمراً في الحضور دون تجاوز فلسطين لأي قبول بإسرائيل".
ويضيف المحلل عمرو: "ترمب وضع عام 2020 بصمة فوق أنظمة عربية، وراكم إنجازات أضرت بقضية فلسطين، وأصبح اللعب على المكشوف".
البعد الديني
مضت إدارة ترمب من محطتها الأولى عام 2017 دون كوابح، ولم تصمد مناعة الدهشة السياسية لدى العرب والفلسطينيين في استيعاب سلوكه السياسي والدبلوماسي عاجزين عن مخالفته، وقلمه مستمر في التوقيع على قرارات لمصلحة "إسرائيل".
إصرار ترمب واندفاعه لم يكن تهوراً سياسياً من رجل يدير دولة بحجم أمريكا؛ بل يعود -حسب رؤية جمال عمرو- لمرجعية دينية وصهيونية يتبنى فيها ترمب عقيدة قد تفوق بعض معتقدات اليهود.
ويضيف: "انطلق ترمب من العقيدة النورانية لإبراهام لينكولن 1774م التي تحظى بأنصار وأعضاء يقدرون بـ70 مليون في أمريكا انتخبوا ترمب مجدداً، وهم صهاينة أكثر من الصهاينة في رؤيتهم لعودة المسيح كمخلص وإيمانهم بحق اليهود في فلسطين".
ولعل ما يمضي في القدس المحتلة ترجمة واقعية لعقيدة ترمب التي دعمت اليمين الإسرائيلي في تغيير معالم المدينة المقدسة التاريخية وهدم آثار المسلمين فيها دون الاكتفاء بنقل السفارة فقط، يؤكد جمال عمرو.
ما يجرى في القدس جوهر الصراع هو نشاط يهودي-أمريكي في عهد ترمب، يصفه المحلل عمرو بتأسيس لنماذج عمرانية وفق رؤية عقيدة الصهاينة التي تدمر الآثار والتاريخ العربي والإسلامي، وتصادر الأرض بشكل غير مسبوق عام 2020م.
توقعات المستقبل
اللحظة الوحيدة التي يجفّ فيها قلم "ترمب" وهو يوقع على قرارات تشرع احتلال "إسرائيل" لأرض ومقدسات فلسطين لن تأتي إلا وهو يقفل مزلاج حجرته في البيت الأبيض مغادراً دون رجعة.
للمرة الأولى تشهد إدارة رئيس أمريكي حضور قيادات صهيونية ومتبنين لرؤية "إسرائيل" بهذا العدد والكثافة بدءًا من "بولتون" مستشار الأمن القومي السابق ومستشاريه "كوشنير وغرينبلانت" وصولاً لسفيره في "إسرائيل" "فريدمان" الذي شارك بمطرقة ثقيلة في حفر أحد أنفاق القدس.
ويتوقع المحلل عوض أن تتوقف إدارة "بايدن" عام 2021م عن كل ما سبقها إليه "ترمب" مع محاولة إنتاج شكل جديد لاستئناف التسوية أو مشروع صفقة القرن.
ويؤكد أن ملف التطبيع قد يشهد توقفاً دون زيادة مرجحاً الشروع في عقد لقاءات لمواصلة الحوار بين الفلسطينيين و"إسرائيل" واستئناف الدعم لمؤسسات السلطة الفلسطينية.
أما جمال عمرو -الخبير في شئون القدس والاستيطان- فيرى أن الرئيس بايدن سيكون أقل ضرراً من ترمب على القضية الفلسطينية مع إيمانه بدعم الديمقراطيين للرؤية الصهيونية.
ويتابع: "الديمقراطيون سينطلقون من رؤية حق اليهود وعدالة وجودهم، ولن ينطلقوا من عقيدة ترمب النورانية. الفلسطينيون شعب لديهم إيمان عميق بضرورة تغيير موقف السلطة، وأتوقع هزّة فلسطينية عميقة جداً عام 2021".
وتحمل الأسابيع المقبلة نشاطاً دبلوماسيا مرتقباً لإدارة بايدن التي تسعى لتصحيح مسار السياسة الأمريكية في عدة ملفات في الشرق الأوسط على رأسها تعاملها مع إيران والقضية الفلسطينية، كما قالت.