:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/5755

عام آخر من الانقسام-محمد السهلي

2015-06-13

كلما مر أكثر وقت على الانقسام ، كلما تعمق واتسعت بنيته وتحلقت من حوله دوائر المستفيدين من وقوعه ومن تفاقمه
مع «تكاثر» المنعطفات والتعرجات في مسار العمل الوطني الفلسطيني، استجدت على أجندته مهام مفصلية المفترض أنها حسمت على نحو قاطع في مرحلة البدايات.. أو ما بعدها بقليل.
من تلك المهام موضوعة الوحدة الوطنية التي سبق أن تكرست مع توحيد البرنامج الوطني في إطار منظمة التحرير الائتلافية. وتمكنت المنظمة بفعل هذه الوحدة البرنامجية من أن تفرض نفسها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، الذي كسب معركة الاعتراف الإقليمي والأممي بحقوقه الوطنية عبر رزمة من قرارات الشرعية الدولية.
وفيما كانت الخطوة التالية بعد هذه الانجازات تتمحور حول تطوير أساليب النضال الوطني وتكاملها تعرضت التجربة الفلسطينية لانتكاسات في محطات عدة مع تكرار حالة التصدع في وحدة العمل الوطني وصلت أسوأ أشكالها مع الانقسام الذي وقع في حزيران/يونيو من العام 2007؛ والذي ما يزال ماثلا حتى يومنا هذا، والأسوأ في الأمر أن تداعيات هذا الانقسام مرشحة للتفاقم.. أكثر فأكثر.
حمل العام 2006 تطورات فلسطينية هامة، بدأت مع إجراء انتخابات المجلس التشريعي، ومع صدور نتائج هذه الانتخابات تبين أن النظام السياسي الفلسطيني أصبح برأسين؛ وساد القلق الأوساط السياسية والشعبية توجسا من مناطحة متوقعة بينهما في حال لم يتم التعامل مع استحقاقات نتائج الانتخابات بمسؤولية وطنية؛ خاصة مع ظهور مؤشرات تنذر بوقوع هذه المناطحة.
من هذه الزاوية يسجل للحركة الفلسطينية الأسيرة مبادرتها التي رأت أنه آن الأوان كي تتحد الحالة الفلسطينية داخل منظمة التحرير وخارجها وفق أسس برنامجية محددة تكفل إدارة الشأن العام الفلسطيني بما يخدم النضال من أجل تجسيد الحقوق الفلسطينية في العودة والاستقلال؛ وهو ما سعت إليه مبادرتهم عبر ما سمي «وثيقة الأسرى» التي وقعها ممثلو القوى الخمس الأساسية في العمل الوطني الفلسطيني (فتح والجبهتان الديمقراطية والشعبية وحركتا حماس والجهاد). وكان هذا التوافق مفتاح اعتماد هذه المبادرة في الحوار الوطني الشامل الذي عقد في قطاع غزة وصدر عنه «وثيقة الوفاق الوطني» في 26/6/2006 استنادا إلى جوهر (وثيقة الأسرى).. وهذا حصل قبل عام تقريباً من وقوع الانقسام.
هذه الانفراجة الهامة في الجو المحتقن الذي ساد العلاقة بين حركتي فتح وحماس عقب الانتخابات، مهدت الطريق للبحث في تشكيل حكومة وحدة وطنية تخطئ بأوسع تمثيل في المجلس التشريعي الثاني. وفعلا تشكلت الحكومة في شباط /فبراير من العام 2007. لكن المشكلة أن هذه الحكومة لم تكن ترجمة لقرارات الحوار الشامل الذي وقع في غزة، فقد استمرت الجدالات بين حركتي فتح وحماس حول توزيع الحقائب الوزارية في الحكومة أشهرا طويلة ولم يحسما الأمر إلا في «اتفاق مكة» (8/2/2007) واتفقا فيه على المحاصصة فيما بينهما؛ وعلى هذا الأساس تشكلت الحكومة والتي كان من الواضح نها تحمل أسباب انهيارها مع اتضاح أن الاتفاق الثنائي بين الحركتين لم ينه تصاعد الاحتقان بينهما وتبين أن الصراع على «السلطة» مرشح لأن يأخذ أبعاداً خطيرة جداً. وبالفعل انفجرت هذه الحكومة مع قيام حركة حماس بالسيطرة على قطاع غزة عسكريا وما رافق ذلك من اقتتال سفك خلاله الدم الفلسطيني.
هذه الانعطافة المؤسفة في مسار العمل الوطني الفلسطيني ألحقت الأذى بالحالة الفلسطينية سياسيا وشعبيا؛ مما دفع بالجهود المخلصة لاستعادة الوحدة ومعالجة آثار ما وقع لأن تدعو لإعادة الاعتبار للحوار الوطني الشامل والعودة إلى قرارات الحوار الذي حصل في غزة قبل عام من وقوع الانقسام وطالبت بتجاوز عقلية المحاصصة التي تمثلت في «اتفاق مكة».
وكان واضحا أنه كلما مر وقت إضافي على وقوع حالة الانقسام دون إنهائه، كلما تعمق هذا الانقسام واتسعت بنيته وتحلقت حوله دوائر المستفيدين من حدوثه ومن تفاقمه.
وعلى الرغم من أهمية القرارات التي صدرت عن الحوارات الوطنية الشاملة التي عقدت منذ ذلك الوقت، إلا أنها لم تحسم بشكل واضح ونهائي آليات تطوير النظام السياسي الفلسطيني بما يكفل دمقرطته وتكريس مبدأ الشراكة السياسية في إدارة الشأن الفلسطيني العام على الأصعدة كافة.
وكلما اقتربت هذه الحوارات من حسم موضوعة الانتخابات واعتماد قانون التمثيل النسبي الكامل ناظما لها، كلما هربت حركتا فتح وحماس باتجاه الاتفاق على قانون مختلط يجمع ما بين النسبي الكامل والدوائر الفردية. وهو القانون المختلط (بغض النظر عن النسب بين القانونين) ذاته الذي أنتج نظاما سياسيا فلسطينيا برأسين عقب انتخابات «التشريعي» بداية العام 2006، وبذلك حشرت التجربة الفلسطينية بين الاحتكار الفردي الذي وسم مرحلة ما قبل هذه الانتخابات وبين القطبين المتصارعين في ما بعدها. وكل من هاتين التجربتين أضرت بالحياة السياسية الفلسطينية وبالنضال الوطني استتباعا.
وحتى اليوم لم تخرج المعادلة في مسألة الوحدة (عندما تطرح) عن السيناريو الذي يعيد انتاج الأزمات الفلسطينية بكل تعقيداتها و«خير» دليل على ذلك «اتفاق الشاطئ» الذي وقع بين حركتي فتح وحماس في نيسان /أبريل من العام الماضي؛ وتشكلت على أساسه حكومة «وفاق» ، وها هي وبعد عام على تشكيلها لا تزال عاجزة أمام ملفات قطاع غزة المتراكمة.
الثابت أنه مهما استطاعت الحركتان الاتفاق على تشكيل أي حكومة أو اتفقتا على أية قضية في الشأن الفلسطيني فإنهما بذلك لا تضعان أساسا صالحا يدفع باتجاه انهاء الانقسام واستعادة الوحدة، دون أن يكون هذا الاتفاق في إطار توافق وطني شامل بعيدا عن عقلية المحاصصة الجهوية والمصالح الفئوية؛ وهو العامل الأساسي في نجاح أي مسعى لإنهاء الانقسام وتداعياته.
ومهما تعددت المبادرات الإقليمية أو الدولية ذات الصلة بإنهاء الانقسام، فإن حظها من النجاح في الخانة الصفرية إذا لم تتوافر الإرادة السياسية لدى طرفي الانقسام في انهائه، ومن خلال بوابة أساسية هي إعادة الاعتبار لمبدأ الحوار الشامل والتزام أسس وقواعد الشراكة السياسية على قاعدة «شركاء في الدم.. شركاء في القرار» من دون ذلك كله ستبقى الحالة الفلسطينية تنزف من جرح الانقسام الذي يتسع ويصعب مع مرور الوقت معالجته.
ولا يبدو ـ برأينا ـ أن معالجة واقع الانقسام وتوافر الإرادة السياسية لإنهائه ممكن بمعزل عن دور الشعب الفلسطيني وضغطة في هذا الاتجاه وهو الذي لمس أن استمرار الانقسام يلحق الأذى بحقوقه الوطنية ويضع قضيته في مهب التبديد، لذلك كان عنوان اندفاعته في شوارع فلسطين ومخيماتها تطلق صيحة واحدة.. «الشعب يريد إنهاء الانقسام».