بعد تكثيف هجمات داعش.. زعيم طالبان يخشى طابوراً خامساً في الحركة
دعا زعيم حركة طالبان الأفغانية، الملا هبة الله أخوند زاده، قياديّي الحركة إلى ملاحقة متسلّلين إلى صفوفها و"القضاء عليهم"، بعد هجمات دموية استهدفتها.
وأفادت وكالة "فرانس برس" بأن مسؤولين في طالبان يشتبهون بوجود متسلّلين محتملين في صفوف الحركة من جماعات منافسة، خصوصاً من المجندين الجدد.
ويأتي ذلك فيما تواجه جهود طالبان لإعادة الاستقرار في البلاد، عراقيل كثيرة، لا سيّما نتيجة هجمات يشنّها تنظيم "داعش - خراسان"، آخرها استهدف مستشفى كابول العسكري الوطني الثلاثاء، وأسفر عن مصرع 25 شخصاً، بينهم قيادي في طالبان، وجرح 50 آخرين.
ونقلت "فرانس برس" عن طبيب يعمل في المستشفى، قوله إن طالبان و"داعش" هما "وجهان لعملة واحدة"، مضيفاً: "لا أستطيع أن أفرّق بينهما. لديهم اللحى ذاتها ويرتدون الملابس نفسها. داعش مثل طالبان ولكن أكثر سوءاً، هجماته أكثر تعقيداً وخطورة".
وأشارت الوكالة إلى أن أخوند زاده، أصدر "بياناً نادراً"، ورد فيه أن على قادة الحركة "التحقّق من صفوفهم والتأكد من عدم وجود كيانات غير معروفة تعمل ضد رغبة الحكومة، والقضاء عليها في أسرع وقت".
واعتبر أن على كل قيادي في وحدات الحركة تخصيص وقت للجلوس مع مجنديه، من أجل "محاولة العمل على سلوكهم وتصرّفاتهم، ليعمل المجاهدون بشكل أفضل". واستدرك بوجوب الامتناع عن "معاملة أي مقاتل بقسوة أو عنف".
في السياق ذاته، أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "داعش - خراسان" كثّف هجماته في كل أفغانستان، ممّا أدى إلى إجهاد الحكومة الجديدة، مثيراً مخاوف في الغرب بشأن احتمال أن يشكّل تهديداً دولياً في نهاية المطاف.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحرب على التنظيم بدأت للتوّ بالنسبة لـ"طالبان"، علماً أن "داعش" يحافظ على وجوده في إقليم ننجرهار شرق أفغانستان، منذ عام 2015.
هجمات التنظيم استهدفت الحركة غالباً، وأقلية الهزارة الشيعية. كما أن تفجيرات انتحارية في كابول ومدن أخرى، بما في ذلك قندوز شمالاً، وقندهار في معقل طالبان جنوباً، أسفرت عن مصرع 90 شخصاً وجرح مئات آخرين في خلال أسابيع
حرب عصابات
ووضع ذلك طالبان في موقف خطر، إذ باتت تكافح لتوفير الأمن والوفاء بالتزامها بفرض القانون والنظام. وشكّل ذلك تحدياً خاصاً بالنسبة للحركة، فيما تحاول الدفاع عن عناصرها والمدنيين، في مدن مزدحمة في مواجهة هجمات شبه يومية، من خلال مجموعة دُرّبت على خوض حرب عصابات في الريف، بحسب "نيويورك تايمز".
وأثار تكثيف الهجمات قلقاً متزايداً لدى مسؤولين غربيين، إذ رجّح بعضهم أن يكتسب "داعش" قدرة على ضرب أهداف دولية، في غضون 6 إلى 12 شهراً.
وأشار كولن كال، وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية، أمام الكونجرس الأسبوع الماضي، إلى وجوب "تحديد" مقدرة "طالبان" على ملاحقة التنظيم.
واعتبرت الصحيفة أن تصريحات كال تعكس القلق الأساسي لأجهزة الاستخبارات الغربية، والتي تجهل كيفية قياس فاعلية الحركة ضد "داعش". وأضافت أن الحصول على معلومات استخباراتية موثوقة بات مقيّداً، إذ أن طلعات محدودة لطائرات مسيّرة تتيح معلومات مجزأة، نظراً إلى المسافة التي عليها قطعها لمجرد الوصول إلى أفغانستان، إضافة إلى انهيار شبكة المخبرين.
"تغيير المعادلة"
وبدلاً من ذلك، تخوض طالبان الحرب بشروطها الخاصة، من خلال تكتيكات واستراتيجيات تبدو أكثر محلية بكثير، من حملة تشنّها حكومة على تنظيم إرهابي، علماً أن الحركة رفضت التعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة "داعش".
وقال كولن كلارك، وهو محلل لمكافحة الإرهاب في "مجموعة صوفان"، وهي شركة استشارات أمنية تتخذ نيويورك مقراً: "اعتادت طالبان على القتال كتمرّد، معتمدة على هجمات غير متكافئة لاستهداف القوات الأفغانية والأميركية. ولكن يبدو واضحاً أن طالبان لم تفكّر كثيراً في كيفية تغيير المعادلة، بوصفها مكافحة للتمرد، وهذا هو الدور الفعلي الذي تؤديه الآن ضد داعش".
لكن الحركة بدّلت استراتيجيتها على المسرح الدبلوماسي، لمحاربة التنظيم. ففيما تسعى إلى انتزاع اعتراف دولي، استخدمت عودة "داعش" كورقة مساومة لنيل مزيد من المساعدات المالية، كما قال مسؤولون قطريون، ذكّروا دولاً أخرى بأن قوة التنظيم تشكّل تهديداً لها أيضاً، وفق "نيويورك تايمز".
وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن باكستان تقدّم لـ "طالبان" معلومات استخباراتية بشأن "داعش"، في إقرار بتهديد محتمل على حدودها المشتركة مع أفغانستان.
هجمات مكثفة
يُعدّ بصير، الذي يحمل اسماً واحداً، وهو مسؤول استخبارات الحركة في جلال آباد، عاصمة إقليم ننجرهار، واحداً من قادتها الذين يتأقلمون لخوض هذه الحرب، إذ أنه الآن مسؤول عن ضمان الأمن في مدينة يقطنها مئات الآلاف من الأشخاص.
وفي السنوات الماضية، شكّلت جلال آباد هدفاً سهلاً لـ"داعش"، الذي أرسل خلايا من المسلحين إلى المدينة، من مناطق محيطة بها، ونفذ اغتيالات وتفجيرات. وفي الأسابيع التي سبقت تشكيل حكومة "طالبان"، وسّع التنظيم نطاق عملياته بشكل كبير.
بين 18 سبتمبر و28 أكتوبر، نفذ "داعش" ما لا يقلّ عن 54 هجوماً في أفغانستان، بما في ذلك تفجيرات انتحارية واغتيالات ونصب كمائن لنقاط تفتيش أمنية، بحسب تحليل أعدّته شركة ExTrac الخاصة التي تراقب عنف المتشددين في مناطق نزاع.
استهدفت غالبية هذه الهجمات قوات أمن من طالبان، في تحوّل ملحوظ عن الأشهر السبعة الأولى من العام، عندما ركّز "داعش" على استهداف المدنيين، بينهم ناشطون وصحافيون.
أما "فرانس برس" فذكرت أن التنظيم تبنّى في عام 2021، أكثر من 220 هجوماً في أفغانستان.
"غرور وثقة زائدة"
وفي مواجهة التنظيم، قال بصير، إن رجاله تبنّوا أساليب شبيهة بتلك التي استخدمتها الحكومة السابقة، حتى أنهم اعتمدوا على معدات استخدمها جهاز الاستخبارات السابق، لاعتراض الاتصالات والرسائل اللاسلكية، وهي أجهزة قدّمها الغرب خلال العقدين الماضيين، في محاولة لمراقبة طالبان.
لكن بصير، أصرّ على أن لدى الحركة ما افتقرت إليه الحكومة السابقة والأميركيون، وهو "الدعم الواسع من السكان المحليين"، والذي يُعتبر بمثابة استخبارات بشرية، قادرة على تنبيه السلطات من هجمات وإطلاعها على مواقع المسلحين، بحسب وصفه.
ويحذر محللون أمنيون من إمكان تقلّص هذا المستوى من الثقة والتعاون، إذ أن هناك مخاوف متزايدة من أن طالبان قد تستخدم تهديد "داعش" كذريعة لتنفيذ أعمال عنف دون عقاب، ضد شرائح معيّنة من السكان، مثل الأعضاء السابقين في الحكومة، وفق "نيويورك تايمز".
وقال إبراهيم بحيص، وهو مستشار في "مجموعة الأزمات الدولية" (مقرها بروكسل)، في إشارة إلى "طالبان": "ثمة أيضاً القليل من الغرور والثقة الزائدة، إذ تعتقد (طالبان) بأن لدى داعش جاذبية محدودة في البلاد... لذلك يعتقدون بأنهم قادرون على تحمّل تجاهل التهديد" الذي يشكّله التنظيم.
لكن القيادي في طالبان عبد الله جورزنج كان متفائلاً، بقوله: "لدينا محكمة لكل مجرم. ولكن ليست هناك محكمة لداعش-خراسان. سيُقتلون أينما قُبض عليهم".