:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/60077

القوى العالمية في 2022.. صعود روسيا والصين يهدد زعامة الولايات المتحدة

2021-12-23

توقع محللون سياسيون أن تتراجع زعامة واشنطن في العام الجديد أمام الصعود الروسي والصيني، لأسباب عدة من بينها عدم استقرار الداخل الأميركي، والوضع "الغريب" الذي فرضته محاولتها إيجاد مسار جديد للاتفاق النووي مع إيران التي تعتبرها عدواً يهدف إلى زعزعة استقرارها.

وقال مايك دوران المدير السابق بمجلس الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش، خلال مداخلة مع برنامج "دائرة الشرق" على تلفزيون الشرق، الثلاثاء، إنه "لا شك في أن الولايات المتحدة شهدت تراجعاً في نفوذها عالمياً والسؤال هنا إذا ما كان هذا التراجع دائماً أم لا".

وأضاف دوران: "أما بالنسبة للشرق الأوسط، فتراجع النفوذ هناك هو قرار اتخذ في البيت الأبيض، وليس بسبب الأهداف الاقتصادية أو السياسية التي تخرج عن سيطرة الأميركيين".

وتابع: "لا شك أن هناك تركيزاً على الصين من جميع الجهات، ولم يكن هذا التركيز موجوداً منذ بضع سنوات، إذ يتم النظر بجدية للتهديد الصيني الذي هو حاد جداً ويتطلب اهتماماً كبيراً ولكن هناك مدرستان فكريتان في واشنطن إزاء العلاقات السياسية في الشرق الأوسط والصين".

وأوضح دوران أن "هناك من يعتقد ممثلاً بإدارة (الرئيس الأميركي جو) بايدن، أن التركيز على الصين يقتضي أن يكون هناك استقرار في الشرق الأوسط، ومساع للتحاور مع إيران لخفض التوتر في المنطقة من خلال الحوار ما يؤدي إلى خفض التوتر في العراق وسوريا واليمن".

وأردف: "لكنني أعتقد شخصياً أن هذه السياسة خاطئة، لا أعتقد أنه يمكنك إشراك إيران في تعزيز الاستقرار بالمنطقة، لأن طهران بالأساس تعمل على زعزعة النظام الأميركي".

"وضع غريب"

المدير السابق بمجلس الأمن القومي الأميركي أشار في حديثه لـ"دائرة الشرق"، إلى أن "واشنطن تجد نفسها في وضع غريب إذ تحاول أن تبرم شراكة مع الفاعل الأساسي الذي يزعزع المنطقة، والذي يتعاون مع الصينيين للقيام بذلك".

وزاد: "لكنني أتوقع أنه عاجلاً أم آجلاً ستلاحظ القيادة الأميركية بما في ذلك إدارة بايدن أن هذا السعي لتكوين شراكة مع إيران سيفشل".

"صوت أوروبي واحد"

أما الدكتور ستيفان لوكاس، مدير الدراسات بإدارة مجلس الشيوخ في برلين، والمحاضر الزائر في كلية القيادة والأركان في القوات المسلحة الألمانية في هامبورج، قال بشأن المشهد الأوروبي، إنه "في ألمانيا هناك مصالح مشتركة مع الولايات المتحدة ويهمنا أن يعم السلام في المناطق المجاورة لدينا، لكن المشكلة أننا في أوروبا نتكلم بصوت واحد، وهذا يجعل من الصعب للولايات المتحدة والدول الأخرى أن تتعاون معنا".

وبالنسبة للشرق الأوسط، أشار لوكاس إلى أنه "يجب أن نفهم أن ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى لديها الكثير من الروابط الاقتصادية مع الشرق الأوسط، ونود أن تكون لدينا منطقة مستقرة لاستثماراتنا، وبالتالي نود أن نتفاوض مع الفاعلين الأساسيين في الشرق الأوسط، لكن من الصعب بالنسبة لإيران أن نتفاوض معها خاصة بعد النتائج الأخيرة للانتخابات هناك، وألمانيا وفرنسا وبريطانيا تحاول أن تجد طريقة أخرى أوروبية لكي تلعب الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران".

وذكر لوكاس أن ذلك يشكل "صعوبة كبيرة إذ يجب أن نتمكن من التغلب عليها وقد تكون هناك طريقة جديدة في المستقبل".

وأضاف في مداخلته مع تلفزيون "الشرق"، أن ألمانيا دخلت في عهد جديد بعد الانتخابات الأخيرة "ومن الممكن أن نركز على المستقبل لنرى كيف ستتغلب الحكومة الجديدة على هذه التحديات تماماً مثل حكومتي باريس ولندن".

مشاكل داخلية

عبد المنعم سعيد عضو مجلس الشيوخ المصري ورئيس الهيئة الاستشارية للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أثار مشكلة أخرى قد تساعد في تراجع النفوذ الأميركي في العالم، وهي "الأسباب الداخلية".

وقال سعيد في مداخلته مع برنامج "دائرة الشرق"، إن "التراجع أو التقدم هو عملية نسبية، إلا أنه بالنسبة للولايات المتحدة، هناك تراجعاً واضحاً، لأننا سنمر في مرحلة التجديد النصفي للكونجرس، وكل المؤشرات الآن تقول إن الجمهوريون سيكون لهم نصيب يستطيعون عن طريقه شلّ حركة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، لأسباب معقدة مرتبطة بالداخل الأميركي".

ولفت سعيد إلى أن "المسألة مرتبطة بالثلاثي الكبير في العالم أميركا وروسيا والصين، إذ أن كلتا القوتين الأخريين في حالة صعود وثبات سياسي، وتربطهما علاقات تعاونية مع واشنطن كما توجد علاقات متوترة معها أيضاً، هذا التوجه أعتقد أنه سيستمر للعام المقبل بعد أن رأينا بعض ملامحه في هذا العام".

وأضاف عضو مجلس الشيوخ المصري، أن "الوضع في الشرق الأوسط مرتبط بقوة شديدة بدول المنطقة الرئيسية، والملاحظ مع نهاية عام 2021 أن هناك اتجاهين كبيرين في المنطقة، الأول لا يزال يتميز بالعنف والحرب الأهلية وبقايا (الربيع العربي)، والآخر اتجاه قوي نحو التهدئة والتعاون بأشكال مختلفة سواء في شرق البحر الأبيض المتوسط، أو شمال البحر الأحمر، أو حتى في منطقة الخليج".

وتابع سعيد في حديثه لـ"دائرة الشرق"، أن "هناك تجاوزات كبيرة جارية الآن لعلامات توتر كانت موجودة خلال السنوات الماضية، وهي الآن تنتقل بشكل جوهري إلى اتجاهات تعاونية بعضها اقتصادي وبعضها جيوسياسي وبعضها نحو التعامل مع بعض قضايا المنطقة المزمنة".

وعند الحديث عن زحمة النفوذ العالمي وعوامل قوى موسكو وبكين على حساب واشنطن، قال مايك دوران المدير السابق بمجلس الأمن القومي الأميركي: "الأميركيون منشغلون بأمورهم الداخلية، وهناك أيضاً الاستقطاب الداخلي الذي أدى إلى رؤيتين مختلفتين، وبالتالي إذا كنت فاعلاً في الشرق الأوسط لا يمكنك أن تعتمد على الولايات المتحدة، لأنها تحت حكم دونالد ترمب تختلف عنها تحت حكم بايدن والأمور يمكن أن تتغير سريعاً".

ولفت دوران إلى أن إدارة بايدن "أبرزت أنه إذا كنت مقرباً كثيراً من ترمب فستدفع ثمن ذلك مع بايدن، وهذه ليست طريقة مناسبة لإدارة سياسة خارجية لقوى عظمى، لكن لحل هذه المشكلة يجب أن يكون هناك اتفاقاً داخلياً أميركياً على مصالحنا في الشرق الأوسط، وأعتقد أننا سنحتاج إلى وقت قبل أن نصل إلى ذلك، آمل أن نصل إلى ذلك، ولكن دول الشرق الأوسط لا يمكن أن تراهن على ذلك بالضرورة".

تهديد صيني في الشرق الأوسط

وبالنسبة للصين، علق دوران قائلاً: "أعتقد أن بكين تود أن تقوض الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، على الرغم من عدم تواجد عسكري فعلي للصينيين في المنطقة، إلا أن بكين قلقة إزاء الموقف الأميركي في المنطقة لأنها تعتمد على مصادر الطاقة، إما أنها تنشأ في الشرق الأوسط أو تعبر من خلاله وصولاً للصين".

وأضاف: "هناك أيضاً تنافس صيني أميركي في بحر الصين الجنوبي بشأن تايوان، وهو ما قد يؤثر في الشرق الأوسط، لأن الصين تعرف أنه إذا كانت هناك حرب على تايوان فيمكن للولايات المتحدة أن تقطع مصادر الطاقة عنها، وبالتالي تشعر الصين بتهديد من التواجد الأميركي في الشرق الأوسط، وأيضاً قلقة حيال العلاقات الاقتصادية".

"تخبط أميركي"

وعند سؤاله عن الرؤية الأوروبية للتعامل مع هذا التخبط الأميركي، أوضح الدكتور ستيفان لوكاس، مدير الدراسات بإدارة مجلس الشيوخ في برلين أن "هذا يطرح مشكلة كبرى للاتحاد الأوروبي، لأنه واقع في النصف بين روسيا والصين وأميركا، ولضمان مصالحنا في مجال الطاقة يجب أن ننخرط أكثر في السياسات العالمية، لا يمكننا أن نتعامل مع واشنطن فحسب".

تغيرات مستمرة

وتابع سعيد: "الوضع في واشنطن سيستمر طوال العام المقبل، إذ أن هناك انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ما سيغير من الأوضاع، وعلينا أن نرى حجم الانقسام الموجود في الولايات المتحدة أيضاً والذي قد يؤثر في المنطقة هنا، لأن النموذج الأميركي الديمقراطي مقارنة بالنموذج الصيني القائم على الإنجاز والفاعلية والتعامل الأكثر مهارة مع جائحة كورونا، يضع أمام دول المنطقة عمليات اختيار من نوع آخر غير الذي اعتادت عليه خلال السنوات الماضية".

وأشار سعيد في حديثه مع برنامج "دائرة الشرق"، إلى أن "العالم يتغير، الصين تتغير وكذلك الولايات المتحدة، التي تأخذ من نظامها السياسي نقطة هجومية على دول المنطقة ودول العالم الأخرى، بينما هي من الداخل تعاني من الانقسام وعدم الاتفاق حتى على استخدام اللقاحات المتعلقة بفيروس كورونا، فهنا المعركة أيضاً ذات طبيعة فكرية لها علاقة بالفاعلية والقدرة على الإنجاز"، متوقعاً أن تتراجع قدرات الولايات المتحدة في المنطقة، العام المقبل.

وعما يتوقعه دوران في عام 2022 استناداً إلى ما يحدث من مؤشرات سياسية واقتصادية وعسكرية، قال سعيد: "أعتقد أن الملف الأساسي الذي يجب أن نراقبه هو التفاوض مع الإيرانيين، وهذا لديه حلين إما ألا يتم التوصل إلى اتفاق، أو أن يتم التوصل إلى اتفاق سيء لا يمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، ولا يحتويها على الأرض، وهذا سيضع حلفاء الولايات المتحدة في مكان صعب".

وسلط دوران الضوء على العلاقات الأميركية الإسرائيلية في هذا الشأن قائلاً: "يجب أن نراقب ما يحدث في إسرائيل وإيران، فإسرائيل ستكون أكثر عدائية مع البرنامج النووي، ما قد يؤدي إلى توتر بين الولايات المتحدة وتل أبيب، وأعتقد أن 2022 سيكون عاماً فاصلاً بالنسبة للثلاثي بين طهران والقدس وواشنطن".

ملفات ونزاعات

وبشأن النزاعات التي لا بد من التركيز عليها في 2022، قال مدير الدراسات في إدارة مجلس الشيوخ في برلين: "من المهم ألا ننسى بعض الملفات الأخرى الهامة مثل التغير المناخي أو تغير التركيبة السكانية في الشرق الأوسط، وأن نتحلى بالصبر قبل أن نرى حلاً في إيران مثل الضغوط المناخية وسوء إدارة البنى التحتية والتي قد تؤدي إلى الكثير من المشكلات".

وأضاف: "أعتقد أن لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق جدي مع إيران، لكن فقط إذا أشركنا فاعلين آخرين في المنطقة مثل السعودية وإسرائيل، ويجب أن نراقب أيضاً ملفات ليس فقط في الشرق الأوسط بل في منطقة المحيط الهادئ ويجب أن تكون لدينا نظرة أوسع ونراقب النزاعات عن كثب من حول العالم لأننا كلما قللنا النزاعات كلما عززنا السلام".