رغم نفي إجلاء الموظفين.. موسكو: دبلوماسيونا في كييف يتعرضون للتهديد
قالت روسيا الثلاثاء، إن سفارتها في كييف تعمل كالمعتاد، عقب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" أفاد بأن موسكو بدأت في إجلاء أسر الموظفين في بعثاتها الدبلوماسية في أوكرانيا، "في إشارة محتملة إلى خطوة بوتين التالية"، مع استمرار الوجود العسكري الروسي قرب الحدود الأوكرانية.
وكتبت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الثلاثاء، عبر قناتها على تليجرام، أن الدبلوماسيين الروس العاملين لدى كييف يتلقون وعائلاتهم تهديدات شخصية.
وقالت: "يتلقي موظفونا في أوكرانيا بشكل شخصي وعائلاتهم والإداريين والفنيين تهديدات مستمرة، ويتم إبلاغ الجانب الأوكراني عنها بانتظام في شكل مذكرات احتجاج".
وانتقدت زاخاروفا تقريراً نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بشأن مزاعم عن إخلاء وشيك للسفارة الروسية في كييف، وشددت على أن المؤسسات الأجنبية تعمل بانتظام، على الرغم من اعتداءات المتطرفين عليها واستفزازات قوات الأمن.
ودانت زاخاروفا الصحيفة "لعدم اتصالها بالوزارة للتعليق على الموضوع".
من جانبها نفت وزارة الخارجية الأوكرانية تقارير "نيويورك تايمز" بشأن إجلاء دبلوماسيين روس.
وفي نهاية ديسمبر الماضي، أفادت شرطة منطقة لفيف في أوكرانيا بأن شخصاً مجهولاً ألقى زجاجة من السائل القابل للاشتعال في سياج القنصلية العامة الروسية بالمنطقة، من دون وقوع إصابات أو أضرار بالمبنى. بحسب ما أوردته وكالة "ريا نوفوستي" الروسية للانباء.
ووفقاً للشرطة الأوكرانية، تم فتح تحقيق تحت عنوان "الشغب"، وأُرسلت مذكرة منها إلى المكتب الإقليمي لوزارة الخارجية الأوكرانية تطالب بـ"تعزيز إجراءاتها الأمنية بعد الهجوم"، كما وصلت وثيقة مماثلة إلى الدائرة الأوكرانية ومن السفارة في كييف.
يأتي ذلك، في وقت تواجه روسيا اتهامات بشكل مستمر بالإعداد لـ"غزو محتمل" ضد أوكرانيا، وهو ما تنفيه موسكو باستمرار، إذ صرح الكرملين مراراً بأنه "لانية لأي خطط عدوانية، ولا ينبغي لتحرك القوات عبر الأراضي الروسية أن يقلق أحداً".
في الوقت ذاته، حشدت كييف نفسها نصف أفراد الجيش في دونباس وتقوم بقصف الجمهوريات غير المعترف بها، بما في ذلك باستخدام معدات محظورة.
فيما تغذي الولايات المتحدة وأعضاء حلف شمال الطلسي "ناتو" التوتر في المنطقة، إذ تزود أوكرانيا بالأسلحة والمدربين العسكريين، كما زادت عدد التدريبات في البحر الأسود، في حين تعتقد موسكو أن الغرب "يحاول إنشاء مجموعة من القوات بالقرب من حدودها".
تفسير "الإجلاء"
"نيويورك تايمز" نقلت في تقريرها عن مسؤولين أميركيين وأوكرانيين، أن تفسير عملية الإجلاء بات جزءاً من لغز التكهن بـ"مسرحية" الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التالية، إذ قد يكون إجلاء العاملين في السفارة الروسية "جزءاً من الدعايا، أو جزءاً من الاستعداد لصراع وشيك، أو جزءاً من عملية خداع، أو ربما الثلاثة مجتمعين".
ولفتت الصحيفة إلى أنه في الأيام الأخيرة، تباطأت وتيرة عمليات المغادرة التي يعرف الروس على الأرجح أن الأميركيين والأوكرانيين يرمقونها من بعيد، وباتت جزءاً من أحجية "ماذا سيحدث لاحقاً؟".
وأشارت إلى أن ذلك قد يكون نذير سوء ربما يفوق في تهديده الهجمات السيبرانية التي تعرضت لها الوزارات الأوكرانية الأسبوع الماضي، وتقارير مايكروسوفت والحكومة الأميركية التي أفادت بأن برامج خبيثة أكثر تدميراً تم زرعها في الشبكات الأوكرانية من دون تنشيطها.
"مسار آخر للغزو"
في السياق ذاته، تواصل قوافل القطارات الضخمة، المحملة بالدبابات والصواريخ والجنود، التوغل غرباً عبر الأراضي الروسية متجهة على ما يبدو، صوب الحدود الأوكرانية.
وكان ألكسندر لوكاشينكو زعيم بيلاروسيا أعلن الاثنين، أن القوات والمعدات الروسية بدأت الوصول إلى بلاده لإجراء تدريبات عسكرية مشتركة في كل من الطرف الغربي لبيلاروسيا، بالقرب من بولندا وليتوانيا، وكلتاهما عضوتين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلى طول الحدود الأوكرانية، ما قد يمثل مساراً آخر للغزو، وفقاً لتقرير الصحيفة.
وحمل هذا التدريب اسماً أميركياً رناناً، وهو "حسم الحلفاء"، لكن في كييف، يتوقع المسؤولون الأوكرانيون بحسب التقرير، أن أي قوات روسية تم نشرها في بيلاروسيا من أجل التدريبات "إنما ذهبت لتبقى إلى أجل غير مسمى"، ما يترك أوكرانيا مفتوحة أمام الهجمات القادمة من الشمال والشرق والجنوب.
وقال المسؤول الأمني الأوكراني رفيع المستوى لـ"نيويورك تايمز": "سنكون محاطين من جميع الجهات بقوات متكافئة".
وفي واشنطن، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم، إنهم ما زالوا يقدرون أن بوتين لم يتخذ قرار الغزو بعد.
لفت انتباه
ووصف المسؤولون الرئيس الروسي بأنه "قائد تكتيكي أكثر منه خبير استراتيجي محنك"، وأشاروا إلى أنه "يقيم باستمرار مجموعة من العوامل المختلفة"، من بينها مدى قدرته على تجاوز العقوبات على مؤسساته المصرفية وقطاعه الصناعي، وما إذا كانت مطالبه بوقف زحف أوكرانيا صوب الناتو، وتوقف الأخير عن الانتشار باتجاه روسيا تحظى بالاهتمام الكافي.
لكن المسؤولين الأميركيين ذكروا بأن بوتين ربما استنتج أيضاً أنه مع قيام الولايات المتحدة ودول أخرى بتسليح أوكرانيا، فإن المميزات العسكرية التي يتمتع بها باتت معرضة لخطر الانزلاق في نفق مظلم.
ففي خطابه أمام البرلمان، أعلن وزير الدفاع البريطاني بن والاس الاثنين، أن بلاده ستبدأ "تزويد أوكرانيا بأسلحة دفاعية خفيفة مضادة للمدرعات"، تحسباً لأن يذهب بوتين إلى اتخاذ إجراء عاجل.
وشاهد المسؤولون الأميركيون أيضاً عمليات إخلاء السفارة الروسية. في هذا الإطار، قال مسؤول أميركي في بيان: "لدينا معلومات تشير إلى أن الحكومة الروسية كانت تعد العدة لإجلاء أعضاء أسر العاملين بالسفارة الروسية في أوكرانيا، في أواخر ديسمبر وأوائل يناير"، وفقاً لما نقلته "نيويورك تايمز".
وتساءلت الصحيفة عن الهدف وراء هذه التحركات، مشيرة إلى أن الروس ربما يحاولون تعزيز ضرورة أن تحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على محمل الجد مطالب بوتين بشأن عدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وإزالة الأسلحة النووية والثقيلة الأخرى من دول "حلف وارسو" السابقة، مثل بولندا التي كانت ذات يوم حليفاً للاتحاد السوفيتي.
تقديرات البنتاجون
وربما يكون المغزى هو أن الروس يحاولون الإشارة إلى أن ثمة هجوم قيد التحضير برغم عدم وجود إشارات أخرى على ذلك، إذ لم تزداد الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية بالمعدلات التي توقعها البنتاجون منذ شهر، بحسب الصحيفة.
وتشير أحدث التقديرات الأميركية إلى أن حوالي 60 مجموعة تكتيكية تُعرف باسم "بي تي جي" موجودة الآن على الأرض على الحدود مع أوكرانيا. وبإضافة هذه المجموعات إلى القوات المحلية الأخرى، يصبح قوام الحشود الروسية على الحدود حوالي 77 ألف جندي، وأكثر منهم في طريقهم إلى هناك.
ويشير آخرون إلى أن هذا العدد يصل إلى ما يقرب من 100 ألف جندي، اعتماداً على طرق حساب القوات المختلفة، لكن في جميع الأحوال يبقى هذا أقل بكثير من تقديرات البنتاجون منذ أكثر من شهر التي أشارت إلى أن إجمالي الحشود الروسية قد يرتفع إلى 175 ألف جندي.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين واستخباراتيين أميركيين وأوروبيين قولهم، إن بوتين "ربما ينتظر أن تتجمد الأرض، ما سيسهل عمليات نقل الأسلحة الثقيلة عبر الحدود، أو ربما كان يحشد ببطء، من أجل تحقيق ميزة دبلوماسية"، في الوقت الذي ينتظر فيه رداً مكتوباً من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، والناتو على مطالبه.
"غزو كامل"
وبينما لا يزال المسؤولون الأميركيون يعتقدون أن بوتين لم يحسم بعد خطوته التالية، يقوم المسؤولون في كييف بتقييم ما قد يكون عليه شكل الهجوم الروسي، حال وقوعه، إذ قد يأتي على هيئة غزو كامل، وفقا لم قاله المسؤول الأمني الأوكراني للصحيفة الأميركية، أو هجوم سيبراني على شبكة الطاقة يفوق بكثير هجمات عامي 2015 و2016، مصحوباً بتصعيد عسكري في شرق أوكرانيا، حيث تتمركز القوات الانفصالية المدعومة روسياً.
في ضوء ذلك، وصل وفد رفيع المستوى من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي إلى كييف، الاثنين، في أعقاب زيارة سابقة إلى كييف قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي أي إيه" ويليام بيرنز الأربعاء، للتشاور مع المسؤولين الاستخباراتيين، ومقابلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لمناقشة الجهود المبذولة لتهدئة التوترات مع موسكو، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي لـ "نيويورك تايمز".
وتأتي زيارة أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي بمثابة استعراض من كلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، لإظهار دعم الحليف الأقوى لكييف، حتى برغم قلة المقترحات التي حملوها لتفادي وقوع أي هجوم روسي.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن السيناتور كريستوفر مورفي، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كونيتيكت، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس قوله في مؤتمر صحافي في كييف، إن "ما تقوم به روسيا من أعمال في شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وما تخطط للقيام به اليوم يمثل الهجوم الأكثر ضراوة على مدى حياتنا على نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية".
عقوبات أميركية
وكانت روسيا ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014، وحرضت على انتفاضة انفصالية عنيفة أدت إلى انفصال إقليمين أوكرانيين، وأودت بحياة 13 ألف شخص في معارك قتالية.
وفي المؤتمر الصحافي، قال مورفي إنه يأمل وضع التشريعات التي تحدد العقوبات ضد القيادات الروسية، بمن فيهم الرئيس الروسي، على مكتب الرئيس بايدن قبل أن تقوم روسيا باتخاذ أي إجراءات، ما قد يساعد على ردعها.
وفي اجتماعه بأعضاء مجلس الشيوخ، في وقت متأخر الاثنين، حث الرئيس الأوكراني الوفد الأميركي على فرضت العقوبات سريعاً "لمواجهة العدوان".
وبدت تعهدات أعضاء مجلس الشيوخ بالدفاع عن الديمقراطية وسحق الطغيان بمثابة عودة إلى الحرب الباردة
ووفقاً لـ"نيويورك تايمز"، أكد المراقبون أن تهديدات بوتين لأوكرانيا تتجذر في رغبته في إعادة إنتاج كتلة شرقية تقودها موسكو على غرار ما كان في الحقبة السوفيتية.
وبالمثل، أكد الزعيم البيلاروسي لوكاشينكو، أن الروس "يردون فقط على الأميركيين"، وتساءل مستنكراً: "ماذا يفعل الأميركيون هنا؟"، قبل أن يكمل: "هناك هؤلاء المتهورون الذين يدعون إلى الحرب".
بهذه الروح، يحتمل أن تبدأ القوات الروسية تدريباتها العسكرية في بيلاروسيا الشهر القادم، ويخشى المسؤولون الأمنيون أن تتحول هذه التدريبات إلى ذريعة لعمليات انتشار طويلة المدى للقوات الروسية في الجمهورية السوفيتية السابقة، التي تتشارك حدوداً غربية طويلة مع الاتحاد الأوربي والناتو.