:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/66054

مخيم جنين يستعد لصدّ التدخل العميق

2022-10-03

ما أن ينتصف الليل، حتى يبدأ عشرات المقاومين بإغلاق مداخل مخيم جنين بالمتاريس والعوائق الحديدية، والاستعداد لمواجهة أي عدوان جديد لجيش الاحتلال الإسرائيلي، والذي أطلق عدة تهديدات بتنفيذ ما وصفه بـ"التدخل العميق"، والدخول إلى قلب المخيم لإنهاء ظاهرة المقاومة المسلحة فيه، بعد عدة شهور من إطلاق عملية "كاسر الأمواج".
الساعة كانت تقترب من الثانية عشرة ليلاً، حيث بدأت حركة الحياة الطبيعية تتلاشى في هذا المخيم الذي شكّل على مدار العام الأخير هدفاً متجدداً لجيش الاحتلال، بعد خروج عدة عمليات منه استهدفت العمق الإسرائيلي، وأبرزها الهجوم المسلح في شارع "ديزنغوف" بقلب تل أبيب، في السابع من نيسان الماضي، والذي نفذه الشهيد رعد فتحي خازم (30 عاماً)، وأسفر عن مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة عدد آخر، قبل ارتقاء الشهيد خازم، بعد عدة ساعات من مطاردته قرب مسجد في مدينة يافا المجاورة.
"ستلقون الموت داخل بيوت المخيم وفي أزقته وفي كل مكان".. هذه الكلمات وجهها الناطق باسم الأجنحة العسكرية العاملة في المخيم، إلى جيش الاحتلال، وهو يتحدث أمام المشاركين في مهرجان تأبيني للشهداء الأربعة الذين ارتقوا برصاص الاحتلال، الأربعاء الماضي.
وأكد الناطق باسم الأجنحة العسكرية، وهو يلقي خطابه وسط عشرات المسلحين من مختلف فصائل المقاومة، أن المقاومة لن تفرط بدماء الشهداء، وستكمل مشوارهم حتى دحر الاحتلال.
وأردف: حربنا معكم حرب طويلة وسنحقق بها النصر.
وقوبلت هذه الكلمة بالتصفيق الحار من قبل مئات المواطنين، ممن كانوا يقدمون واجب العزاء لذوي الشهداء الأربعة في ساحة مركز الشباب الاجتماعي بالمخيم.
واستمر توافد المشيّعين إلى بيت العزاء حتى انتصاف الليل، لتبدأ بعدها معالم الحياة الطبيعية تتلاشى شيئاً فشيئاً، حيث أغلقت المحال التجارية أبوابها، وانصرف الأهالي إلى منازلهم، باستثناء عشرات المقاومين ممن انتشروا على جميع مداخل المخيم، وأخذوا يغلقون مداخله الرئيسة والفرعية خشية تعرضه لعملية اقتحام مفاجئة من قبل جيش الاحتلال.
"هم لم يدخلوا المخيم منذ أكثر من عام، وإنما ركزوا عملياتهم على مشارفه، وإذا كانت لديهم رغبة حقيقية بالدخول إلى عمق المخيم، فسيرون ما ليس بحسبانهم".. بهذه الكلمات رد أحد الشبان على تهديدات جيش الاحتلال باقتحام عمق المخيم.
وقال الشاب الذي كان مسلحاً ببندقية هجومية من نوع "M16"، ويرتدي الزي الأسود وعصبة سوداء اللون، دون الإشارة إلى انتمائه التنظيمي لـ"الأيام": "نحن هنا لهم بالمرصاد، وننصحهم ألا يجربوا الدخول المخيم، لأن الجدران والأزقة والأرض وكل شيء في هذا المخيم سيحاربهم".
ومن وجهة نظر هذا الشاب العشريني، فإن مخيم جنين اليوم يعيش في جو من الوحدة الحقيقية في الميدان، بعيداً عن كل التجاذبات السياسية التي تعصف بالساحة الفلسطينية، مضيفاً: "هنا ليس لدينا تنظيمات، وإنما مقاومون هدفهم الأول والأخير الدفاع عن المخيم حتى ولو كلفهم ذلك حياتهم".
ويدرك المقاومون، كما قال ذلك الشاب، أن اشتباكهم مع جيش الاحتلال يفتقر للحد الأدنى من التكافؤ، حيث يتسابق عشرات المقاومين مسلحين بأسلحة خفيفة وعبوات ناسفة محلية الصنع، إلى مواجهة قوات الاحتلال المعززة بالأسلحة المتطورة والآليات المصفحة.
ووفق قادة محليين، فإن أبناء المخيم توارثوا فكرة المقاومة المسلحة من الجيل الذي قاتل في الانتفاضتين الأولى 1987، والثانية عام 2000، والتي شهدت ملحمة نيسان حيث كان المخيم معقلاً لمئات المسلحين من كافة الفصائل الذين تصدوا لاقتحام الجيش الإسرائيلي، ودارت معركة عنيفة استمرت عدة أسابيع، ارتقى فيها 58 فلسطينياً وقتل 23 جندياً إسرائيلياً، وأزال خلالها جيش الاحتلال حيّاً كاملاً في المخيم عن الوجود حتى يتمكن من احتلاله، وفقاً لتقرير لوكالة الغوث الدولية، والذي أظهر بصورة كاملة هدم 450 منزلاً بشكل كلي، وتدمير أكثر من 400 منزل بشكل كبير، فيما تعرض 300 منزل لأضرار جزئية.
ومن وجهة نظر الدكتور جمال حويل، عضو المجلس الثوري لحركة "فتح"، والذي اعتقل خلال معركة نيسان 2002، وأمضى ست سنوات في سجون الاحتلال، فإن الجيل الجديد من أبناء المخيم تربى على إرث الجيل السابق من المقاتلين الذين تحولوا إلى ما يشبه الأسطورة، خصوصاً أن هوية المخيم هوية نضالية، والظاهرة المسلحة فيه ظاهرة لازمته في مختلف المراحل، ففي الانتفاضة الأولى ظهرت فيه المجموعات المسلحة، وفي الانتفاضة الثانية قاتل المخيم في معركة دخلت التاريخ، فكان من الطبيعي أن يرث الجيل الجديد فكرة المقاومة المسلحة.
ويعتبر مخيم جنين واحداً من أكثر المخيمات الفلسطينية اكتظاظاً بالسكان، حيث يعيش أكثر من 13 ألف نسمة في مساحة صغيرة لا تزيد على نصف كيلومتر مربع، ويتسم بالوحدة بين مختلف القوى السياسية.