:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/71187

الحرب تعيد المواطنين في غزة إلى الحياة البدائية

2023-10-16

ودّع مواطنو غزة قسراً مختلف أشكال الحياة اليومية التقليدية التي كانوا يعيشونها قبل الحرب، فلم يعد هناك مظهر يوحي بتوفر أدنى مقومات الحياة الكريمة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، أما الشعور بالأمان الذي يتصدر سلم احتياجات الإنسان فقده المواطن الغزي منذ أول أيام الحرب.
الاستيقاظ مبكراً بات سمة من سمات حياة الغزيين فأول ما يستهل به رب الأسرة يومه هو البحث عن أرغفة خبز يؤمنها لأسرته ولأسرة مضيفه في كثير من الأحيان، فيتوجه إلى أقرب مخبز ليجد أمامه طوابير من مواطنين سبقوه قبل أن يفتح المخبز أبوابه، فيطول الانتظار ليخرج عليهم صاحب المخبز ليخبرهم بنفاد الدقيق فيعود أدراجه بحثاً عن الخبز في مخبز آخر إن وجد له الدقيق، يشترط عليه في أحسن الأحوال نصف ربطة لكل عائلة (20 رغيفاً) فيقبل ممتناً دون جدال لأنه يعلم جيداً أنه بعد ساعات سيفقد هذه الفرصة، ويغلق المخبز أبوابه وقد لا يجد في غده ما أتيح له في أمسه.
أما المحال التجارية فتشترط عليك الحجز المسبق لما تريده من الخبز ما يعني أنك تدفع ثمن ما ستشتريه اليوم لتتسلمه غداً.

تقنين الاستهلاك
وأمام هذا الأمر عجز الكثيرون عن توفير احتياجاتهم من الخبز فلجأت ربات البيوت ممن استطعن خلال أيام الحرب الأولى الحفاظ على مخزون الدقيق لديهن، إلى طريقة جداتهن في إعداد خبز الصاج وإنضاجه على مواقد الحطب، فبات مشهد الأدخنة التي تتصاعد من شرفات الشقق السكنية مألوفاً في العديد من الأحياء السكنية لاسيما في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، التي اكتظت بالمهجرين من منازلهم من سكان محافظة غزة وشمال القطاع.
أما غاز الطهي فأصبح سلعة نادرة واستخدامه بات للضرورات القصوى المتمثلة بطهي وجبات الطعام التي لا تحتاج لطول وقت لإعدادها، فوجبات الإفطار والغداء والعشاء أصبحت متشابهة المكونات (فول، بيض، أرز مطهي بالسمن أو مكعبات حساء الدجاج "ماجي - إن توفرت" إلى جانب الزيت والزيتون والبندورة والأجبان).
وفي بعض المناطق التي تتوفر في المحال التجارية اللحوم الحية أو المجمدة فليس هناك من يقبل على شرائها حفاظاً على ما هو متوفر لديه من غاز الطهي لديهم.

تعبئة المياه
وبعد أن ينتهي رب الأسرة أو أبناؤه من تأمين ربطة الخبز تبدأ رحلة البحث عن توفير المياه بصرف النظر إن كانت صالحة للشرب أو للاستخدام المنزلي فكلاهما يلبي حاجاته في ظل هذه الأوضاع الصعبة.
أما من تصل المياه إلى منطقته فيحتاج إلى ضخها للخزانات العلوية فتبدأ معاناته في البحث عن مولد يكفل ضخ المياه لأعلى البناية، ومن لم يستطع فليس له سوى شراء عدد من الأوعية البلاستيكية ليملأها بالمياه وينقلها للطوابق العلوية.

الاكتفاء بما هو متوفر
لم يعد المواطن الغزي يكترث بمستوى جودة الطعام بل جل ما يعنيه هو توفير ما يسد رمق أسرته، فالخضار والخبز هما السلعتان الأساسيتان اللتان يسعى لتوفيرهما، أما ما يعرف بأصناف الطعام الأخرى التي اعتادت أسرته على تناولها فباتت شكلاً من أشكال الرفاهية التي لا يسعى إليها أحد، فالدجاج أصبح من الوجبات المحظور تناولها لما يقتضيه طهيها من استنفاد لموارد محدودة جداً أبرزها غاز الطهي والمياه، وذلك في ظل الانقطاع الكلي للكهرباء الذي ترتب عليه عدم استخدام الثلاجات التي باتت مجرد أرفف فارغة، فما يتم شراؤه من خضار يحتفظ به في أماكن مكشوفة معرض للتهوية كي لا تفسد.

شح الوقود
ويحرص المواطن الذي يمتلك وسيلة نقل تعمل بوساطة الوقود على الحفاظ على ما هو متوفر في خزان وقود سيارته أكثر من حرصه على توفير الطعام، فتنقلاته المحتملة بين لحظة وأخرى وإمكانية رحيله عن منطقة سكناه تتطلب الحفاظ والبحث الدائم عن توفير الوقود، وبالتالي فقدان المخزون المتوفر لديه سيضطره حال انتقاله لمنطقة أخرى للسير على الأقدام، أما من يمتلكون سيارات الأجرة فباتت تسعيرة التنقل من غزة إلى وسط القطاع تصل لأكثر من 800 شيكل بدلاً من الأجرة التي كانت لا تتجاوز ثلاثين شيكلاً وذلك في ظل ما يتحمله السائق من مخاطر تهدد حياته، ما دفع بأعداد كبيرة من مواطني غزة وشمال القطاع المهجرين إلى المناطق الواقعة بين وسط القطاع وجنوبه، إلى الاستعانة بوسائل النقل البائدة كالعربات التي تجرها الحيوانات ووسائل النقل الأخرى منها عربات "التكاتك" التي تسير بوساطة الدراجات النارية والشاحنات التي تحمل العشرات بأسعار مخفضة مقارنة بتسعيرة التنقل بوساطة السيارات.