ترصد مشاهد من العدوان على غزة في يومه الثامن عشر
يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لليوم الثامن عشر على التوالي، دون توقف أو حتى منح سكان القطاع هدنة إنسانية، ومعه تتواصل المآسي والمشاهد الصعبة، خاصة داخل المستشفيات التي تواجه ضغطاً شديداً، وتهديدات مستمرة لكوادرها.
"الأيام"، تواصل رصد المشاهد من أنحاء قطاع غزة كافة، مع التركيز على المستشفيات الحكومية، وما يحدث داخلها في ظل الحصار، ومنع وصول الدواء والمستهلكات الطبية، واكتظاظها بالجرحى، وشح الوقود، والضغط على الكوادر الطبية.
علاج الجرحى على الأرض
من أصعب المواقف التي تواجه الأطباء في المستشفيات في ظل الظروف الحالية، حدوث أكثر من عملية قصف متزامنة، ينتج عنها سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، إذ يصل المستشفيات العشرات من المصابين في وقت قصير، ما يخلق إرباكاً بين الطاقم الطبي، خاصة أن نسبة إشغال الأسرّة في جميع المستشفيات الحكومية فاقت 170%.
ولعل ما حدث ظهر أول من أمس في مستشفى الشفاء كان صعباً، إذ فوجئ الأطباء بتدفق أعداد كبيرة من المصابين إلى المستشفى دفعة واحدة، فكان القرار السريع، بوضع أسرّة وفرشات في ساحة المستشفى، وفي الممرات، وينقل الممرضون العلاجات، ويتم التعامل مع الجرحى في كل مكان.
وأكد أطباء في مستشفيات القطاع، أن هذا المشهد يتكرر بصورة يومية، فالاحتلال بات يعتمد نظام الإغارة المكثفة على المدن، بحيث يتم قصف عدد كبير من المنازل المأهولة داخل نطاق المدينة في غضون وقت قصير، ما يزيد الضغط على النظام الصحي، وتضطر المستشفيات الحكومية إلى توجيه بعض المصابين إلى مستشفيات ومراكز طبية خاصة وخيرية، كما يحدث في محافظة رفح، إذ بات المستشفى الكويتي الخيري يستقبل جرحى، أغلبهم يتم علاجهم في ممرات وساحات المستشفى، الذي يعاني هو الآخر من الاكتظاظ.
ورغم الضغط الكبير إلا أن الأطباء والممرضين اكتسبوا خبرات كبيرة في التعامل مع مثل هذه الأحداث، ونجحوا في تجاوز الكثير من الأمور المشابهة، لعل أهمها قصف المستشفى المعمداني، إذ وصل خلال نصف ساعة فقط، زهاء 1000 ضحية ما بين شهيد ومصاب، وجرى التعامل معهم جميعاً.
حروق شديدة
يواصل الأطباء استقبال حالات صعبة، بعضهم يصابون بحروق شديدة جداً، تصل إلى حروق من الدرجة الرابعة، وسط حالة من الدهشة والذهول بين الأطباء، حول نوعية الأسلحة المستخدمة من قبل الاحتلال والتي تحدث مثل هذه الإصابات.
وأكد الناطق باسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، أن الطواقم الطبية تواجه إصابات بحروق شديدة، وإذابة للجلد، لم تشاهده من قبل على أجساد الجرحى، ويصعب التعامل معها.
وطالب المؤسسات الدولية بالكشف عن طبيعة السلاح المستخدم في إذابة جلد الجرحى، وإحضار العلاجات اللازمة بشكل عاجل.
بينما يقول الدكتور أحمد المخللاتي، رئيس قسم الحروق في مجمع الشفاء الطبي، إن قسم الحروق في مستشفى الشفاء يتسع لعشرة أسرّة، لكنه استقبل في غضون الأيام الماضية أكثر من 100 حالة حروق، بينهم أطفال ونساء، أكثر من نصفهم كانوا يعانون حروقاً شديدة، تغطي نحو 50% من الجسم، من الدرجة الثالثة والرابعة، ورعايتها تحتاج لمراكز متطورة، وأنواع من الجلد الطبي لتغطية مكان الحرق، وهي غير متوفرة في قطاع غزة، وهذا للأسف أدى إلى فقد الكثير من الجرحى حياتهم، خاصة مع القدرة المحدودة لغرف العناية المركزة في مثل هذه الظروف.
وأوضح أن الاحتلال يستخدم في هذا العدوان أنواعاً جديدة وغير معهودة من الأسلحة، فكل صاروخ يسقط يصل مصابون بالحروق، وهذا لم يكن موجوداً في عدوان 2014، ويبدو أن الاحتلال يستخدم القطاع كحقل تجارب لأسلحته، ويحاول قتل أكبر عدد من المصابين، فمن لم يمت بالشظايا، فإنه يموت بالحروق.
أعداد المفقودين تتزايد
تزايدت أعداد المفقودين بصورة كبيرة خلال اليومين الماضيين، مع استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية، واستخدام الاحتلال قنابل كبيرة في استهداف المنازل، والعمارات، تتسبب بانهيارات للمباني، ما يؤدي إلى زيادة عدد العالقين، وصعوبة انتشالهم.
ووفق آخر إعلان لوزارة الصحة، فإن عدد البلاغات التي وصلت من عائلات فقدت أبناءها تحت الركام، وصل خلال الأيام الماضية إلى أكثر من 1500 بلاغ، منهم أكثر من 830 طفلاً.
من جهته، قال الدفاع المدني الذي ناشد أصحاب شركات المقاولات، إرسال جرافات وآليات ثقيلة للمساعدة في جهود الإنقاذ، إن الوضع أصبح صعباً بعد تكرار استهداف مقرات الدفاع المدني، وتعطل الكثير من الآليات، وضعف الإمكانيات، ووجود مئات المنازل المقصوفة، التي يعتقد أن أسفلها عالقون.
بينما يساعد أقرباء الضحايا في انتشال جثامين أقربائهم، إذ قال المواطن شادي العبسي، إنه ساعد في انتشال العديد من الشهداء من تحت أنقاض منزل تعود ملكيته لعائلة أبو يونس، غرب محافظة رفح، وهم أقرباؤهم وأنسباؤهم.
وبيّن العبسي أنهم ما زالوا يعملون على انتشال عالقين من تحت الركام، والعمل يتم ببطء وفي ظروف صعبة، بعد انهيار مبانٍ، ووجود كتل خرسانية كبيرة، تصعّب الوصول للضحايا.
غارة كل خمس دقائق
بعد إعلان الاحتلال تكثيف غاراته الجوية على قطاع غزة، باتت الطائرات تشن غارة كل 5 دقائق على قطاع غزة.
ووفق صحافيين ونشطاء فإن أنباء القصف والغارات لا تكاد تتوقف، فبمعدل كل خمس دقائق تقريباً تصلهم إشارة عن غارة هنا، وقصف هناك، وحزام ناري يستهدف هذا الحي، وقصف مدفعي باتجاه ذاك المربع السكني.
وذكر الشاب أيمن عوض، إن العدوان الإسرائيلي بلغ ذروته خلال اليومين الماضيين، وتوارد أخبار القصف لا يتوقف على مدار الساعة، وقال "الانفجارات تسمع باستمرار، وأعمدة الدخان تشاهد من كل مكان، وإشارات القصف لا تتوقف..".
أما الصحافي محمود بسام، فأشار إلى أنه تواجد في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار، لالتقاط الصور، فخلال أقل من ساعة، استهدفت الطائرات في محافظة رفح وحدها خمسة منازل، بالتزامن مع استهدافات متواصلة في باقي محافظات القطاع، مؤكداً أنه لو جرى عد الغارات اليومية، وعمليات القصف المدفعي ومن الزوارق، في كل قطاع غزة، وتقسيمها على عدد دقائق اليوم، سيكون هناك غارة كل خمس دقائق وربما ٤ دقائق، واصفاً القصف الإسرائيلي على قطاع غزة بغير المسبوق.
أزيز الطائرات ينشر الرعب
ما أن تُسمع أصوات الطائرات تحلّق في الهواء، حتى يسود الصمت، وتشحب الوجوه، ويبدأ الجميع بترديد الأدعية والأذكار، وقراءة آيات من القرآن الكريم. فعادة ما يسبق شن الغارات تحليق الطائرات، ثم تسمع الانفجارات في كل مكان.
وأوضح المواطن إبراهيم نصر الله، أن تحليق الطائرات بات مرتبطاً لدى سكان غزة بالموت والدمار، والجميع يتعوذ من أصواتها، ويفزع الأطفال منها.
ونوّه إلى أنه وعلى مدار أيام العدوان الماضية، لا يتوقف تحليق طائرات الاستطلاع على مدار الساعة، بينما تحلق الطائرات الحربية بين الفينة والأخرى، لتنفيذ مهام القصف والغارات.
وأكد أن أطفاله تنتابهم حالة رعب بمجرد سماع أصوات الطائرات الحربية، التي ارتبط صوتها بالانفجارات والخوف، وهذا دفعه إلى محاولة التغطية على أصواتها بتشغيل أغانٍ، أو رفع صوت الكلام، لعل أبناءه لا يسمعونها، لكن في حال قصفت يكون الوضع صعباً بالنسبة لهم، ويحاول دائماً تهدئتهم وتبديد مخاوفهم.
نقل الجثامين عبر عربات "كارو"
لم يتمكن ذوو الشهداء من نقل جثامين أبنائهم المكدسة في المستشفيات الحكومية، جراء انشغال سيارات الإسعاف في نقل الشهداء والجرحى من مواقع الاستهداف، وبسبب ندرة المركبات التي ما زالت تعمل جراء أزمة الوقود المستمرة.
واستعان مواطنون بعربات "كارو" تجرها حيوانات لنقل الجثامين للمساجد والمقابر من أجل الصلاة عليها ثم دفنها.
وشوهدت عربات كارو تنقل جثامين مكفنة، يتبعها أقرباء الضحايا وهم يسيرون على أقدامهم، إذ أكد العديد من ذوي الضحايا أن كل شيء يتم على عجل وفي ظروف صعبة، بدءاً من انتشال الجثامين، وحتى مواراتها الثرى، والمراسيم كلها تتم في وقت قصير.
وقال المواطن أحمد جبريل: "من المؤسف والمحزن أن نقوم بنقل جثامين الشهداء بهذه الطريقة، وندفنهم في جنازات صغيرة وسريعة"، لافتاً إلى أن المدة الزمنية ما بين استهداف المنزل ودفن الضحايا باتت لا تزيد على ساعتين، حتى لا تتكدس المستشفيات بالجثامين، ومعظم أهالي الضحايا لم يتمكنوا حتى من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثامين أبنائهم.
ودعا إلى توفير مركبات لنقل الجثامين، وتجهيز قبور جديدة، مع التأكيد على أهمية أن يلتف الناس حول أهالي الشهداء، يواسونهم، ويجبرون بخاطرهم، في هذا المصاب الجلل.