مشاهد جديدة من العدوان في يومه الـ137
ما زال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة متواصلاً بوتيرة متصاعدة لليوم الـ137 على التوالي، مترافقاً مع تصاعد الحصار، والتضييق على المواطنين، واستمرار التلويح باجتياح محافظة رفح.
"الأيام" واصلت نقل مشاهد جديدة ومتنوعة من قلب الحرب والقصف والحصار، منها مشهد يوثق استمرار عمليات النزوح الداخلية في مناطق شمال قطاع غزة، ومشهد آخر يسلط الضوء على ما رصدته تقارير أممية، وما وثقه مركز حقوقي حول ما يحدث للأسيرات في غزة من عمليات إعدام وتنكيل من قبل جنود الاحتلال، ومشهد ثالث تحت عنوان "تراجع المساعدات الإنسانية يهدد جهود الإغاثة"، ومشهد رابع وأخير يركز على ظاهرة تزايد عمالة الأطفال في ظل الحرب.
شمال القطاع.. نزوح داخلي مستمر
رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على انطلاق العمليات البرية في مدينة غزة وشمال القطاع، وانسحاب قوات الاحتلال من معظم المناطق التي أعادت احتلالها، إلا أن العمليات الإسرائيلية في تلك المناطق لم تتوقف، حيث تهاجم الدبابات بعض الأحياء والمخيمات بصورة مفاجئة ومتكررة، ما يفرض على السكان المتواجدين هناك استمرار النزوح داخل المحافظتين، مع رفض غالبيتهم تركهما والتوجه إلى جنوب القطاع.
فخلال ساعات صباح أمس، هاجمت آليات الاحتلال وبشكل مباغت أحياء شرق وجنوب مدينة غزة، خاصة الزيتون، والشجاعية، ومنطقة "التركمان"، بالتزامن مع إسقاط منشورات على تلك المناطق، تطالب السكان بالنزوح باتجاه جنوب قطاع غزة.
ووفق مصادر محلية وشهود عيان، فإن حركة نزوح قوية شُوهدت في تلك الأحياء، حيث فضّل المواطنون التوجه غرباً، باتجاه مستشفى الشفاء، والمناطق القريبة منه، مع رفضهم أوامر الاحتلال بالتوجه إلى جنوب القطاع.
وقال الصحافي أحمد أبو قمر المتواجد في مناطق شمال قطاع غزة: إن النزوح والتنقل الداخلي للسكان باتا سمة بارزة في تلك المرحلة، فالمواطنون هناك يتنقلون من مكان إلى آخر، ومن حيّ إلى حيّ، فراراً من القصف والموت.
وبيّن أبو قمر أنه وبمجرد علم المواطنين بانسحاب الاحتلال من المناطق التي توغل فيها يعودون إلى منازلهم، ويقيمون فيها، وفي حال تجدد التوغل ينزحون عنها، وهكذا.
وأوضح أن الاحتلال يواصل التوغل في مناطق غزة والشمال بعد الانسحاب منها، معتمداً أسلوب الكر والفر، وهذا يُربك المواطنين ويجعل حياتهم غير مستقرة، فهم دائماً متأهبون للنزوح والتحرك؛ بحثاً عن الأمان.
ويعتمد الاحتلال في الوقت الراهن أسلوب الانسحاب من المنطقة، ثم العودة للتوغل فيها، لتنفيذ عمليات تمشيط ومداهمات تستمر عدة أيام، ثم ينسحب ويعود مرة أخرى، وهكذا، وهو أسلوب مشابه لما يحدث في مخيمات وأحياء الضفة.
انتهاكات بحق النساء
أكدت تقارير أممية وحقوقية تعرض الكثير من السيدات للإعدام، والمعاملة الوحشية، خلال اعتقالهن واحتجازهن في قطاع غزة، وقد وصل الأمر لاغتصاب بعضهن، وتهديد أخريات بالاغتصاب.
وأصدر خبراء أمميون معنيون بحقوق الإنسان بياناً أكدوا فيه تلقي تقارير عن إعدام تعسفي لنساء فلسطينيات في قطاع غزة مع أطفالهن.
وعبّرت مؤسسات أممية عن بالغ قلقها من تقارير عن تعرض نساء فلسطينيات محتجزات لاعتداءات تعسفية.
وطالبت الأمم المتحدة حكومة الاحتلال بالتزامها بدعم الحق في الحياة، والسلامة، والصحة، والكرامة للنساء الفلسطينيات.
وأكد المرصد "الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان ما جاء في بيان خبراء الأمم المتحدة بشأن انتهاكات إسرائيل ضد النساء والفتيات الفلسطينيات، في قطاع غزة، والضفة.
وذكر المرصد أن النساء والفتيات الفلسطينيات في الاعتقال الإسرائيلي تعرضن لأشكال متعددة من العنف والاعتداء الجنسي، من بينها الاغتصاب، وتعريتهن، وتفتيشهن من ضباط جيش الاحتلال.
وأشار إلى أن بيان خبراء الأمم المتحدة يوثق تعرض نساء وفتيات فلسطينيات للإعدام تعسفياً في غزة، وغالباً مع أفراد أسرهن، بمن فيهم أطفالهن، في إطار جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة.
وأوضح المرصد أنه قدّم خلال الفترة الماضية تقارير حول عمليات القتل الميداني، والعنف الجنسي، التي تعرضت لها الفتيات والنساء الفلسطينيات، للمفوضية السامية للأمم المتحدة، وعدد من المقررين الخاصين، بمن فيهم مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بمسألة العنف ضد النساء والفتيات، كما وثق المرصد في ملف أولي، قدّمه إلى مقررين خاصين للأمم المتحدة، عشرات حالات الإعدام الميداني التي نفذها جيش الاحتلال في قطاع غزة، ودعا إلى التحقيق الفوري فيها، لمحاسبة مرتكبيها وإنصاف الضحايا.
وطالب المرصد بتشكيل فريق قانوني دولي، والضغط لضمان وصوله إلى قطاع غزة، وفتح تحقيق في هذه الوقائع، وغيرها من عمليات قتل المدنيين الفلسطينيين، وتصفيتهم جسدياً، وحالات الاعتقال التعسفي.
تراجع المساعدات يهدّد جهود الإغاثة
تسبب التراجع الكبير في كميات المساعدات الإنسانية، التي تدخل قطاع غزة، في تراجع جهود الإغاثة في القطاع، ما دفع الكثير من المؤسسات الإغاثية إلى إصدار مناشدات من أجل زيادة المساعدات.
وتتذرع إسرائيل بتراجع دخول المساعدات بأن متظاهرين إسرائيليين يمنعون دخولها لقطاع غزة، من خلال تظاهرهم قرب المعابر المؤدية إلى غزة.
ووفق مصادر مطلعة على المعابر، فإن هناك تراجعاً كبيراً في وصول شاحنات المساعدات، من معبرَي رفح وكرم أبو سالم، وهناك أيام يُسجل فيها دخول أقل من 10 شاحنات مساعدات، في ظل الحاجة الكبيرة والماسة إلى دخول المزيد منها.
وقال المستشار الإعلامي لوكالة الغوث الدولية "الأونروا"، عدنان أبو حسنة: إن حجم ما يدخل من مساعدات إنسانية تراجع بصورة كبيرة بسبب إغلاق متظاهرين إسرائيليين معبر كرم أبو سالم، موضحاً أنهم لا يسمحون للشاحنات بالدخول، وهناك إشكالية كبرى أيضاً، بعد أن استهدفت اسرائيل رجال الشرطة الذين كانوا يحرسون القوافل، "الآن القوافل التي تدخل عبر المعابر معرضة للنهب وللسيطرة عليها من قبل الجائعين الفلسطينيين، لأن الشرطة أصبحت خائفة من القيام بعملية حراسة لهذه الشاحنات".
وأكد أبو حسنة أن المنظومة الإنسانية على وشك الانهيار، إن لم يتم اتخاذ إجراءات دراماتيكية، أو إجراءات حقيقية على الأرض، لإنقاذ الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وبالذات في ظل تهديد إسرائيل بتهجير سكان رفح.
ولفت أبو حسنة إلى أن وكالة الغوث الدولية قدمت 35 طلباً لدخول القوافل إلى مدينة غزة وشمال القطاع، منذ بداية كانون الثاني الماضي حتى الخامس من شباط الجاري، وقد سُمح بدخول القوافل لعشر مرات فقط.
تزايد عمالة الأطفال
من أبرز مساوئ الحرب على قطاع غزة ظهور عمالة الأطفال بشكل جلي وكبير، دون رقابة، أو متابعة من قبل الجهات المعنية.
فلا يكاد يخلو شارع أو حي من عشرات الأطفال الذين يعملون في مهن مختلفة. البعض يبيعون السلع الغذائية، وآخرون يجمعون الحطب والخشب لبيعه، والبعض منهم يعملون كعتالين وشيالين مقابل أجور زهيدة، فيما ينهمك آخرون بأعمال شاقة وصعبة، لمساعدة ذويهم في جلب بعض احتياجات العائلة المهمة.
ومن بين المشاهد المزعجة والمفزعة تحول مئات الأطفال إلى متسولين، لا يبحثون عن المال فحسب، بل يطلبون بعض الأكل والمعونة الغذائية من المارة والمنازل، حتى وصل الحال ببعض الأطفال إلى تسول المياه من أجل الشرب.
وقال الطفل إبراهيم صلاح (14 عاماً): إنه نزح برفقة والدته وأشقائه من شمال القطاع إلى مدينة رفح، بعد استشهاد والده، وقد اضطر للعمل كبائع ليوفر قوت عائلته في رفح.
وبيّن أن والدته تعدّ له بعض المعجنات، ويتوجه للشارع لبيعها، كما يجلب بعض المعلبات ويبيعها للمارة، مشيراً إلى أنه يقضي بين 7 و9 ساعات عمل يومياً، حتى يبيع السلع ويعود إلى والدته ببعض المال، الذي يشترون فيه احتياجاتهم المختلفة.
في حين يقف الطفل عمر فارس (13 عاماً) إلى جانب شقيقه الأكبر أمام كومة من الخشب والحطب وسط محافظة رفح، محاولين بيعها للمارة.
وذكر الطفل فارس أنه يعمل مع شقيقه في جلب الحطب وتكسيره بوساطة فأس وساطور، ثم يبيعانه للمواطنين، مبيناً أن بعض الحطب يشترونه، والبعض يجلبونه من مناطق الأحراش، وهمّهم توفير دخل لعائلاتهم.
وأكد فارس أنهم يعملون في مهنة شاقة، وتعرض أكثر من مرة لإصابات في يده، إما بسبب الساطور، أو لتطاير قطع من الخشب أثناء تكسيره، لافتاً إلى أن الوضع الصعب، وحالة الفقر التي تعيشها أسرته، أجبرانه وشقيقه على امتهان مهنة شاقة لم يعملا فيها سابقاً، وكلهما أمل بانتهاء الحرب، واستقرار الأوضاع، حتى يعودا إلى حياتهما الطبيعية الهادئة.
ونوّه فارس إلى أن الكثير من الأطفال يعملون في مهن شاقة وصعبة، وصلت في بعضهم إلى نقل "غالونات" المياه الثقيلة من أماكن التعبئة، إلى خيام ومنازل المواطنين، مقابل أجور زهيدة من المال.