مشاهد جديدة من المعاناة المتواصلة في غزة
من قلب المعاناة المستمرة في قطاع غزة، منها مشهد تحت عنوان "الأمطار تحرم النازحين من النوم"، ومشهد آخر يرصد كيف حوّل الاحتلال المساعدات إلى أداة لخنق غزة وتدمير اقتصادها، ومشهد ثالث يوثق كيف تحولت النفايات الصلبة إلى تهديد بيئي خطير.
الأمطار تحرم النازحين من النوم
ما زالت الأمطار التي تهطل باستمرار على قطاع غزة، تشكل الكابوس الأكبر للنازحين، خاصة أنها تتواصل منذ عدة أسابيع، وتسببت بأضرار واسعة وكبيرة. وحرمت الأمطار المتواصلة النازحين من النوم والراحة، إذ يواصل معظمهم البقاء مستيقظين في خيامهم، تحسباً لأي طارئ.
وقال الشاب خالد مصطفى، إن فترات هطول الأمطار من أصعب الأوقات التي تمر عليه، فطوال الليل لا يغمض له جفن، وهو يمسك أداة حفر يدوية "كريك"، ويلاحق المياه في كل مكان، تارة يحدث حفرة، وتارة يقيم مساراً للمياه لتبتعد عن خيمته، عدا تتبع سقف الخيمة خشية أن تتجمع المياه فوق "الشادر"، وتتسبب بكسره.
وأشار إلى أن أحد جيرانه نام ساعة واحدة بعد الفجر، ففوجئ بالمياه تندفع إلى خيمته، لذلك لا مجال للنوم لمن يقطنون المناطق المنخفضة، فالاستيقاظ يحمي الخيمة والعائلة من الغرق.
بينما قال المواطن عبد الله النجار، إن الليالي الماطرة في منطقة المواصي تحديداً هي ليالٍ صعبة، تحرم النازحين من النوم والراحة، فقد يكون النوم لساعة سبباً في غرق الخيمة، ويكون الاستيقاظ سبباً في إنقاذها من الغرق.
وبيّن النجار أنه وعند وصول المنخفضات الجوية ينقسم العمل إلى قسمين، الأول وقائي ويسبق المنخفض، ويتمثل في إحداث حفر حول الخيمة، وإقامة مسارات بديلة للمياه، والثاني خلال هطول الأمطار، وهو الأهم، لمتابعة الخيمة، والتدخل لمنع وصول المياه إليها.
وأوضح أن بعض المخيمات نجحت في تشكيل فريق من الشباب يظل أعضاؤه مستيقظين، وجاهزين للتدخل عند الطوارئ لمساعدة النازحين، وحماية خيامهم.
من جهتها، قالت "المنظمة الدولية للهجرة"، التابعة للأمم المتحدة، إن مئات الآلاف من النازحين في قطاع غزة معرضون لاحتمال غرق خيامهم وملاجئهم بمياه الأمطار الغزيرة، في ظل منع مواد بناء أماكن الإيواء من دخول القطاع.
وأفادت المنظمة الدولية بأن ما يقرب من 795 ألف نازح معرضون للمخاطر المحتملة جراء السيول في المناطق المنخفضة المليئة بالأنقاض، حيث تعيش العائلات في ملاجئ غير آمنة، محذرة من تفشي الأمراض بسبب عدم توفر صرف صحي أو إدارة للنفايات.
المساعدات لعبة إسرائيل لخنق غزة
بعد مرور أكثر من 67 يوماً على بدء وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما زال الاحتلال يتلاعب ببنود الاتفاق، لا سيما إدخال المساعدات للقطاع.
فما زالت المساعدات التي تصل إلى القطاع قليلة ومحدودة كماً ونوعاً، فإضافة إلى تقليصها، يواصل الاحتلال منع وصول قائمة طويلة من السلع، والمواد الأساسية، وفي مقدمتها مواد الإيواء، خاصة البيوت المتنقلة، التي يصر الاحتلال على استمرار منع وصولها للقطاع.
ووفق المحلل والكاتب في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، فإن الأرقام المتعلقة بدخول المساعدات إلى غزة تكشف عن بنية اختناق اقتصادي مُدار، لا عن خلل إنساني عابر.
فبينما ينص اتفاق وقف إطلاق النار على دخول أكثر من 37 ألف شاحنة خلال شهرين، لم يدخل فعلياً سوى نحو 14.5 ألف شاحنة، بعجز يقارب 61%، وهو فارق لا يمكن تفسيره باعتبارات لوجستية، بل يعكس سياسة تقليص مقصودة.
وحسب أبو قمر، فإن هذا التقليص يستهدف ضبط مستوى الاستهلاك والإبقاء على الاقتصاد المحلي عند حده الأدنى، بما يمنع الانهيار الكامل، دون السماح بأي تعافٍ ذاتي.
وأضاف أبو قمر، "تتعزز هذه السياسة عبر التحكم في تركيبة المساعدات، من خلال السماح بإدخال سلع منخفضة القيمة الغذائية، مقابل منع مواد أساسية ومستلزمات طبية وقطع غيار، ما يؤدي عملياً إلى تعطيل دورة الإنتاج والاستهلاك معاً".
ووفق أبو قمر فإنه وفي سياق الإعمار، تبدو تقديرات الأمم المتحدة البالغة نحو 70 مليار دولار منفصلة عن شروط التنفيذ، إذ يحوّل استمرار التحكم بالمعابر وسلاسل التوريد هذه الأرقام إلى تقديرات نظرية، ويجعل الإعمار ملفاً تفاوضياً ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، بلا أثر تنموي فعلي.
بدوره، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن "الاحتلال لا يزال يمارس سياسة الخنق والتجويع والضغط الإنساني والابتزاز السياسي بحق أكثر من 2.4 مليون مواطن في قطاع غزة".
وبيّن أن الكميات المحدودة من المساعدات التي تدخل لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية والطبية والمعيشية، وأن القطاع المحاصر يحتاج، بصورة عاجلة، إلى تدفق منتظم لما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً تشمل الغذاء والدواء والوقود وغاز الطهي ومستلزمات القطاع الصحي.
ويحرم الاحتلال في إطار سياسة تضييق التجويع، السكان المدنيين في قطاع غزة من أكثر من 350 صنفاً من الأغذية الأساسية التي يحتاجها الأطفال والمرضى والجرحى والفئات الضعيفة.
النفايات الصلبة تتحول لتهديد بيئي
باتت النفايات الصلبة واحدة من أخطر وأعقد المشكلات التي تواجه قطاع غزة، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وإغلاق مكبّات النفايات الرئيسة شرق القطاع من قبل الاحتلال.
وتتكدس في المناطق السكنية بقطاع غزة كميات كبيرة من النفايات الصلبة، بعضها خطيرة، وسط عجز من قبل البلديات والجهات الخدماتية عن التعامل معها.
وأشار المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا إلى أن توقف إمدادات الوقود جراء الحصار ومنع دخول السولار للبلديات، أديا إلى تعطل معظم آليات البلدية الحيوية المتبقية، بعد تدمير الاحتلال 85% من أسطولها التشغيلي وخروجه عن الخدمة كالشاحنات، ومعدات جمع النفايات، وآليات فتح الشوارع وإزالة الركام.
وأكد مهنا أن خدمات البلدية توقفت أو باتت تُقدّم بأقل من 10–20% من طاقتها المعتادة قبل حرب الإبادة على غزة، سواء في النفايات، أو الطرق، أو المياه أو الصرف الصحي.
ووفق أحدث التقديرات، تشير عدة مصادر إلى أن هناك بين 5 و6 ملايين طن من النفايات الخطرة في قطاع غزة، بفعل عدم القدرة على إزالتها جراء الحرب الإسرائيلية على القطاع، محذّرةً من خطورتها على صحة الإنسان والبيئة.
وقال المختص البيئي محمد مصلح، إن خطورة هذه النفايات تكمن في احتمالية تسربها للمياه الجوفية، ما يؤدي إلى آثار كارثية على صحة الإنسان والبيئة.
وذكر مصلح أن من بين تلك النفايات الخطرة مادة "الإسبستوس" الناتجة عن ركام المنازل المُدمرة، خاصة تلك الموجودة في مخيمات اللاجئين.
ومادة "الإسبستوس" هي مكون رئيسي للأبنية في مخيمات قطاع غزة، وهي تشكّل خطراً على الصحة العامة، ويسبب استنشاقها بكميات كبيرة أمراضاً خطيرة منها "تليف الرئة وسرطان الرئة وسرطان الحنجرة".
بينما أكد مختصون أن النفايات الصلبة تطلق عند تحللها غازات ضارة مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون، التي تلوث الهواء وتنعكس سلباً على الجهاز التنفسي للسكان، إضافة إلى الروائح الكريهة التي تغطي مناطق كاملة من قطاع غزة.
بينما لفت مركز الميزان لحقوق الإنسان في تقرير نشره، مؤخراً، تناول واقع النفايات الصلبة في القطاع، إلى وجود 190 مكباً عشوائياً للنفايات الصلبة غير مجهزة، يقع معظمها داخل الأحياء السكنية أو بمحاذاة مراكز الإيواء ومخيمات النازحين، ما جعلها مصدراً مباشراً لانتشار الأمراض والأوبئة والحشرات والقوارض. وجراء ذلك يشتكي مواطنون من انتشار واسع وكبير للحشرات والقوارض، خاصة البعوض.