:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/75649

نكبة متجدّدة تلاحق مخيم جنين لتطال مختلف مناحي الحياة

2026-01-22

في الحادي والعشرين من كانون الثاني العام الماضي، وجد أهالي مخيم جنين أنفسهم مجبرين على الخروج من مخيمهم وإخلاء مساكنهم بملابسهم التي كانوا يرتدونها وقليل من المتاع، عندما أطلق جيش الاحتلال عملية "السور الحديدي"، اعتقاداً منهم بأن عودتهم إلى المخيم مسألة أيام، دون أن يتخيلوا أنها ستتجاوز العام وأكثر.
تقول الحاجة "أم سليم"، والتي تجاوزت من العمر 85 عاماً: إنه لم يكن هناك من خيار أمامها سوى الخروج من المخيم ظهيرة ذلك اليوم، ولم تكن لتصدق أنها ستحمل لقب "نازحة" بعد أن كانت "لاجئة".
في ذلك اليوم، خرجت أم سليم من المخيم، وكانت تستحضر بعض مشاهد نكبة العام 48 وكانت لا تتجاوز من العمر ثماني سنوات، وتتساءل: "هل هذه نكبة جديدة؟!".
ولم تكد أم سليم تصدق أنها ستعايش نكبة جديدة بعد هذا العمر، حيث خرجت برفقة أبنائها وأحفادها من المخيم الذي أفنت حياتها فيه، وكانت أمنيتها أن تموت أو تدفن فيه، إذا لم يحقق الله أمنيتها بالعودة إلى مسقط رأسها قرية زرعين المهجرة داخل الخط الأخضر.
وقبل عام، وجد أهالي مخيم جنين أنفسهم في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية وعملية عسكرية أطلق عليها جيش الاحتلال "السور الحديدي"، بدأت بذلك المخيم واستمرت تداعياتها دون وجود مؤشرات على نهايتها في الأمد القريب، لتحوّل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس إلى أشبه ما تكون بمناطق "أشباح".
وغيّر العدوان الإسرائيلي المتواصل على المخيمات الثلاثة والذي دخل عامه الثاني، جغرافيتها ومعالمها بعد أن هدمت الجرافات والبلدوزرات آلاف المنازل والوحدات السكنية والمنشآت وشقت الطرقات، لتقسيم كل مخيم إلى مربعات وفق نموذج مشابه لمحاور شقّها جيش الاحتلال في قطاع غزة خلال حرب الإبادة.
وأسفر هذا العدوان على مخيمات شمال الضفة، عن ارتقاء 84 شهيداً في مدينة جنين ومخيمها، و17 في طولكرم، وفق مرصد "شيرين الحقوقي"، وإجبار نحو 32 ألف نسمة على النزوح، بحسب بيانات وكالة الغوث الدولية.
ووفق نادي الأسير، فإن حملة الاعتقالات ضمن العدوان الإسرائيلي شملت 2300 مواطن في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بينهم من أفرج عنهم لاحقاً، في اعتقالات طالت مختلف الفئات، وجاءت ضمن حملة اتسمت بالتصعيد الممنهج، شملت تحويل المنازل إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميداني، وعمليات اعتداء جسدي، وتعذيب وتهديد للأفراد وعائلاتهم، واستخدام المواطنين رهائن ودروعاً بشرية، وتنفيذ عمليات سلب ونهب وهدم.
وأطلق جيش الاحتلال عدوانه في مخيم جنين بقصف جوي بطائرات مسيّرة، أسفر عن استشهاد 12 مواطناً خلال يومين وإصابة نحو 40 آخرين، وواصل عملياته لتشمل أحياء وبلدات مجاورة، تزامناً مع فرض حصار يمنع دخول المخيم.
وأشار مراقبون إلى أن إسرائيل استنسخت تجربة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة منذ السابع من تشرين الأول 2023، حيث شهد مخيم جنين في الحادي والعشرين من شباط الماضي نسف 21 منزلاً، وشق طرق واسعة فيه لمنع إعادة بناء المنازل وتحويله إلى حي يشبه أحياء المدينة.
وشق جيش الاحتلال طرقات مماثلة في مخيمَي طولكرم ونور شمس على حساب مئات المنازل، وشرع في تعبيد تلك الطرقات في خطوة تعتبر ترسيخاً للأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال.
ووفق اللجنة الشعبية لخدمات مخيم جنين، فإن جيش الاحتلال دمر أكثر من 800 منزل كلياً وجزئياً، وأحرق أخرى، ودمر كامل البنية التحتية والمؤسسات في المخيم، في ظل عمليات هدم وحرق متواصلة بشكل يومي، في عدوان أدى إلى نزوح أكثر من 17 ألف نسمة من السكان في ظروف معيشية ونفسية قاسية.
وقالت: إن النزوح كان الأصعب على اللاجئين في مخيمات شمال الضفة، حيث تفرقت العائلات بين قرى وبلدات وأحياء مدينة جنين، وفقد الأطفال جزءاً كبيراً من التعليم المنتظم، رغم محاولات توفير حافلات لنقل الطلبة إلى مدارس مستضيفة في القرى والبلدات المجاورة.
ووصفت الأوضاع النفسية للنازحين بأنها صعبة للغاية، قائلة: إنهم يعيشون بلا حلم أو أفق حل، بعد أن فقدوا ذكرياتهم وتاريخهم وارتباطهم اليومي بالمخيم، مؤكدة أن سكان المخيم ما زالوا يشتاقون لأدق تفاصيل حياتهم اليومية.
وعلى الرغم من الهجوم العسكري الكبير ونزوح معظم أهالي المخيم، اعتقد النازحون من أهالي المخيم أن الاقتحام سينتهي خلال أيام قليلة، ما دفعهم إلى ترك ملابسهم وأمتعتهم وأوراقهم الثبوتية وأغراضهم الشخصية داخل منازلهم.
وقال النازح أبو محمد الفايد: إنه لم يأخذ شيئاً، وترك كل شيء على حاله في البيت الذي كان يظن أنه سيعود إليه بعد أسبوع على أقصى تقدير، ولكن مر عام كامل، وهو أسوأ كابوس يعيشه في حياته.
وخلال عام تغيرت الخارطة الجغرافية لمخيم جنين بشكل خاص، ولمدينة جنين بشكل عام، ودمر الاحتلال نحو ثلثَي المخيم، كما عملت جرافاته العسكرية على فتح شوارع ومربعات سكنية جديدة فيه، إضافة إلى إغلاق كل مداخله وتحويله إلى معسكر يُمنع دخوله.
وبحسب بلدية جنين، هدمت قوات الاحتلال ما يقارب 300 بناية سكنية بشكل كامل داخل مخيم جنين، وأجبرت نحو 22 ألف مواطن على النزوح من داخل المخيم ومحيطه، في وقت تواصل فيه تغيير معالمه بشكل جذري، إلى جانب إغلاق مقار وكالة الغوث، ومنع السكان من تلقي الخدمات والتعليم، في خطوة تهدف إلى إنهاء دور الوكالة داخل المخيمات.
وأكد مدير العلاقات العامة في بلدية جنين، بشير مطاحن، أن الخسائر المباشرة للمدينة خلال الجزء الأول من العدوان بلغت نحو 320 مليون دولار، موضحاً أن العدوان خلّف دماراً هائلاً في البنية التحتية والشوارع والخدمات العامة، ما أثر بشكل مباشر في حياة المواطنين في عموم المحافظة، مشيراً إلى أن آثار العدوان لا تزال واضحة حتى اليوم رغم الجهود المستمرة للتعافي.
من جهتها، أكدت غرفة تجارة جنين أن العام الماضي كان من أكثر الأعوام قسوة على المحافظة اقتصادياً، حيث بلغ عدد أيام الإغلاق الشامل لمركز المدينة خلال الأشهر الستة الأولى من العدوان نحو 74 يوماً، ما ألحق خسائر فادحة في القطاع التجاري.
وأوضح مدير عام الغرفة التجارية، محمد كميل، أن التجار اضطروا إلى دفع الإيجارات لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر دون فتح محلاتهم، ما أدى إلى تكدس البضائع وتلف جزء منها، مؤكداً أن الاقتصاد لا يزال يعاني حتى اليوم من ضغوط كبيرة نتيجة الاقتحامات اليومية التي تجبر أصحاب المحلات على الإغلاق بحلول الساعة الخامسة مساءً، ما يعني فقدان نحو 10% من الحركة الشرائية داخل المدينة.
وأشار كميل إلى أن الاقتحامات المتكررة لبلدات المحافظة، إضافة إلى إغلاق حسبة قباطية، تؤدي إلى خسائر يومية تُقدر بنحو 3 ملايين شيكل، كما أن استمرار إغلاق حاجز الجلمة يحرم المحافظة من دخول المتسوقين الذين يضخون أموالاً في السوق المركزي، إذ تسمح سلطات الاحتلال بفتحه لثلاثة أيام سبت فقط شهرياً، ما يقدّر خسارته بنحو 350 مليون شيكل شهرياً.
وعلى الصعيد التعليمي، أدى العدوان إلى إغلاق مدارس "الأونروا" داخل المخيم، إضافة إلى مدرستين حكوميتين في محيطه، ونقل مقر مديرية التربية والتعليم إلى بلدة برقين، ما أثر بشكل مباشر في انتظام الطلبة الذين توزعوا على مدارس المحافظة بحسب مناطق نزوحهم.