مشاهد جديدة من غزة في اليوم الـ103 للتهدئة
مشاهد جديدة من قطاع غزة، في اليوم الـ103 من بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة في ظل استمرار خروق الاحتلال للاتفاق، ومعاناة النازحين.
ومن بين المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد تحت عنوان: "القصف المدفعي العشوائي"، ومشهد آخر يسلّط الضوء على تواصل جنازات الشهداء دون تتوقف، ومشهد ثالث يرصد جرائم الاحتلال المتصاعدة بحق الصحافيين.
القصف المدفعي العشوائي
تصاعدت عمليات القصف المدفعي العشوائي في الآونة الأخيرة، وباتت تستهدف جميع المناطق بمحاذاة الخط الأصفر، وصولاً إلى الأحياء المأهولة بالسكان.
وخلال الفترة الماضية شهدت مناطق خان يونس، جنوب قطاع غزة، ومخيم البريج وشرق مدينة دير البلح وسط القطاع، وشرق مدينة غزة وشمال القطاع تصاعداً ملحوظاً في القصف المدفعي العشوائي، ما يوقع شهداء وجرحى بشكل يومي.
وذكر مواطنون يقطنون على حافة "الخط الأصفر"، أنهم يفاجؤون بشكل يومي بالقذائف تتساقط في محيط مناطق سكنهم، وأحياناً يسقط بعضها قرب منازلهم.
واستشهد أول من أمس 8 مواطنين جراء القصف المدفعي العشوائي، ثلاثة شرق مدينة دير البلح، وثلاثة شرق مخيم البريج وسط القطاع، وشهيدان قرب دوار بني سهيلا شرق محافظة خان يونس.
وقال المواطن إبراهيم ياسين من سكان وسط خان يونس، إن القصف المدفعي العشوائي بات أخطر ما يواجههم، فيومياً تسقط عشرات القذائف على طول الخط الأصفر شرق المحافظة، وصولاً إلى وسطها.
وأشار ياسين إلى أن القصف المدفعي العشوائي تحول إلى روتين يومي قاتل، يتعمد الاحتلال تنفيذه على فترات متقطعة، بهدف إيقاع شهداء وجرحى، ونشر الرعب في صفوف المواطنين.
وأوضح أن جنود الاحتلال يطلقون قذائف مدفعية مضادة للأفراد تنشر عند انفجارها مئات الشظايا المعدنية الكبيرة والصغيرة، التي تتسبب بإصابة وقتل المواطنين، وأحياناً تتسبب ببتر أطراف المصابين.
في حين قال المواطن يوسف عبد الله إن المدفعية العشوائية من أخطر الأسلحة التي يستخدمها الاحتلال في الوقت الحالي، وكل قذيفة يصدر عنها ثلاثة أصوات مرعبة، الأول انفجارها في المدفع عند انطلاقها، والثاني صفيرها في الهواء وهي متوجهة إلى موقع سقوطها، والصوت الثالث انفجارها عند سقوطها على الأرض.
ولفت إلى أنه بين انفجار القذيفة لحظة خروجها من المدفع حتى سقوطها على الأرض مدة تتراوح بين 5 و10 ثوانٍ، وهي لحظات عصيبة يحبس فيها المواطنون أنفاسهم، لاسيما أنه لا أحد يعرف وجهة القذيفة وأين ستسقط، فسلاح المدفعية يعد من الأسلحة العشوائية غير الدقيقة، التي تسمى "الأسلحة الغبية أو العمياء" لذلك فإنها مرعبة للناس.
وأعرب عبد الله عن خشيته من تبعات تصاعد القصف المدفعي مقارنة بالفترة الماضية، ما يُشير إلى نية الاحتلال التصعيد، وإيقاع عدد أكبر من الضحايا بشكل يومي.
ونوه ياسين إلى أن الاحتلال أقام في الآونة الأخيرة مرابض مدفعية جديدة شرق خان يونس، وشرق المحافظة الوسطى، وهي مسؤولة عن القصف العشوائي.
جنازات الشهداء لا تتوقف
رغم مرور 103 أيام على بدء تطبيق اتفاق التهدئة، إلا أن سكان قطاع غزة لم ينعموا بالهدوء ولا حتى ليوم واحد، ولم تتوقف جنازات الشهداء عن الانطلاق من المستشفيات في مناطق جنوب ووسط وشمال القطاع. فلا يمر يوم دون أن يتجمع ذوو الشهداء أمام أقسام المشرحة في المستشفيات، بانتظار تسلم جثامين أبنائهم الذين يسقطون داخل وخارج الخط الأصفر، يودعون أجسادهم الطاهرة، ثم يؤدون صلاة الجنازة عليها، قبل أن ينطلقوا باتجاه المقابر لمواراة الجثامين الثرى.
وأمام مشرحة مستشفى ناصر جنوب قطاع غزة، يتجمع ذوو الشهداء، ويتسلمون جثامين أبنائهم في لحظات توصف بأنها صعبة، حيث يتخلل لحظات الوداع بكاء ودموع، وصرخات من الثكلى والأيتام والأرامل.
ومن أصعب الوداعات كان وداع الطفل المعتصم بالله أحمد الشرافي (13 عاماً)، الذي استشهد بنيران الاحتلال قرب دوار بني سهيلا، حيث احتضن والده جثمانه وهو يبكي بحرقة، بينما لم تتمالك والدته نفسها وهي تنظر إلى جسده مسجى في الكفن، وعمّ الحزن والصراخ أقرباءه.
وأكد مشيعون في جنازة الطفل أن ما يحدث في قطاع غزة جرائم إعدام يومية للمواطنين، وأن التهدئة التي يتحدثون عنها أكذوبة، وغطاء لممارسة الاحتلال عدوانه بحق الشعب الفلسطيني.
وأشار مشيعون إلى أن الاحتلال مازال يمارس جرائمه دون حسيب أو رقيب، مطالبين أحرار العالم بالتحرك لمحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم، والعمل على وقف جرائم القتل اليومية بحق المواطنين.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة فإن الاحتلال واصل، منذ دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ منذ 103 أيام، ارتكاب خروق جسيمة ومنهجية للاتفاق، بما يُشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، وتقويضاً متعمداً لجوهر وقف إطلاق النار ولبنود البروتوكول الإنساني الملحق به.
وقال المكتب الإعلامي إن هذه الخروق انقسمت إلى 430 حالة إطلاق نار، و66 عملية توغل آليات داخل الأحياء والمناطق السكنية، و604 عمليات قصف واستهداف، و200 عملية نسف منازل ومبانٍ مختلفة. ومن حيث الخسائر البشرية خلّفت الخروق 490 شهيداً، بينهم 252 من الأطفال والنساء والمسنين ما نسبته 52%، بينما بلغ عدد الشهداء المدنيين 444 شهيداً، بما يعادل 92% من إجمالي الشهداء.
وأوضح المكتب أنه تم استهداف 465 شهيداً بعيداً عن الخط الأصفر، في الأحياء السكنية، بنسبة 96%، في حين استشهدت النسبة المتبقية (4%) بمحاذاة الخط الأصفر.
الصحافيون هدف دائم للاحتلال
فجع الوسط الصحافي والمواطنون عامة بجريمة اسرائيلية جديدة راح ضحيتها ثلاثة صحافيين، بينما كانوا يؤدون عملهم وسط قطاع غزة.
وهزت الجريمة الاسرائيلية الجديدة سكان القطاع، كون الشهداء الثلاثة من الصحافيين المعروفين على مستوى القطاع، وأحدهم وهو محمد صلاح قشطة يعد أحد أبرز رجال العمل الخيري في القطاع.
ووصلت جثامين الشهداء الثلاثة؛ عبد الرؤوف شعت، ومحمد قشطة، وأنس غنيم، من مستشفيي الشفاء وشهداء الأقصى إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، وكان بانتظارهم حشد من المواطنين والصحافيين، وقد استقبلت الجثامين الثلاثة وسط حالة من الحزن والغضب.
وأكد صحافيون أن الجريمة الجديدة تأتي استكمالاً للجرائم الاسرائيلية ضد الصحافيين، التي بدأت منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية ومازالت مستمرة، مشددين على أن عدم المحاسبة على عمليات القتل غير المسبوقة بحق الصحافيين، دفع الاحتلال للمضي في جرائمه بحقهم، دون خوف أو تردد.
وشدد صحافيون على أن العالم بأسره يتحمل مسؤولية شلال الدم النازف في غزة، لوقوف جميع الدول موقف المتفرج أو الداعم للاحتلال.
وشارك في جنازة الشهداء الثلاثة حشد كبير، حيث انطلقت من داخل مجمع ناصر الطبي غرب خان يونس، باتجاه مقبرة الشهداء المجاورة، وسط حالة من الغضب. ولم يمض على زواج الصحافي شعت سوى أسبوعين، فيما وصف الصحافي محمد قشطة بأنه محبوب النازحين.
من جهته، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ارتفاع عدد الشهداء من الصحافيين إلى 260 منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، وذلك بعد الإعلان عن اغتيال الصحافيين الثلاثة.
ودعا المكتب الإعلامي الاتحاد الدولي للصحافيين، واتحاد الصحافيين العرب، وكل الأجسام الصحافية في كل دول العالم إلى إدانة هذه الجرائم الممنهجة ضد الصحافيين والإعلاميين الفلسطينيين في قطاع غزة، محملاً المسؤولية لحكومة الاحتلال والدول الداعمة لها والمشاركة معها في جريمة الإبادة.