مشاهد جديدة من المعاناة المتواصلة في غزة
مشاهد جديدة من قطاع غزة، في ظل تصاعد خروق الاحتلال لاتفاق التهدئة، وتفاقم معاناة المواطنين.
ومن بين المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد يوثق تصاعد الغارات الجوية في قلب القطاع، ومشهد آخر يُسلّط الضوء على محاولات إسرائيل تقسيم القطاع إلى ثلاث مناطق متباينة الخطورة، ومشهد ثالث يكشف عدد المغادرين والقادمين على معبر رفح في الأسبوع الأول من عمله.
تصاعد الغارات في عمق القطاع
تحولت الغارات الجوية الإسرائيلية، التي تُنفذ في عمق قطاع غزة، بعيداً عن "الخط الأصفر"، إلى روتين شبه يومي، يمارسه الاحتلال ضد القطاع. وتستهدف الغارات المذكورة في الغالب شققاً سكنية، وخياماً، ومارة، حيث سجل الأسبوعان الماضي والجاري، عدة غارات في قلب المناطق المكتظة بالسكان، إحداها غرب مدينة غزة، وأخرى غرب مدينة دير البلح، وثالثة في بلدة الزوايدة الساحلية وسط القطاع، عدا غارات أخرى في مدينة خان يونس.
ووفق محللين ومتابعين فإن تصاعد الغارات التي تنفذ بهدف تنفيذ عمليات اغتيال، يعتبر تصعيداً كبيراً وخطيراً من قبل الاحتلال، خاصة أن تلك العمليات باتت تنفذ بشكل مفاجئ، وحتى دون ذرائع أو حجج إسرائيلية كما جرت العادة.
ولوحظ أنه كلما تصاعد القصف الإسرائيلي في قلب قطاع غزة، تزداد التهديدات الإسرائيلية الصادرة عن قيادات سياسية مختلفة بشأن احتمال عودة الحرب.
وأشار محللون وخبراء إلى أن الاحتلال يبدو في ضوء التصعيد الراهن، معنياً بتثبيت سياسة القصف وفرض حالة من "اللاهدوء" في القطاع، حتى مع العبور نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب بشأن القطاع، التي جرى التوصل إليها في 10 تشرين الأول 2025.
ويرى الخبير العسكري رامي أبو زبيدة أن هذه الخروق ليست مجرد تجاوزات فنية، بل تمثل تطبيقاً عملياً لعقيدة إسرائيلية جديدة تقوم على فرض الإرادة بالاستخدام الدوري للقوة بعد 7 تشرين الأول 2023.
بينما قال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا، إن التصعيد الإسرائيلي الأخير في غزة يأتي في سياقه الطبيعي ضمن سلوك الاحتلال، لكنه يهدف بالأساس إلى التشويش على أي خطوات سياسية أو ميدانية قائمة، خاصة ما يتعلق بفتح معبر رفح، مؤكداً أن الاحتلال لا يريد للفلسطينيين أن يشعروا بتحقيق أي إنجاز مهم.
وأوضح القرا أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الهجمات إلى تذكير الفلسطينيين بأنها ما زالت الطرف المسيطر، وأنها الجهة التي تنتهك وتعتدي وتفرض واقعها بالقوة، عبر الإبقاء على أجواء الحرب قائمة بهذا الشكل، معتبراً أن هذا هو الهدف الأول من التصعيد.
تقسيم القطاع
نجح الاحتلال وعلى مدار نحو 4 أشهر من التهدئة في تقسيم قطاع غزة إلى ثلاث مناطق متباينة من حيث الخطورة، الأولى معزولة ومحتلة ومحاصرة، والوصول إليها يعني الموت المحقق، وهي تقع شرق وجنوب وشمال "الخط الأصفر"، وتمثل نحو 59% من قطاع غزة، ومناطق أقل خطورة، ما زالت تحت مرمى نيران رشاشات الاحتلال، وهي محاذية لـ"الخط الأصفر" بعمق يتراوح بين 1 و2.5 كيلومتر، ومناطق أقل خطورة، وهي الأقرب لغرب القطاع، لكنها لم تعد آمنة، جراء استمرار عمليات القصف والغارات الجوية التي تطالها بين الفينة والأخرى.
ووفق مواطنين فإن التقسيم المذكور، الذي تحول إلى واقع فرضه الاحتلال، خلق واقعاً صعباً وقاسياً، وحرم المواطنين من الوصول إلى مناطق واسعة في قطاع غزة، وفرض وقائع قاسية على المواطنين، أهمها حشرهم في مساحات ضيقة بالقطاع.
وأكد المواطن إبراهيم الملاحي الذي يقيم في خيمة بمخيم قرب "المسلخ التركي"، أنه ورغم بعده أكثر من 2 كيلومتر عن "الخط الأصفر"، إلا أن المخيم الذي يعيش فيه والمخيمات المحيطة تتعرض لإطلاق النار بشكل يومي، والوضع جنوب خان يونس أصبح خطيراً.
وقال الملاحي، إن الاحتلال يعرف جيداً مناطق تمركز وتجمع النازحين، رغم ذلك يستهدف مخيماتهم بواسطة الرشاشات ورصاص القناصة، وهناك ضحايا من الشهداء والجرحى يسقطون في تلك المخيمات بشكل يومي.
وأشار إلى أن قطاع غزة كله أصبح منطقة خطيرة، بدرجات متفاوتة، والموت قد يطال أي شخص في أي مكان، جراء العدوان المستمر، مبيناً أن المواطنين مجبرون على العيش في مناطق خطيرة، لعدم وجود بديل.
بينما أكد المواطن محمود عوض أن من أصعب الأمور أن يتم فرض حظر على المواطنين، ومنعهم من دخول مناطق واسعة من قطاع غزة، تقع فيها منازلهم، وأراضيهم وأملاكهم.
ولفت عوض إلى أنه عاجز عن الوصول إلى بيته في مدينة رفح، وإذا ما حاول ذلك سيفقد حياته كما حدث مع الكثيرين من قبله، مشيراً إلى أن الاحتلال استغل قوته، ودعم الغرب وأميركا له، وفرض وقائع قاسية على السكان، وقسم القطاع، وحول حياة الغزيين إلى جحيم لا يطاق.
ووفق المعلومات المتوفرة، فإن إسرائيل تسيطر على نحو 59% من مساحة قطاع غزة، ما يجبر نحو 2.2 مليون نسمة على العيش في مساحة لا تتجاوز 90 كيلومتراً مربعاً، في ظروف شديدة القسوة والاكتظاظ.
225 مسافراً على معبر رفح
يواصل الاحتلال تقليص عدد المسافرين الذين يسمح لهم بمغادرة معبر رفح البري في كلا الاتجاهين، وسط إجراءات صعبة وبطيئة، ومطالبات بالحصول على موافقات أمنية مسبقة.
ووفق ما أكده المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن حصيلة حركة المسافرين عبر معبر رفح البري خلال الفترة من الاثنين 2 شباط الجاري وحتى مساء الإثنين الماضي الذي وافق التاسع من الشهر نفسه بلغ 225 مسافراً، فيما وصل إلى قطاع غزة 172 عائداً، وتم إرجاع 26 مسافراً ومنعهم من السفر.
وفي تفاصيل السفر، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن أول أيام فتح المعبر الموافق الثاني من شباط شهد سفر 20 مواطناً فقط، بينهم 5 مرضى و15 مرافقاً، فيما وصل 12 شخصاً إلى قطاع غزة، من بينهم 9 نساء و3 أطفال.
أما يوم الثلاثاء 3 شباط، فقد سافر 40 شخصاً، بواقع 16 مريضاً و24 مرافقاً، في حين أعاد الاحتلال 26 مسافراً ومنعهم من السفر، ووصل في اليوم ذاته 26 من العائدين إلى غزة. وفي يوم الأربعاء 4 شباط، سافر 47 مسافراً، منهم 16 مريضاً و31 مرافقاً، بينما سُجّل وصول 25 عائداً إلى قطاع غزة.
كما سافر يوم الخميس 5 شباط، 28 شخصاً، بينهم 7 مرضى و21 مرافقاً، ووصل 25 عائداً إلى غزة، وبعدها أغلق المعبر يومي الجمعة والسبت، ولم يسافر خلالهما أي شخص. وفي يوم الأحد 8 شباط، سافر 50 مواطناً، بينهم 19 مريضاً، و31 مرافقاً، ووصل 44 عائداً إلى غزة. أما في يوم الإثنين 9 شباط فقد غادر 40 مسافراً، بينهم 20 مريضاً و20 مرافقاً، فيما وصل 40 عائداً إلى غزة.
وأشار المكتب الإعلامي إلى أن إجمالي عدد المسافرين ذهاباً وإياباً خلال هذه الفترة بلغ 397 مسافراً فقط، من أصل 1,600 مسافر يُفترض أن يسافروا عبر معبر رفح، بنسبة التزام تقارب 25%.
من جهته، حذر الناطق باسم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رائد النمس، من الفجوة الصادمة بين أعداد المغادرين وحجم الاحتياج الصحي الفعلي، موضحاً أن هناك 20,000 مريض بحاجة ماسة للسفر الفوري وفق تصنيفات وزارة الصحة، وأن هناك 100,000 مصاب خلّفهم عامان من الحرب المستمرة، وهناك 350,000 مريض مزمن (قلب، سرطان، فشل كلوي) يواجهون نقصاً حاداً في الخدمات العلاجية.