:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/75748

مشاهد من غزة في ظل الأزمات والمعاناة المتواصلة

2026-02-13

مشاهد جديدة من قطاع غزة، في ظل المعاناة والأزمات الناجمة عن تداعيات وانعكاسات العدوان المستمر.
ومن بين المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد يُسلّط الضوء على التحذيرات المتتالية جراء تفاقم الأزمات الصحية في قطاع غزة، ومشهد آخر بعنوان "الوقود كأداة حصار"، ومشهد ثالث يرصد ما حل بقطاع تربية النحل من دمار وخسائر كبيرة.

انعكاسات الأزمة الصحية
حذر أطباء وحقوقيون من مخاطر استمرار الأزمة الصحية في قطاع غزة، والتي باتت تمس حياة عشرات آلاف المرضى، وتهدد بانهيار إضافي للمنظومة الصحية في غزة.
وعبّر حقوقيون ومختصون عن قلقهم البالغ إزاء التدهور الخطير والمتسارع في الواقع الصحي داخل قطاع غزة، والذي بلغ مستويات كارثية تهدد الحق في الحياة والصحة لأكثر من مليوني إنسان، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على المنظومة الطبية، واستهداف مقوماتها الأساسية بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة.
وقال "مركز غزة لحقوق الإنسان"، إن "ما يشهده القطاع لم يعد أزمة صحية عابرة بل نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيلية ممنهجة، أدت إلى تفكيك النظام الصحي وتحويل ما تبقى من مستشفيات عاملة إلى محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى الذين يواجهون مصيراً مجهولاً وفق توصيف وزارة الصحة نفسها".
وأضاف المركز: "وفقاً لعمليات الرصد الميداني التي ننفذها وبالاستناد إلى بيانات وزارة الصحة في غزة، وثقنا تسجيل أكثر من 2,142,000 إصابة بأمراض معدية شملت التهابات الجهاز التنفسي الحادة، وأمراضاً جلدية، والتهاب الكبد الوبائي، في بيئة تفتقر لأدنى أدوات التشخيص والعلاج".
وأشار إلى تسجيل 21 حالة وفاة بين النازحين نتيجة انخفاض درجات الحرارة، وعدم توفر الرعاية الطبية اللازمة، في مؤشر خطير على الانهيار التام لمنظومة الاستجابة الصحية الطارئة.
وأكد المركز توقف نحو 70% من المختبرات الطبية عن العمل، في وقت وصلت فيه نسبة العجز في الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أكدت وزارة الصحة أن 46% من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66% من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، إضافة إلى نفاد 84% من المواد المخبرية وبنوك الدم.
وأشار المركز إلى ما سبق وأعلنته وزارة الصحة بأن خدمات السرطان وأمراض الدم، والجراحة والعمليات، والعناية المركزة، والرعاية الأولية، تأتي في مقدمة الخدمات المتضررة، وأن ما يصل إلى مستشفيات قطاع غزة من أدوية لا يتجاوز كميات محدودة لا يمكنها تلبية الحد الأدنى من الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية، لافتاً إلى أن هذا الواقع حوّل استمرار تقديم الرعاية الصحية إلى ما يشبه المعجزة اليومية في ظل غياب أي أفق.

الوقود كأداة حصار
لم يعد الوقود في قطاع غزة مجرد مدخل اقتصادي لتشغيل المركبات أو توليد الكهرباء، بل تحول إلى أداة تحكم دقيقة في مستوى الحياة اليومية، ومؤشر واضح على طبيعة الاقتصاد القسري الذي يُدار تحت الحصار، في ظل استمرار تحكم الاحتلال بالكميات التي تصل وتقليصها، ما يبقي على استمرار الأزمة.
ووفق خبراء ومطلعين فإنه وخلال الشهور التي تلت وقف إطلاق النار في تشرين الأول الماضي، لم يشهد قطاع غزة رفعاً للحصار بقدر ما شهد سياسة "إدارة الندرة"، حيث تسمح إسرائيل بإدخال كميات شحيحة من الوقود لا تهدف إلى التعافي، بل فقط إلى منع الانهيار الكامل.
وأكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأرقام تكشف عمق الأزمة، فرغم أن إسرائيل ملزمة إنسانياً بإدخال نحو 50 شاحنة وقود وغاز يومياً وفق البروتوكول الإغاثي، لكنها لا تسمح في أحسن الأحوال إلا بدخول 7 شاحنات فقط، أي أقل من 20% من الاحتياج الفعلي.
وقال أبو قمر: "في ملف غاز الطهي، دخل إلى قطاع غزة منذ بداية الهدنة وحتى نهاية كانون الثاني 307 شاحنات فقط، بكمية 6458 طناً، بينما كانت التفاهمات تنص على إدخال 1500 شاحنة خلال الفترة نفسها".
وأضاف: "اقتصادياً، يؤدي هذا الشح إلى اختلال حاد بين العرض والطلب، ما يفتح الباب أمام الاحتكار والسوق السوداء، ورغم وجود انخفاض ملحوظ على سعر لتر السولار مؤخراً، إلا أن هذا الانخفاض يبقى هشاً ومرهوناً بكميات غير مستقرة".
وشدد على أن الوقود هو العمود الفقري لأي اقتصاد، ومن دونه تتعطل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والخدمات البلدية، لذلك فإن أي حديث عن تعافٍ اقتصادي أو إنساني في غزة، في ظل إدخال أقل من خُمس الاحتياج الحقيقي من الوقود، ليس سوى تعافٍ وهمي يدار بالأرقام لا بالحقوق.
وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أعلن أن كميات الوقود التي وصلت قطاع غزة منذ بدء تطبيق اتفاق التهدئة لم تتجاوز 14% من الكمية المتفق عليها.
وجراء سياسة الاحتلال، ظهرت الأسواق السوداء في قطاع غزة، حيث يباع الوقود في أسواق سوداء بأسعار مرتفعة، وبدرجات غش عالية.

خسائر قطاع النحل
لم تترك الحرب المستعرة على قطاع غزة أي قطاع من القطاعات الغذائية والإنتاجية إلا دمرته، أو ألحقت به أضراراً كبيرة، ومن بينها قطاع تربية النحل، الذي كان يعد أحد القطاعات الواعدة، والذي شهد تطوراً وتوسعاً كبيراً في الفترة التي سبقت الحرب على القطاع، وكان ينتظره مستقبل واعد.
فقد تأثر قطاع تربية النجل بفعل أمرين، الأول الاستهداف المباشر لخلايا ومزارع النحل عبر القصف أو تسميم الأجواء بمواد وأدخنة وغازات سامة، تسببت بنفوق النحل وتدمير الخلايا، أو جراء استهداف القطاع الزراعي وتدمير الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل في المعيشة وإنتاج العسل، ما أدى إلى غياب موائل ومراعي النحل، وبالتالي نفوقه.
وقدرت الجمعية التعاونية لمربي النحل في محافظات غزة الخسائر الإجمالية لقطاع تربية النحل بحوالى 39 مليون دولار، شملت الأضرار المباشرة وغير المباشرة.
كما تسببت هذه الخسائر بتعطّل العاملين في القطاع، والبالغ عددهم 6100 شخص، عن العمل، وهم يشكلون القوة التشغيلية الأساسية لهذا القطاع.
ويبلغ عدد النحالين في محافظات غزة 905 نحالين، من بينهم 105 نحالات رياديات، إضافة إلى استشهاد 20 نحّالاً خلال الحرب.
ووفق عاملين في القطاع المذكور، فإن قطاع تربية النحل يعتبر من أكثر القطاعات الزراعية تضرراً جراء الحرب، إذ تم تدمير معظم المناحل والغطاء النباتي الذي يتغذى عليه النحل، ما أدى إلى نفوق وتدمير جميع خلايا النحل، البالغ عددها نحو 30 ألف خلية، وهو العدد الإجمالي لخلايا النحل في محافظات غزة وفق الإحصائيات المعتمدة قبل الحرب.
وطالب نحالون بضرورة العمل على تجديد الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه النحل، من خلال إقامة محميات طبيعية، مع أهمية تعويض النحالين عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة الحرب الحالية والحروب السابقة.
كما دعا مربو نحل إلى توفير مدخلات الإنتاج عبر المانحين بأسعار مخفضة، وإلغاء الرسوم والضرائب حتى يتم التعافي من آثار الحرب، مع أهمية إنشاء مركز بحوث متخصص في أبحاث النحل، وتطوير مختبرات حديثة لفحص الأمراض.
ويحتاج قطاع غزة سنوياً إلى نحو 450 طناً من العسل، كان قبل الحرب يُنتج منها محلياً حوالى 380 طناً، لكن الإنتاج حالياً بات لا يذكر.