بين لدغ الحشرات وشح الدواء.. الأمراض الجلدية تفتك بنازحي غزة
2026-04-09
داخل أحد مراكز الإيواء المكتظة بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، تقف النازحة هالة قديح تتفقد جسد طفلتها الصغيرة وقد امتلأ ببثور وجروح، في مشهد يجسد معاناة النازحين مع انتشار الأمراض الجلدية ونقص علاجاتها، وشح المياه النظيفة في قطاع غزة.
وتعيش عائلة قديح المكونة من 7 أفراد ظروفاً إنسانية قاسية نتيجة عجزها عن إيجاد حل لمشكلة الأمراض الجلدية رغم أن أفرادها يحاولون بإمكانيات بسيطة الحفاظ على نظافة المكان، وتعريض مستلزماتهم للشمس.
وقديح واحدة من آلاف العائلات النازحة التي تواجه التحديات ذاتها، في ظل ما وصفه مسؤولون صحيون بأنه "تفشٍ واسع للأمراض الجلدية" في مراكز النزوح نتيجة غياب النظافة وشح المياه وانتشار الحشرات والقوارض.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول 2025، إلا أن الأوضاع المعيشية للمواطنين في غزة لم تشهد تحسناً ملحوظاً في ظل تنصل إسرائيل من التزاماتها بالاتفاق، بما في ذلك إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.
وحذر وزير الصحة ماجد أبو رمضان، في حديث لوكالة "الأناضول" الإخبارية التركية، من تفشي الأوبئة في قطاع غزة نتيجة "تصاعد خطير" لانتشار القوارض على خلفية "تدهور حاد" في الأوضاع البيئية.
ولأكثر من مرة، حذرت بلديات القطاع والدفاع المدني من المخاطر البيئية والصحية جراء انتشار أكوام النفايات بين خيام النازحين وما تبقى من منازل في مناطق مختلفة من القطاع.
ويأتي ذلك في ظل النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل مركبات ترحيل النفايات الشحيحة، ووسط المنع الإسرائيلي للوصول إلى المكبات الرئيسية في المناطق الشرقية من القطاع، وفقا لمعطيات محلية سابقة.
وقالت قديح، التي هُجّرت من بلدة عبسان الكبيرة شرق خان يونس، جنوب القطاع: "رغم كل محاولاتنا للحفاظ على النظافة وغسل الملابس وتعريض الفراش للشمس، لا نستطيع التخلص من البراغيث المنتشرة في الخيام". وأضافت بنبرة يملؤها الحزن: "لم نعد نعرف ماذا نفعل".
من جهته، وصف زوجها منار قديح، وهو أب لخمسة أطفال، الوضع بأنه "لا يُطاق"، مشيراً إلى أن أفراد العائلة يقضون ليلهم ونهارهم في حك أجسادهم بسبب الأمراض الجلدية.
وأكد أن منظمات إنسانية، بينها أطباء بلا حدود، تعجز عن توفير العلاج الكافي في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع.
ولأكثر من مرة، حذرت وزارة الصحة في غزة من خطورة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية على الواقع الصحي في القطاع.
ووفق معطيات الوزارة، فإن نسبة العجز في قائمة الأدوية بلغت 52 بالمئة، و71 بالمئة في قائمة المستهلكات الطبية.
النازح راضي أبو عليان، الذي يعيش في خيمة متهالكة بخان يونس، وسط في ظروف معيشية تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الصحية، تحدث بمرارة عن وضع أطفاله الستة وزوجته بفعل الأمراض الجلدية، مبيناً أن هذه الأمراض انتقلت إليهم، وأن الأطفال في مخيمات الإيواء يعانون من "انتشار القمل والجروح في أجسادهم، نتيجة تفشي الأمراض الجلدية والحشرات والقوارض داخل الخيام".
وقال: "نراجع العيادات والمراكز الطبية، لكن الإجابة دائماً: الدواء غير متوفر، والمعابر مغلقة"، مشيراً إلى أن أجساد أطفاله الصغيرة تعرضت لخدوش شديدة نتيجة الحكة، أسفرت عن حدوث نزيف ما فاقم من حالتهم الصحية.
وذكر رئيس قسم الأمراض الجلدية في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، أسعد صادق، أن استمرار النزوح لفترات طويلة عمّق الأزمات الصحية بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالأمراض الجلدية.
وأوضح أن النازحين يعانون من أمراض جلدية متعددة، أبرزها ما ينتج عن لدغات الحشرات مثل البعوض والعث والنمل، إضافة إلى عضات القوارض وتداعيات الاحتكاك بالحيوانات الضالة.
وأشار إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الحساسية الجلدية، التي تسبب حكة شديدة تعيق النوم، خاصة في اليدين والقدمين والبطن والظهر. وقال: "الأدوية الأساسية مثل كريمات الكورتيزون ومضادات الحساسية غير متوفرة أو متوفرة بشكل محدود جداً، وحتى عند توفرها، فإن تأثيرها مؤقت في ظل استمرار الظروف البيئية القاسية".
ولفت إلى أن استخدام المياه المالحة أو الملوثة يسبب زيادة حالات الأكزيما والحساسية، داعياً المؤسسات الدولية إلى التدخل العاجل، عبر رفع النفايات، ورش المبيدات، وتوفير الأدوية ومواد النظافة العالقة خلف المعابر المغلقة.
وتأتي هذه التحذيرات وسط أزمة إنسانية وصحية متواصلة يشهدها قطاع غزة منذ بداية حرب الإبادة في 8 تشرين الأول 2023، والتي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية.
كما يعاني قطاع غزة من قيود إسرائيلية مشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات وغيرها من المواد.
ويعيش نحو 1.9 مليون نازح، من أصل 2.4 مليون نسمة في قطاع غزة، ظروفاً قاسية في خيام مهترئة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم خلال الحرب.