:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/7931

ما يحدث على الساحة الفلسطينية بتأثير من الربيع العربي -هآرتس

2016-02-08

انتفاضة السكاكين الفلسطينية التي بدأت في تشرين أول 2015 وضعت حدا لفترة متواصلة من الهدوء الامني. في الاشهر تشرين اول حتى كانون أول قتل 31 يهودي واكثر من 120 من الفلسطينيين. وفي تشرين ثاني ازدادت عمليات اطلاق النار الى جانب عمليات الطعن والدهس. ورغم استمرار الارهاب فان اسرائيل تمتنع من اعتباره انتفاضة. ومصدر رفض اسرائيل اعتبار احداث الاشهر الاخيرة كانتفاضة عنيفة هو القناعة او الرغبة في اعادة الاستقرار.
هناك نوعان من الادعاءات حول الاسباب التي ادت الى موجة العنف الحالية وما هو مطلوب لاعادة الوضع لسابق عهده. النوع الاول ينسب التدهور الى التحريض المنظم ممن قبل السلطة الفلسطينية الذي انضمت اليه ايضا الحركة الاسلامية في اسرائيل والتي استغلت مسألة الاماكن المقدسة في القدس من اجل تأجيج السكان. ان مواجهة الظاهرة تستوجب حسب هذا الادعاء علاج موضعي للجهات السياسية المسؤولة عن الواقع الحالي، الامر الذي ادى الى اخراج الحركة الاسلامية خارج القانون. النوع الثاني يلقي المسؤولية بالتدهور على الجمود السياسي وغياب الحوار بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. حسب هكذا ادعاءات فان غياب العملية السياسية هو المسؤول عن ضياع الامل بمستقبل أفضل، والخروج من دائرة العنف يكمن في استئناف المفاوضات السياسية.
صحيح أن التحريض من قبل السلطة الفلسطينية ساهم في خلق أجواء العنف، الامر الذي يشجع شبان فلسطينيين على الاضرار باسرائيل. ومع ذلك لا يمكن فهم موجة العنف في الاشهر الاخيرة في سياقها المحلي فقط، حيث ان للامر ارتباطات اقليمية واسعة.
صحيح ان الجمود السياسي يميز علاقات اسرائيل والفلسطينيين في السنوات الاخيرة ولكنه في هذه السنوات بالذات ساد استقرار السلطة والهدوء الامني في مناطق السلطة الفلسطينية، حيث شعر الناس بالرفاه الاقتصادي نسبيا.
ما الذي يفسر اذن اندلاع العنف في الاشهر الاخيرة؟ لقد أشار كُتاب هذه المقالة منذ 2010 الى أن البنية الفلسطينية تسير باتجاه نوع من الانتفاضة. استخدمنا في حينه مصطلح "انتفاضة بيضاء" والتي كانت لها مكان في الوعي الجماهيري. كان ادعائنا هو ان السلطة الفلسطينية ستضغط على اسرائيل بدعم من المجتمع الدولي، وان الوسائل ستكون اعمال شعبية مثل التظاهرات والاحتجاجات والمسيرات ومطالبة تحقيق السيادة الفلسطينية. كان من المفترض ان تكون هذه انتفاضة، وعلى العكس من سابقاتها "الحمراوات" تلك التي اندلعت في كانون اول 1987 وايلول 2000، سوف ترتكز على النشاط المدني الغير عنيف حيث ستجد اسرائيل صعوبة في مواجهتها.
منذ كتب ونشر المقال في ("هآرتس 22/10/2010") لم تحدث "انتفاضة بيضاء" ولكن تدهور الامر الى "معركة بيضاء" ادارتها السلطة ضد اسرائيل. حيث تحولت مؤسسات الامم المتحدة في اطارها الى ساحة مواجهة الامر الذي وصل للذروة عام 2011 عند التصويت في الهيئة العمومية على قبول "فلسطين" كعضوة في مؤسسات الامم المتحدة.
"المعركة البيضاء"عكست ليس فقط الصدام بين اسرائيل والفلسطينيين بل ايضا الموافقة الصامتة على مسائل امنية واقتصادية مختلفة. منذ ذهاب ياسر عرفات ومجيء ابو مازن بدلا منه حظيت السلطة الفلسطينية بمباركة القيادة الاسرائيلية. وبين الطرفان تشكلت علاقات خفية وشجاعة على شكل تعاون بين الاعداء. هذا النمط ساعد اسرائيل في تحقيق طموحها في استمرار الوضع القائم جغرافيا، وبثمن معقول. حيث كانت السلطة مسؤولة عن ادارة حياة السكان المحليين. وفي نفس الوقت بقيت اسرائيل مسؤولة عن الامن، واستمرار الاستيطان في الضفة. واستطاعت السلطة الفلسطينية اقامة سلطة ذاتية في المجال الاقتصادي والمدني والتخلص من نتائج الانتفاضة الثانية، التي أدت الى سقوط قطاع غزة في يد حماس.
"المعركة البيضاء" التي بادرت لها السلطة ضد اسرائيل في الساحة الدولية تحولت الى ساحة مواجهة متفق عليها بين الطرفين. وكانت لها قوانين لعبة واضحة. وهذا مكن السلطة والتي خافت من تراجع شرعيتها داخليا بسبب التعاون مع اسرائيل. مكنها من الظهور كمحافظة على طموح الشعب الفلسطيني للسيادة والدولة. بالمقابل ساعدت هذه التفاهمات اسرائيل بمواجهة الضغط من اجل استئناف المفاوضات الامر الذي مكنها من اتهام السلطة بعدم الشرعية. هذا دفع اسرائيل الى الطلب من ابو مازن بالاعتراف بالهوية اليهودية لاسرائيل كشرط لاستئناف المفاوضات.
المعركة المتبادلة التي ادارها الاطراف تحولت بالنسبة لهما الى أمر حيوي على خلفية الاحداث والتغيرات في الشرق الاوسط. الربيع العربي الذي اندلع في 2010 اعاد وطرح مسألة المقاومة الشعبية والمطالبة باحداث تغييرات سياسية ثورية. لم تمر السلطة وحماس بما مرت به الانظمة في تونس وليبيا وسوريا ومصر والبحرين. هكذا تحولت المعركة الفلسطينية الغير عنيفة الى استراتيجية مفضلة. وتهدف الى حرف طاقات المقاومة لدى الجيل الفلسطيني الشاب عن القيادات المحلية وتوجيهها باتجاه اسرائيل، مع السعي الى الابقاء على التفاهمات الهادئة بين الطرفين.
صحيح ان القيادة الفلسطينية في رام الله وفي غزة قد بقيتا وتجاوزتا موجة العنف التي اجتاحت العالم العربي لكن الربيع العربي تخلخل الى بنية العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين والحق ضررا بالتفاهمات الهادئة بين الطرفين، وانتفاضة السكاكين التي اندلعت في اواخر عام 2015 حطمت منطقة المقاومة السابقة. والذي اعتمد انماط عمل غير عنيف. تحول الشبان الفلسطينيين الى حاملي لواء المقاومة العنيفة ووضعوا القيادة الفلسطينية جانبا. الجيل الفلسطيني الذي ولد بعد اوسلو 1993 يحمل روح المقاومة التي ميزت شبان الربيع العربي ومصادره الاجتماعية والثقافية والطبقية.
لم يكن الربيع العربي نتاج لاحتجاج سياسي خالص، لقد تركز الاحتجاج ضد القيادات المركزية المسيطرة منذ سنوات الـ 60 للقرن الماضي واستهدف الطريقة السياسية – الاقتصادية كهدف للتغيير.
ارهاب السكاكين الفلسطيني الحالي يرضع من مصادر مشابهة لمصادر الاحتجاج الاقتصادي العربي. تطور تعاون اقتصادي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية في السنوات الاخيرة وكان ملائما للطرفات، وبالنسبة للفلسطينيين فان الازدهار ساعد في التقليل من اهمية وتأثير الجمود السياسي والابقاء على الحياة الاقتصادية في الضفة الغربية. بالنسبة لاسرائيل فان التعاون كان جزءا من السعي للتهدئة الامنية عن طريق رفع ثمن الخسارة الاقتصادية في حال اختار الفلسطينيين طريق العنف، حيث زاد في السنوات الاخيرة عدد العمال الفلسطينيين العالمين في اسرائيل. وأصبح بمئات الالاف واهتم اقتصاديون اسرائيليون بمشاريع فلسطينية مثل مدينة روابي الجديدة.
مع الازدهار الاقتصادي الذي استفادت منه القيادة ورجال الاعمال، زادت الفجوة بحق الشبان الفلسطينيين المتعلمين الذين ظلوا خارج الدائرة الاقتصادية، بما في ذلك القدس الشرقية التي تعاني احيائها منذ سنوات من الاهمال وغياب البنى التحتية والاستثمارات. وفي الوقت الذي توجه فيه غضب الشبان في العالم العربي ضد الانظمة، فان غضب الشبان الفلسطينيين وُجه ضد اسرائيل.
انتفاضة السكاكين ليست نتاج تحريض هذه القوة السياسية او تلك. انها تطور يشير الى ضعف قدرة السلطة واسرائيل في الحفاظ على العلاقات التي سادت في السنوات الاخيرة على اساس التفاهمات الصامتة والتعاون بين الاعداء. موجة الارهاب الحالية هي رد فلسطيني متأخر للثورات في العالم العربي والتي قامت بالاساس ضد الطريقة الاقتصادية الاجتماعية والتي ابقت مجموعة اجتماعية كبيرة وبالذات شبان وطبقة وسطى خارج دائرة التأثير.
لا غرابة بان اسرائيل لا تعجل في الاعلان عن الوضع الحالي كانتفاضة. واضح ان الحكومة تفضل العودة لما كان بالسابق الامر الذي يسمح بوجود تعاون اقتصادي وهدوء أمني. ويبدو أيضا ان هذه مصلحة السلطة ايضا. من هذه الناحية فان اسرائيل والسلطة الفلسطينية كذلك تواجهان التوتر بين الرغبة في اعادة الوضع لسابق عهده وبين الضغوط الداخلية بالرد بقوة، على عكس منطقهما الاستراتيجي. السلطة الفلسطينية تقدم الغطاء ولو بالكلام، للارهاب الفلسطيني، اما اسرائيل فتجد صعوبة في حال لم تتهم السلطة بالتحريض رغم دور السلطة في الحفاظ على الامن والهدوء. تأثير السلطة واسرائيل على سير الاحداث محدود خاصة وان المنطقة كلها قد تشتعل.
ان التسليم والاعتراف بالتغيرات التي حدثت في الشرق الاوسط وتراجع مكانة القيادات السياسية وانتقال الثقل من السلطة المركزية الى تيارات ميدانية، دينية أو عرقية، هو شرط اساسي لاعادة تفعيل الاستراتيجية الاسرائيلية في المسألة الفلسطينية. والسعي للعودة الى نقطة التوازن السابق يعكس التغاضي عن الواقع المتغير، والذي قد يتدهور كليا وتغيب السيطرة، وفوضى لا رجعة عنها.
على الاغلب فان الضفة وغزة ستغليان لدرجة تدفع جهات اقليمية ودولية للتدخل وبالتالي تفقد اسرائيل امكانية تقرير مصيرها. والاملاءات الخارجية التي هي مرفوضة اليوم قد تتحول الى أمر لا مناص منه.