:مصدر المقال
https://ajalia.com/article/9543

من يحاسب «السيد الرئيس»؟- معتصم حمادة

2016-04-14

وصل التعاون الأمني بين السلطة والإحتلال مستوى مخيفاً، بتعليمات واضحة وتنفيذاً أميناً لسياسة الرئيس التي إنتهكت قرارات الهيئات. فمن يحاسب « السيد الرئيس»؟

■ والمقصود به الرئيس محمود عباس في مواقفه وليس في شخصه.

فهو رئيس دولة فلسطين، ورئيس م. ت . ف. ولجنتها التنفيذية، ورئيس السلطة الفلسطينية فضلاً عن مهام أخرى، تترتب على توليه المسؤوليات الثلاث المذكورة أعلاه، الأمر الذي يضع على عاتقه مسؤوليات كبيرة، وبالتالي ما يتطلب أن تكون هناك رقابة على أدائه، تمكن المواطن الفلسطيني من القول إن قضاياه موضوعة في أيد أمينة، وإن آليات عمل المؤسسات الرسمية تضمن له الإطمئنان. علماً أنه في الدول الديمقراطية ما يسمى بمحاكم الرؤساء، تتولى محاكمة رؤساء الجمهورية، والحكومة ومجلس النواب وكبار المسؤولين إن هم خالفوا الدستور والقانون، وتكتسي محاكمة المسؤولين على حسن إنضباطهم للقانون، أهمية إستثنائية، لأنهم هم، من موقع مسؤولياتهم، أسهموا في سن القوانين وبالتالي باتوا مطالبين أمام الرأي العام أن يكونوا قدوة في إحترام القانون والإلتزام به، بدءاً من قانون السير إلى أكثر القوانين خطورة في حياة الدولة والمواطنين.

في السلطة الفلسطينية فشلت العملية الديمقراطية فشلاً ذريعاً، بسبب تغول سياسة التفرد والإستفراد، وسياسة الهيمنة والإستئثار، على ما عداها من السياسات. فالمجلس التشريعي معطل، منذ أن تم إنتخابه في الدورة التشريعية الثانية، بفعل الإنقسام والإستقطاب الحاد بين فتح وحماس. عمق شلل المجلس، وأطلق عليه رصاصة الرحمة الإنقلاب الدموي لحركة حماس في 14/6/2007. ومازالت السلطة التنفيذية، ممثلة بالحكومات المتعاقبة، تمارس دورها، وتتخذ قرارات، وتصوغ موازنات (غير متوازنة) وتصدر مراسيم، وتصوغ قوانين، بلا رقيب أوحسيب، تستقيل الحكومة، وتتشكل بدلاً منها حكومة جديدة، لا تتقدم من المجلس التشريعي المغيب والمشلول بطلب الثقة. يكفي أنها تنال ثقة الرئيس. وهذا معناه أن الرئيس، بات هنا، هو أيضاً مسؤول عن أداء الحكومة، وليس رئيس وزرائها فحسب، أو الوزراء. وهذا ما يعطي سؤالنا عمن يحاسب الرئيس أبعاداً جديدة.

هذا في الإدارة اليومية للقضايا الحكومية، وهي قضايا شديدة الأهمية، تصل فيها حرارة التوتر، أحياناً، إلى مستويات تهدد بالإنفجار، على غرار التوتر الذي ساد مناطق السلطة إبان إضراب المعلمين، أو على غرار التوتر الذي يسود صفوف العمال والمستخدمين، في ضوء التعديلات الجائرة التي أدخلت على قانون الضمان الإجتماعي، وتطاولت على مكاسب العمال والمستخدمين والمستفيدين من هذا الضمان. لقد حاول رؤساء الكتل البرلمانية أن يوفروا صيغة «بديلة» للمجلس التشريعي، كأن يلتقوا «ليحاوروا» الحكومة عبر الوزراء المختصين. لكن هذه الصيغة لم تنجح في أن تشكل بديلاً للرقابة البرلمانية لأداء المؤسسات التنفيذية، وماتت هذه الصيغة، لكونها كانت صيغة غير فعالة.

* * *

في الجانب السياسي، لا تبدو لنا الأمور أقل خطورة. بل ربما هي أكثر خطورة مما عرضناه أعلاه. فإذا كانت ممارسات الحكومة وأداؤها يطال قسماً من الشعب الفلسطيني هو المقيم في الضفة و القدس والقطاع، فإن الجانب السياسي يطال القضية الوطنية الفلسطينية، وهي تهم كل فلسطيني، في مناطق الـ 48، أو الـ 67 أو في الشتات. وسؤالنا عمن يحاسب الرئيس على أدائه آخذاً بالإعتبار مجموعة المواقف والسياسات التي اتخذها الرئيس خارج إطار الإجماع الوطني، أو في إطار مخالفة قرارات الهيئات التشريعية، كالمجلس الوطني أو المجلس المركزي في م. ت . ف.

• حين أعلن تخليه عن حق العودة إلى صفد، مكتفياً بالتمسك بما أسماه «حق النظر أو التطلع إليها».

• حين دعا الدول العربية إلى تجنيس اللاجئين الفلسطينيين على أرضها، ليصبحوا مواطنين تابعين لها، بديلاً لفلسطينيتهم كحل لقضية اللاجئين، وبديلاً لحق العودة.

• حين وافق على مبدأ «العودة إلى الوطن بجناحيه الضفة والقطاع» بديلاً للعودة إلى «الديار والممتلكات التي هجر منها الفلسطينيون منذ العام 1948».

• حين يأمر الصندوق القومي بحجب مستحقات الفصائل التي يرى أن معارضتها له تجاوزت «الحدود». وحين يأمر الصندوق القومي بزيادة مستحقات الفصائل التي تتبع سياسته «بكل إخلاص وتفانٍ».

• حين تجاوز، عند الذهاب إلى المفاوضات، شرط وقف الإستيطان، ما وفر غطاءً فلسطينياً لجريمة الإستيطان الإسرائيلية.

• حين تجاوز وانتهك قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة، بشأن التعاون الأمني مع سلطات الإحتلال، لصالح صيغة تعاون أكثر وثوقاً، يتم تداول آلياتها بين وفد يترأسه حسين الشيخ، ووفد الإدارة المدنية الإسرائيلية.

• حين أمر الأجهزة الأمنية بمطاردة الناشطين الفلسطينيين وإعتقالهم، حتى لا ينخرطوا في فعاليات الإنتفاضة، بإعتراف رئيس الإستخبارات الفلسطينية.

• حين إعترف أنه وضع المدارس والمعاهد والجامعات تحت الرقابة الأمنية لتفتيش الطلبة بحثاً عن الأسلحة البيضاء، وتحدث عن هذا الأمر للقناة العبرية الثانية، فبدا طلابنا، مجموعات من «الزعران» وليسوا مناضلين أخذوا على عاتقهم الإنخراط في الإنتفاضة.

• حين عطل قرار «تطوير المقاومة الشعبية» فإشترط أن تكون «سلمية»، وزرع الحواجز الأمنية لمنع التظاهرات الشعبية من الوصول إلى حواجز الإحتلال ومواقعه.

• حين عطل قرار المجلس المركزي بمقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي، وأعاد تفسيره على قاعدة «المعاملة بالمثل» في علاقات إقتصادية مختلة بشكل فاقع لصالح الجانب الإسرائيلي، تعطل إمكانية قيام إقتصاد وطني فلسطيني.

• حين عطل قرار المجلس المركزي بطي صفحة المفاوضات، وهو يبحث عن مخرج للعودة إلى مائدة التفاوض مع نتنياهو شخصياً.

• حين عطل قرار وقف العمل بإتفاقات أوسلو، ومازالت السلطة تحت رئاسته تلتزم الإتفاقات و«تناشد» نتنياهو عدم إحراجها بإنتهاكه الدائم لها.

• حين عطل قرار رفع الدعاوي ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى محكمة الجنايات الدولية وإكتفى بحدود «البلاغ» الذي لم يتحول حتى الآن إلى شكوى سارية المفعول.

• وأخيراً، وليس آخراً، حين عطل متابعة قرار محكمة لاهاي الإستشاري بشأن جدار الفصل والضم العنصري، وعطل متابعة تقرير غولدستون أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان.

أي في الخلاصة ما معناه: من يحاسب الرئيس على تجاوزه لقرارات المؤسسة، وبرنامجها، وإصراره على فرض برنامجه الذي مازال يجسد بشكل فاقع برنامج أوسلو، ويخالف بشكل فاقع أيضاً، برنامج الإجماع الوطني، كما جرى تجسيده في وثيقة الوفاق الوطني (التي وقعها هو شخصياً)، وقرارات المجلس المركزي في أذار (مارس) 2015.

* * *

لقد وصلت الامور بالسلطة الفلسطينية إلى مستوى مخيف من التعاون الأمني مع سلطات الإحتلال، بهدف تطويق الإنتفاضة. الإسرائيليون يحتفلون، في صحفهم، يتراجع فعاليات الإنتفاضة دون أن يراودهم اي وهم بأنها وضعت أوزارها وألقت سلاحها. بل هم يتخوفون أن يكون هذا التراجع مقدمة لإنفجار قادم قد يكون أشد خطراً مما سبق.

الإسرائيليون يعترفون أيضاً أن جيشهم مارس البطش ضد شبان الإنتفاضة، لكنهم يقرون في الوقت نفسه أن أجهزتهم الأمنية والإستخباراتية كانت في أفضل حالات التعاون مع مثيلاتها التابعة للسلطة. إن في تبادل المعلومات حول الناشطين الفلسطينيين، أو في الدور الذي تقوم به الأجهزة الفلسطينية في إعتقال الناشطين من منازلهم ومراكز عملهم، أو في الدور التحريضي (أي الضغوط) التي تمارسها السلطة في الجامعات والمدارس والمعاهد. ومن يتابع تفاصيل هذا التحريض، يكتشف الدور الذي لعبته الأجهزة في الضغط، بالترهيب والترغيب، على الشباب الفلسطيني لردعه عن الإشتراك في فعاليات الإنتفاضة.

هذه السياسة، المناوئة للإنتفاضة، ولحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال، وهذه السياسة التي تقوم على مبدأ التعاون الأمني الوثيق مع الإحتلال، والتي حولت الأجهزة الأمنية إلى وكيل معلن للإحتلال في قمع الشباب الفلسطيني، تتحمل مسؤولياتها الرئاسة أولاً وأخيراً.

في كل الأحوال، نحن لم نكتشف جديداً، فالرئاسة لم تنكر، بل تتباهى بأنها هي المرجعية في رسم هذه السياسات.

وهذا ما يدعونا للسؤال مرة أخرى: «من يحاسب السيد الرئيس»؟■