لم تثر السيارة التي دخلت في الاسبوع الماضي بوابة مستوطنة "يتسهار" قرب نابلس في البداية اهتماما خاصا. جلست في المقعد الامامي لسيارة التويوتا البيضاء امرأة تضع على رأسها شالا، وشاب يعتمر القبعة الدينية، الذي نزلت من اطراف ملابسه اهداب طويلة. ألصقت على خلفية السيارة شعارات تتماثل مع اليمين المتطرف مثل "لا يوجد عرب، لا توجد عمليات". توقفت السيارة بعد حوالي مئة متر داخل المستوطنة وقفز من المقعد الخلفي شرطيان بملابس مدنية، وقاما باعتقال فتى صغير، ودفعاه الى داخل السيارة وغادروا المكان.
يبدو نشاط مستعربي الشرطة لشؤون المستوطنين في الضفة الغربية نادرا، وايضا القدامى في "يتسهار" لم يتذكروا اعتقالا كهذا. دلت صور السيارة على أنها كانت نظيفة تماما، ويبدو أن الملصقات التي وضعت عليها تم إلصاقها قبل وقت قصير فقط، رغم أن قدامى "يتسهار" قالوا إن جزءا منها لم يتم إلصاقه منذ سنين. تم توثيق الحادثة من قبل رجل موقع "الصوت اليهودي" المتماهي مع اليمين المتطرف، وقد حظي هذا الفيديو بتعاطف كبير وربما يكون هذا هو الهدف.
لقد نسب للشاب "أ" الذي اعتقل، ابن الـ 15 سنة، مهاجمة شرطي قبل بضعة اشهر من ذلك، وتم أخذه الى مركز الشرطة وحقق معه بسبب اعاقة شرطي عن أداء وظيفته، وتم اطلاق سراحه في نفس اليوم. في اليوم التالي اعتقل مرة اخرى، هذه المرة في بيت والديه في القدس، ومنذ ذلك الحين لم يطلق سراحه. محاميه الذي جاء من قبل منظمة "حونينو"، ناتي روم، قال للصحيفة إنه التقى معه، أمس، فقط بعد أن حظر عليه الالتقاء معه لبضعة ايام، وفي مساء أول من أمس، فقط تمكنا من التحدث بالهاتف. حسب اقواله، الشاب قال له إنه تم ادخاله الى غرفة اعتقال مع شخص عرف نفسه كمريض نفسي، وادعى بأنه متهم بمخالفات جنسية بهدف جعله يعترف بمشاركته في اعمال "تدفيع ثمن" اخرى. في منظمة "حونينو" التي تمثل ايضا شقيقه الاكبر منه، وهو من نشطاء اليمين المتطرف، اتهم في السابق بتنفيذ هجمات قومية، اشاروا الى أن الشقيق اعتقل، أمس، بسبب اعاقة شرطي وتم اطلاق سراحه عند انتهاء التحقيق.
جهات تعرف "أ" ادعت أنه لا يوجد للشاب أي علاقة بنشاطات غير قانونية، لكن الشرطة على قناعة بأنه مسؤول عن جريمة "تدفيع ثمن" واحدة نفذها بنفسه، وهم يحاولون ربطه باحداث اخرى. حقيقة أنه اثناء اعتقاله تم رش شعارات تحمل اسمه على سيارات فلسطينية تصعب عليه الادعاء في التحقيق معه بأنه غير مرتبط بأحداث اخرى.
حسب تسجيلات المحكمة، "أ" متهم بالمشاركة في جريمة كراهية نفذت في القدس في شهر شباط الماضي. ولكن في الملف قدمت مادة سرية، وفي الاسبوع الماضي مدد قاضي محكمة الصلح في القدس اعتقاله لستة ايام. وأمس، تم تمديد اعتقاله ليوم آخر، وحسب جهات مطلعة على التفاصيل، يتبين من مواد التحقيق أن هناك شكا كبيرا حول خطورته ازاء الدافع الأيديولوجي لاعماله.
اعتقال طويل جدا بتهمة المشاركة في تنفيذ عملية "تدفيع ثمن" واحدة هو أمر غريب. والشاذ اكثر من ذلك هو قرار الشرطة منع الشاب من الالتقاء مع محاميه على مدى فترة طويلة من اعتقاله. يجب أن تقلق هذه الحادثة كل مواطن اسرائيلي بدون تمييز سياسي، قال، أمس، المحامي روم. "فتى ابن 15 سنة ليس له ماض جنائي ومتهم بمخالفة رش الكتابات على الممتلكات وتخريب اطارات السيارات، يختفي في اقبية تحقيق الوحدة المركزية لشرطة لواء الضفة الغربية ويتم اخفاؤه عن والديه ومحاميه، وفقط بعد التوجه للمحكمة تتذكر الشرطة اصدار أمر غريب جدا، من المشكوك فيه أن يكون قانونيا، يمنع التقاءه مع محاميه. في اسرائيل 2018 الشرطة تخرق القانون".
موجة جرائم الكراهية
يوفر لنا اعتقال "أ" نظرة على الطريقة التي يحاول فيها "الشاباك" والشرطة التغلب على موجة جرائم الكراهية الاخيرة التي تغرق الضفة الغربية. اعتادت الاجهزة الامنية في السنوات الاخيرة، لا سيما منذ احراق عائلة دوابشة في دوما، على ابعاد نشطاء بارزين من اليمين لفترات طويلة بأوامر ادارية. في اليمين المتطرف عبروا عن الغضب الشديد على استخدام هذه الأوامر، التي هي ليست نتيجة اجراءات قانونية، لكن في الاجهزة الامنية تفاخروا بأنها ناجعة نسبيا. كان الادعاء المركزي أن ابعاد نشطاء متطرفين معينين يؤدي الى تهدئة النشطاء الذين بقوا في المنطقة.
لكن الوضع تغير مؤخرا. في الاسابيع الاخيرة منذ محاولة احراق المسجد في قرية عقربة بعد يوم الكارثة، يبلغ فلسطينيون في الضفة الغربية تقريبا كل يوم عن احداث من النوع المسمى "تدفيع الثمن". تم في عدد من العمليات التي نفذت بعد اعتقال "أ" رش اسمه على سيارات فلسطينية. "تحية لـ(أ)" كتب المنفذون الذين هم ايضا قاموا بتدمير ممتلكات، في الاساس سيارات واشجار زيتون.
تم في يوم الجمعة الاخير قطع حوالي 15 شجرة زيتون في احد الحقول القريبة من قرية عوريف قرب نابلس. وتم في اليوم التالي ثقب اطارات شاحنة وسيارة اخرى كانت متوقفة قرب القرية، الى جانب رش شعارات منها "حاربوا العدو" و"تدفيع الثمن". تم قبل ايام من ذلك احراق سيارتين وكتابة شعارات في قرية دير عمار وقرية جالوت في الضفة الغربية، وفي قرية اكسال في الجليل. في اكسال كتب شعار "أيها اليهود، هيا لننتصر". وفي دير عمار كتب على سيارة "لنأخذ مصيرنا بأيدينا" وتم ذكر اسم "أ"، وفي جالوت كتبت شعارات مشابهة. فتحت الشرطة تحقيقا حول ذلك، لكن لم يتم اعتقال متهمين بعد.
فقط صباح أمس، حدثت حادثة مشابهة، حيث تم ثقب اطارات بضع سيارات في قرية ترمسعيا التي تقع بين نابلس ورام الله. وفي المنطقة تم رش شعارات مثل "دعونا نتولّ امرهم". فتحت الشرطة تحقيقا، لكن لم يتم اعتقال متهمين. تم تنفيذ 14 عملية كهذه منذ بداية شهر نيسان، تقريبا ضعف العمليات التي نفذت في 2017 – في تلك الفترة حدثت 8 عمليات "تدفيع ثمن" وأعمال إرهاب يهودية. هذا على الرغم من استمرار اصدار الاوامر الادارية.
يجدون صعوبة في قوات الامن في الاجابة عن سؤال ما الذي أدى الى موجة هذه الاحداث، التي يبدو أن هناك خيطا يربط بينها. في كل الحوادث يتم ثقب اطارات سيارات لفلسطينيين، ومنذ اعتقال "أ" فإن الشعارات العدائية التي يتم رشها على الممتلكات متشابهة. في عدد من الحالات تم توثيق المنفذين بالكاميرات، لكن لأنهم كانوا ملثمين فلا يمكن تشخيصهم ولم يعتقل أحد. يعتقدون في قوات الامن أن احد الامور التي حركت موجة العنف هو وصول نشطاء جدد، صغار جدا، الى معاقل اليمين المتطرف في الضفة الغربية. وفي "الشاباك" يقولون إنه في السابق كان معظم النشطاء أبناء 17 – 20 سنة، لكنهم يشيرون الى أن "سلسلة الاحداث العنيفة الاخيرة تميزت بمشاركة نشطاء لم يكونوا مشاركين في السابق في احداث عنيفة، عدد منهم صغار جدا، ابناء 14 – 15 سنة". وحسب اقوالهم، "القاسم المشترك للنشطاء الجدد هو غياب اطار تعليمي، الشعور باحتقار السلطات وتنفيذ اعمال عنيفة تعرض للخطر سكان المنطقة وأمنهم". وهم يشيرون الى أن بعض هؤلاء النشطاء هم من مواليد المستوطنات، لكن معظمهم ترعرعوا داخل الخط الاخضر. ومعظمهم ايضا لا يوجد لهم ماض جنائي. هم يأتون من بيوت متدينة، لكنْ فقط القليلون منهم يأتون من عائلات لديها وجهة نظر يمينية متطرفة، مناهضة للصهيونية، التي يعبر عنها هؤلاء الشباب.
يشخصون في الاجهزة الامنية مستوطنة "يتسهار" كبؤرة للنشاطات الجنائية الاخيرة. في المستوطنة لا يرضون عن هذا التشخيص، وعدد من السكان ينفون أن هناك مجموعة جديدة في المكان. لقد شرحوا أن المستوطنة كانت طوال الوقت بؤرة جذب للشباب، عدد منهم فتيان هامشيون، واشاروا الى أنه لم يحدث أي تغيير في هذا الامر في الفترة الاخيرة. "واقعيا، الكتلة الحاسمة للاحداث الاخيرة لم تحدث في محيط (يتسهار)، هذا معطى يتحدث عن نفسه"، قال احد سكان المستوطنة.
حسب السكان، حدث التغيير الاخير في النسيج الاجتماعي قبل اكثر من سنة، في حينه قامت قوات الامن باخلاء البؤرة الاستيطانية "بلاديم" التي كانت قريبة من "كوخاف هشاحر"، واعتبرت بؤرة لليمين المتطرف العنيف في الضفة. إن من عاشوا في هذا الموقع – شباب هامشيون في المجتمع الذي تربوا فيه، جميعهم تسربوا من اطر تعليمية – وطنية ويحتاجون الى مرافقة من سلطات المجتمع – تم توجيههم من هناك الى "يتسهار". "في اللحظة التي قرر فيها "الشاباك" مهاجمة "بلاديم"، واخلاء الموقع واخراج السكان من هناك، جلس معنا شخص من الجهات الامنية وقال لنا إن هؤلاء الشباب سيأتون الينا"، قال احد السكان، "كان ذلك قبل سنة ونصف السنة. سألنا ماذا نعمل مع ذلك. قال لنا: تولوا امرهم بوسائل تعليمية".
يشتكون في "يتسهار" من أنهم فعليا لا يعرفون كيفية التعامل مع هؤلاء الشباب، ويغيرون طريقهم. حسب اقوال احد سكان المستوطنة، فان سلطات الشؤون الاجتماعية في المكان يتعاملون مع حوالي 5 – 20 من هؤلاء الشباب. وقد نفى أنه جاء الى "يتسهار" مؤخرا شباب جدد، وأكد أن الكثير من العمليات العنيفة الاخيرة لم تحدث أبدا في محيط المستوطنة. قال عدد من الاشخاص في "يتسهار"، إن "الشاباك" يستخدمهم مثل كبش فداء. "هناك عائلات تقوم باستضافتهم (الشباب الذي طردوا من "بلاديم")، وهناك مرافقة خاصة وجزئية من وزارة الشؤون الاجتماعية تمكن من توظيف مركز شباب خارجي بوظيفة جزئية" قال أحدهم، "بالذات في 2017 حيث تركز عدد كبير منهم في (يتسهار)، كان هناك انخفاض دراماتيكي في الاحداث. يتواجد هؤلاء الشباب الآن هنا وغدا هناك، ليس هناك تغيير نوعي في عدد الاشخاص".
نظرية المؤامرة
يعرض المستوطنون تفسيرات بديلة لارتفاع نسبة العنف. قال البعض إن الجهات الامنية وزعت مؤخرا اوامر ابعاد ادارية كثيرة، الامر الذي اثار نشطاء اليمين المتطرف الذين لم يتم ابعادهم. تدحض بيانات قوات الامن هذا الادعاء – منذ بداية 2018 تم توزيع 16 أمر تقييد اداري على نشطاء "شبيبة التلال"، وعدد مشابه وزع في الفترة الموازية من السنة الماضية التي اعتبرت هادئة نسبيا.
عدد من المستوطنين لديهم مواقف تآمرية اكثر. في شهر حزيران من المتوقع أن تحسم المحكمة في الاجراء القضائي في قضية الاحراق في قرية دوما في 2015، بما في ذلك اتخاذ قرار اذا ما كانت ستقبل اعتراف المتهمين بالقتل، الذي حسب ادعاء محاميهم تم أخذه بالتعذيب. كل الاجراء يجري في غرف مغلقة بحيث أن وسائل الاعلام ممنوعة من اصدار تقارير عما يحدث فيها، لكن حسب ادعاء عدد من نشطاء اليمين "محاكمة دوما ستكون شديدة جدا (على الشاباك). من اجل استخدام ضغط لعدم رفض الشهادات، فان (الشاباك) يحاول تسخين المنطقة".
"هناك احتمالان"، قال للصحيفة مصدر من اليمين المتطرف يعرف جيدا "شبيبة التلال"، "إما أن (الشاباك) لا يريد القاء القبض عليهم وإما أن هناك شخصا يعرف ما الذي يفعله. فتيان أبناء 15 لا يستطيعون القيام بعدة احداث في كل ارجاء الضفة في كل ليلة دون القاء القبض عليهم. نظرية المؤامرة هذه التي تقول إن "الشاباك" يحاول اشعال الارض من اجل عدم رفض المحكمة لشهادات المتهمين بالقتل في دوما، لا تنتشر فقط في القطاعات الهامشية لليمين المتطرف. وحتى عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش (البيت اليهودي) عبر عن موافقته على النظرية بتغريدة في تويتر. "يوجد لدي أكثر من شعور بأن احداث تدفيع الثمن العديدة في الايام الاخيرة هدفت الى اساءة سمعة "شبيبة التلال" كجزء من جهود "الشاباك" لتحليل التعذيب الذي مر به المتهمون بالقتل في دوما"، كتب.
يوتم بيرغر

عن "هآرتس"

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف