كانت أمي رحمها الله تقول عن الذي يُكثر من المغامرات والمخاطر إنه "ليس من الأحياء"، أي أن أفعاله قد تُسقطه. الفلسطينيون الذين عاشوا النكبة استخدموا هذا القول لوصف اعمال الدولة الجديدة، وأضافوا أنه بعد الهزيمة المؤلمة في 1967، فان اسرائيل مثل اليقطين الذي ينمو ويتسلق بسرعة حتى يصل الى السقف، وبنفس السرعة يسقط.
بصفتي شخص عقلاني فقد قمت بالغاء هذه التشخيصات التي ظهرت كردود افعال من البطن، بسبب الوضع الصعب الذي وجد العرب أنفسهم فيه. لكن في الاسبوع الماضي أصابتني ضربتي برق الى أن توصلت الى استنتاج أن هناك أساس من الصحة في الاقوال الواردة أعلاه.
لا أقول ذلك انطلاقا من التحريض، بل انطلاقا من القلق العميق. لأنه اذا سقط البيت، ورغم الكوارت التي مرت، فسوف يسقط علينا جميعا، عربا ويهودا. المثل العربي يقول "من عاشر القوم 40 يوم صار منهم"، ونحن نعيش معا منذ 68 سنة.
اليكم تشخيصاتي. في العالم الطبيعي، التقسيم واضح: الجنرالات يطلبون وجبة اخرى من القمع والتشدد. أما القيادة المدنية فتقوم بوقفهم. لكن هنا تشوشت الامور، رؤساء الاجهزة الامنية يطلبون التخفيف على الفلسطينيين، والقيادة المدنية بدل التقاط الامر، ترفض، وتجري نقاشا خائفا حول اليوم التالي لسقوط السلطة الفلسطينية.
لذلك مطلوب من الجنرالات الاستمرار في الانتصار، وفي السياق الانتصار على طالبة مدرسة مصابة وملقاة على الرصيف. رصاصة اخرى للتأكد من القتل لا تضر. لقد قال محمود درويش عن ذلك "الدكتاتور الذي ينتصر على الطفلة ذات العينين الزرقاوين". أما الشاعر توفيق زياد فقد تحدث عن انتصار آخر، أوجد انتصارا مخزيا وهو "انتصار اسوأ من الهزيمة".
ضربة البرق الثانية حدثت قبل الضربة الاولى بيوم حين رفضت الكنيست اقتراح قانون قدمته عضوتا الكنيست تمار زندبرغ وزهافا غلئون، يمنع تصدير السلاح للدول التي لا تحترم حقوق الانسان. الاقتراح فشل بأغلبية ساحقة: 45 مقابل 29. وقبل ذلك جاءتنا بشرى أن اسرائيل تحتل المرتبة السادسة في العالم في مجال تصدير السلاح.
في الوقت الحالي أصبح هذا رسميا. ها هي سبارطة الاسرائيلية: العودة الى الاحتلال الكلاسيكي القبيح، وبدل معارض العلم والهندسة والاقتصاد ستكون معارض لتجنيد حكام عسكريين ومحققين للشباك وسجانين. وبدل عرض أدوات الري أمام المشاهدين سيتم عرض آلات القتل والاسلحة المتنوعة.
الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب قال: "لا تُصاحب من شبع بعد جوع". إذا هكذا حقا. الجوع هنا يتجاوز كل الحدود. وما مُنع الشعب اليهودي من فعله خلال ألفي سنة بدون دولة، قرر القادة هنا تنفيذه بسرعة الضوء: أن يكونوا قوة عظمى، أن يحتلوا ويتحرشوا بالمجتمعات الكبيرة. لكن مع الاحترام للرأس اليهودي ومع كل الاحترام للوقاحة الاسرائيلية، اذا أردتم أن تكونوا شجرة زيتون فلا تتصرفوا مثل اليقطين.
نحن العرب مواطنو الدولة. طارق بن زياد قال لجنوده عشية احتلال الاندلس في القرن الثامن: "البحر من ورائكم والعدو من أمامكم". هذه هي حالنا. لا يوجد مكان نهرب اليه: هنا عسكرة اسرائيلية حيث أن كل شيء لا تكون رائحته الجيش، هو خيانة. وفي المقابل داعش وأمثاله الذين ينتظرون وراء الحدود ومواقفهم بدأت تتسرب الى الداخل.
بالمناسبة، الاحداث الدراماتيكية التي غيرت التاريخ، تعامل معها الناس باستخفاف وأدركوا ذلك في وقت متأخر. الآن هو زمن الجيدين من الشعبين لأن يستيقظوا.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف