قال رامي لفني، في مؤتمر في بيت بيرل حول علاقة اليسار الصهيوني بالمحيط، إن حزب العمل يرفض فكرة «فرن الصهر» ويتملص من صورته الرسمية، «يُقبل المازوزة ويتعلم التوراة» («هآرتس»، 10/7). وحسب اقواله فان حزب العمل يستهزئ بفكرة المواطنة الاسرائيلية، ويقف من وراء حلم المجتمع ما بعد العلماني وما بعد الليبرالي، المملوء بالجاليات العرقية والدينية، حيث القاسم المشترك بينها هو الايمان بقدسية الهوية القبلية. الحقيقة هي أن السياسة الفعلية لحزب العمل على مدى سيطرته العليا، لم تسع الى دعم وتعزيز «فرن الصهر» أو تعزيز الوعي الرسمي أو المبدأ المدني الليبرالي في اسرائيل. عندما تحدث بن غوريون في الخمسينيات في صالح اليهود من شرق اوروبا وضد الطوائف الشرقية، أكد بذلك حقيقة متملصة وهي أن «مباي» التاريخية كانت حركة الهوية الاولى في اسرائيل. السياق السببي الفوري لهذه الظاهرة يوجد في الكارثة. واقامة الدولة والهجرة الكبيرة اليها بعد ذلك. بدلا من ملايين من أبناء القبيلة اليهود الاوروبيين الذين تمت ابادتهم على أيدي النازيين أو بقوا أسرى في أيدي السوفييت، امتلأت اسرائيل بالمزيد والمزيد من اليهود أبناء القبيلة الشرقية الاجنبية، التي لم يسبق وأن أخذتها الصهيونية الاوروبية في حسابها كعنصر مهم في تحقيق المشروع القومي. ليس غريبا أن زعماء الدولة وحزبها المسيطر – معظمهم من شرق اوروبا ووسطها – شعروا بأنهم مهددون ثقافيا على ضوء ما اعتبروه خطر «التحول الشرقي» لإسرائيل. الويل للمجتمع الذي تقرر فيه المجموعة القوية والمسيطرة بأنها تتعرض لتهديد الهوية، حيث تسعى هذه المجموعة الى استغلال كل الوسائل المتاحة لها من اجل الدفاع عن سيطرتها العليا، حتى لو كان الثمن الحاق الضرر بالتضامن الاجتماعي. هذا بالضبط ما حدث في اسرائيل في عقودها الاولى: في الوقت الذي كانت في حلوقهم رفعة «فرن الصهر» و»دمج الشتات»، فعل قادة الدولة الاشكناز من حزب العمل كل ما في استطاعتهم من اجل الحفاظ على تفوق الوسط الاوروبي مع الاستبعاد المنهجي للجمهور الشرقي عن سياقات الحراك الاجتماعي التي كان يمكنها أن تقربهم من مراكز القوة في الدولة. في سياسة الاسكان، كما تبين لنا الارشيفات، تم بذل جهود كبيرة لتوجيه السكان الشرقيين الى مناطق التطوير. وفي مجال التعليم تم الفصل بين المساق النظري والمساق المهني الذي كان مخصصا لأبناء الطوائف الشرقية. والصحف الرسمية كانت مملوءة بالصور القطبية. فمن جهة اسرائيل الاوروبية المتنورة والثقافية. ومن جهة اخرى اسرائيل الشرقية والبربرية والبدائية. المجتمع الاسرائيلي الشاب أخذ بالتفكك الى شظايا قبل تشكله، والخطر الخارجي المتواصل من الدول العربية منع تفككه الكامل. وهنا يطرح سؤال لماذا كان الدور الاساسي والمركزي لحزب العمل هو اعداد الاجواء لتفكك الاسرائيلية، كما نلاحظ ذلك الآن في الايام السوداء لمملكة نتنياهو، الذي يتملص مرة تلو الاخرى من عيون رامي لفني، وغيره يخشون على مستقبل المجتمع وعلى دولة اسرائيل. الاجابة على ذلك بسيطة: «في الوقت الذي ساهم بمساهمته المشكوك فيها في انشاء المعايير المدمرة والقطبية لـ»الاوروبية» مقابل «الشرقية» في الدولة الجديدة، قام حزب العمل بالتلويح براية الرسمية الاسرائيلية التي تستوعب الجميع. في الوقت الذي خشي فيه من الفكرة الطبيعية والصحيحة للفصل بين الدين والدولة السيادية ومنح غطاءً لمشروع الاستيطان المسيحاني، باع حزب العمل بنجاح لمؤيديه الليبراليين صورة المتنور والعلماني، الامر الذي كان بعيدا كل البعد عن سياسته الحقيقية. بعد مرور سنوات على الاستخدام السيئ للمفاهيم الليبرالية والعلمانية والاسرائيلية من قبل الذين يعتبرون أنفسهم اشتراكيين، يقولون لنا إن حزب العمل اختار الابتعاد عن تلك المفاهيم. لفني وكثير من اولئك الذين ما زالوا يتمسكون بهذه القيم، يعيشون حالة حداد مؤلمة. ولكن يجب عليهم مباركة تحرر تلك القيم من عناق الدب للحزب الذي حطمهم مرة تلو الاخرى. السطر الاخير في مقال لفني، محق: رفض الإسرائيلية لصالح اليهودية لن يفيد حزب العمل. الاشكناز والشرقيون والروس سيستمرون في التصويت لـ»الليكود» ولـ»اسرائيل بيتنا» و»شاس» و»يوجد مستقبل» و»يهدوت هتوراة» – الاحزاب التي تؤيد الاسرائيلية المدنية، العلمانية والليبرالية، سيهربون منها كهربهم من النار. وفي هذا الهرب بالتحديد تكمن الفرصة الكبيرة لنهوض اليسار الاسرائيلي: المصوتون القدامى لحزب العمل الذين يعتبرون التنور والليبرالية والعلمانية كلمات ليست فارغة، يمكنهم الآن تأييد الحزب الذي يقف من وراء كل ذلك، حزب ميرتس. من بين جميع الاحزاب في اسرائيل، «ميرتس» هو الحزب المحافظ الوحيد والاخير على الرسمية المدنية في وجه القبلية الاستيطانية. وهو الذي يقف بشجاعة أمام مظاهر الفاشية. في الايام التي تعتبر فيها انتقادات الكولونيالية والقومية المتطرفة خيانة، تقوم قيادة «ميرتس» بحكمة واستقامة ومسؤولية بالدمج بين الوطنية الاسرائيلية والانتقادات الداخلية القومية. هذا حزب اسرائيلي شاب ومتجذر، بدون ماض في الشتات وبدون انفصالية، مع نظرة مستقبلية لمساواة أكثر لجميع الاسرائيليين، أبناء جميع الديانات والجماعات العرقية. نأمل أن ينضم خائبو الأمل من حزب العمل المنهار الى «ميرتس»، الامر الذي سيزيد من قوته وبهذا ستنبعث الليبرالية الاسرائيلية.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف