للجدال الذي ثار في الايام الاخيرة حول الشكل الذي تصرفت فيه الحكومة والجيش في "الجرف الصامد"، الى جانب احتجاج العائلات الثكلى والدعوة الى تشكيل لجنة تحقيق رسمية، ثمة كالمعتاد جانب سياسي حزبي. غير أن محاولة الفحص الموضوعي لما هو جيد لاسرائيل تستدعي النظر بشكل مختلف تماما، وأساس ذلك هو أن نتعلم مما حصل أمس كي نعمل على نحو افضل غدا. هل من اجل تحقيق الهدف من السليم بالضرورة تشكيل لجنة تحقيق رسمية؟ معظم هذه اللجان التي أقيمت في اسرائيل، وعلى الاقل بالنسبة لمواضيع الامن، هي تفويت كبير للفرص. فقد لبّت المطلب العام "بقطع الرؤوس"، ولكن في الجانب الموضوعي – في كل ما يتعلق بتعلم الدروس الحقيقية – فوتت الفرصة بشكل عام. فضلا عن ذلك، ألحقت احيانا اضرارا أكثر مما جلبت منافع. هكذا مثلا لجنة اغرانات التي تشكلت بعد حرب "يوم الغفران"، رغم أنها تمتعت مثل كل لجنة تحقيق بميزة "الحكمة التي في النظرة الى الوراء"، أكثرت من الخطأ. ففي بعض من المواضيع الحرجة، مثل استخدام سلاح الجو، كادت لا تتناولولها. ورسالتها الاساس (فضلا عن حقيقة أنها نظفت القيادة السياسية من المسؤولية) كانت: قدرات العدو نحن قادرون على معرفتها، ولكننا لسنا قادرين على أن نعرف نواياه (اذا كان سيشن الحرب ضدنا). وبالتالي فان علينا أن نكون جاهزين لكل سيناريو في كل وقت. هذا قول بائس. فلا يمكن اجراء تقويم وطني للوضع دون تناول مسألة الاحتمالات وأخذ المخاطر بما يتناسب مع ذلك. وبالفعل، كانت نتيجة رسالة اللجنة هدامة: فقد اتسع الجيش الاسرائيلي مع ميزانية الدفاع ليتجاوزا قدرة الدولة على الاحتمال. وأدى الامر الى عقد من التضخم المالي الهائل، وكادت الساحة الاقتصادية تنهار. لجنة فينوغراد التي حققت في حرب لبنان الثانية نزلت الى تفاصيل تكتيكية أساسية، ولكنها لم تعن أبدا بالمسألة الاستراتيجية الوحيدة التي كانت في حينه: ضد من كان من الصحيح القتال – فقط ضد "حزب الله" أم ضد دولة لبنان. اذا حاولنا في حرب لبنان التالية أن نقاتل فقط مرة اخرى ضد "حزب الله" فان نتائج الحرب ستكون اسوأ من نتائج حرب لبنان الثانية، دون صلة بالتحسينات التكتيكية التي تحققت منذئذ. واضافة الى ذلك، فان لمجرد تشكيل لجنة تحقيق رسمية تأثيرا شاملا. فالجيش الاسرائيلي لم يحقق على الاطلاق في حرب "يوم الغفران" ولا في حرب لبنان الاولى، وذلك لأن لجنتي التحقيق الرسميتين اللتين تشكلتا في أعقابهما شكلتا ظاهرا بديلا عن الاجراء المهني اللازم. وإذا لم يكن هناك لجنة تحقيق رسمية، فماذا إذاً؟ ما هو مطلوب بعد كل حدث استثنائي على المستوى الوطني (بما في ذلك الحدث الناجح) هو التحقيق فيه. وعلى التحقيق أن يُجرى من قبل لجنة ضيقة من الاشخاص ممن لم يكونوا مشاركين في الحدث، مهنيين في مجالهم، والأهم أنهم كانوا في الماضي في مناصب على المستوى الذي يحققون به. مع كل الاحترام لمكتب مراقب الدولة، فانه ليس مبنيا للتحقيق في "الجرف الصامد". فليس في هذه الهيئة أناس يعرفون حقا كيف يستجلبون جنرالات في هيئة الاركان أو اعضاء كابنت من وضعية من "كانوا هناك من قبل". كان من الافضل لو أن الحكومة عينت لجنة مهنية قبل سنتين. ومن المشكوك فيه أن يكون هذا ممكنا اليوم سياسيا، وبالتالي فما يتبقى لنا هو إما تقرير المراقب أو تشكيل لجنة تحقيق رسمية – وكلاهما، كما أسلفنا، أمران غير ناجحين. نأمل أن تُتخذ القرارات السليمة في المرة القادمة التي يكون مطلوبا فيها التحقيق في حدث ما.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف