تحدث جون كيري، أول من أمس، إلى رجل واحد، إلى نفسه، إلى قناة إرثه، أما بنيامين نتنياهو الذي سارع إلى الرد فتحدث هو ايضا الى رجل واحد، الى دونالد ترامب. في تاريخ النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني لم يكن الحوار بينهما إلا ملاحظة هامشية. قال كيري ما لديه وذهب ليحزم أمتعته؛ وفي البيت الابيض يقولون إنه لا نية لأية خطوة اخرى. إذا حصل شيء ما في أعقاب الخطابين فهو سيحصل في احدى الهيئات الدولية بمبادرة حكومة أخرى. فنتنياهو كاد يستدعي مبادرة كهذه، بالاقوال الفظة، الاستفزازية التي قالها، أول من أمس، بالإنجليزية (صيغته العبرية كانت مختلفة جوهرياً) ورفع إمكانية أن تقوم دولة مثل السويد فتطرح صيغة كيري للتصويت في مجلس الأمن. لا يبقى للاسرائيليين إلا التساؤل: لماذا يكابد كيري هذا العناء في قضيتنا، أفليس له مواضيع مفرحة أكثر ينشغل بها عشية السنة الجديدة؟ لماذا من المهم بهذا القدر لنتنياهو أن يعض اليد التي أطعمته بإخلاص في السنوات الثماني الاخيرة. ماذا يعطيه هذا، ماذا يعطي هذا الدولة التي يقف على رأسها؟ معظم الاسرائيليين والفلسطينيين كفوا عن الايمان بأن "حل الدولتين" سيتجسد في أي وقت من الاوقات. كيري لا يزال يؤمن. السلام هنا كان يفترض أن يكون الجوهرة في تاج ولايته، جائزة نوبل خاصته. فالجهد الذي بذله في المفاوضات كان هائلا، والفشل كان ذريعا. ومثل كثيرين قبله يعيش باحساس بأن الاتفاق على مسافة لمسة، وكل ما يحتاجه الطرفان هو صيغة مناسبة، مبادئ، مقاييس، واذا بالسلام يأتي. أوضح رد نتنياهو بأن لا مبادئ، لا مقاييس، لا اتفاق. قتلنا خطاب بار ايلان؛ وسنقتل ايضا خطاب كيري. صيغته ما كانت جديرة حتى بالذكر في أقوال نتنياهو، لهذه الدرجة. وبالفعل، "حل الدولتين" مات، أو على الاقل دخل في جمود عميق، وحدها ظروف استثنائية، ترامبية أو مصيبة فظيعة قد تعيده الى الحياة. لقد أقام كيري، أول من أمس، نصبا تذكارياً للحل، وليس وصفة للحل. خطاب تأبين لحل الدولتين ألقاه كيري في منتدى سبان في واشنطن، في السنة الماضية، وهذه السنة وفي مناسبات أخرى. الوصف البشع للحقائق ذاته، جروح الحبيب ذاتها، التحذيرات ذاتها. هذا لا يعني أنه لم يكن دقيقا، فما يراه هو يراه إسرائيليون كثيرون بقلق واحباط متفاقمين. "كيري"، قال لي ذات مرة أحد مساعديه، "يميل ليرى المشاكل من زاوية نظر الطرف الآخر. وهو يحاول أن يدخل في حذاء الغير". عندنا في الشرق الأوسط، قلت له، الناس لا يقدرون مثل هذه المراعاة، فهم يتوقعون أن يعرض وزير الخارجية الأميركي قبل كل شيء مصالح أميركا. فقال الرجل: "يحتمل، ولكن لا يمكن عمل أي شيء، فهكذا هو كيري". في خطابه، أول من أمس، خصص كيري حديثاً أيضاً عن المصالح والقيم الأميركية، غير أن صورة المصالح وفي واقع الأمر أيضا صورة القيم، في هذه الأثناء تغيرت تماما مع صعود ترامب وصعود الترامبية. لا أحد يعرف ماذا ستكون عليه سياسة ترامب في الشرق الاوسط، وكيف سيعرف مصالح أميركا، وعلى أي قيم سيكافح. نتنياهو أيضا لا يعرف. خطابه، أول من أمس، بالصيغة الانجليزية جاء ليري ترامب بأنه هو ايضا يعرف كيف يحتقر السلامة السياسية. يعرف كيف يدخل في مشادة، يلصق الاتهامات، يهين شخصيا من يتجرأ على الاختلاف معه، تماما مثل ترامب. لم تكن أية نقطة لقاء بين الرجلين: كيري تحدث عن الاستيطان في قلب السكان الفلسطينيين، نتنياهو تحدث عن الحائط الغربي. كيري تحدث عن التدهور إلى دولة ثنائية القومية (دون أن يذكر الكلمة) عن نظام أبرتهايد ("ننفصل ولكن لا مساواة"، مثلما في جنوب إفريقيا القديمة)؛ نتنياهو تحدث عن حمام الدماء في سورية. اليوم، في عصر ترامب، السياسيون لا يردون على الادعاءات: فهم يهاجمون (نتنياهو لم ينسَ، بالطبع، ان يذكر كونه ضحية شخصية لـ "الارهاب" أكثر من مرة). استمر خطاب كيري 70 دقيقة، 70 دقيقة من الحديث في عالم التغريد من 140 حرفا. الوزير يريف لفين، الذي سبق نتنياهو في الرد على الخطاب، كتب ان كيري منقطع عن الواقع، وكان محقا في كل ما يتعلق بطول انصات مشاهدي التلفاز. ولم يكن محقا بالنسبة للحياة الحقيقية، تلك التي توجد بين النهر والبحر. إذ يمكن الهزء بكيري، بإلحاحه، بمزايداته، بمديحه لذاته. ولكنّ زحفنا نحو واقع الدولة الواحدة لا يمكن نفيه.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف