كنت ولازلت أرى نفسي كمواطن عربي، وكمتابع مهني مهتم لمجريات الأحداث وتطورها لدى البلدان العربية، أنني في الخندق الداعم لثورة الربيع العربي، حتى بعد أن خطفها أو أحبط بعضها أحزاب وتنظيمات تيار الإسلام السياسي، الأكثر ديكتاتورية وأحادية وتسلطاً وتفرداً من أنظمة الفرد والعائلة والقومية والحزب واللون الواحد الشمولية، والأكثر عداء للآخر وضد التعددية والمساواة وللديمقراطية، فالذين ورثوا احتجاجات الناس في الشوارع، وانقضوا على إدارتها وخطفوا نتائجها، هم الذين كانوا حلفاء الدكتاتوريات العربية، وهم وحدهم الذين كانوا مسموحا لهم العمل والتنظيم تحت غطاءات دينية مختلفة، طوال مرحلة الحرب الباردة، وتم توظيفهم لمحاربة الاتجاهات الوطنية والقومية واليسارية والليبرالية، فراكموا الخبرة على أنقاض الاتجاهات السياسية المعارضة من الذين عاشوا الحرمان والاعتقال ومنع العمل والدراسة والسفر، فاستفرد تيار الإسلام السياسي وحده بحرية العمل، وزادهم فرحاً وقوة وتفرداً انعكاس هزيمة الشيوعية والاشتراكية في الحرب الباردة على الأحزاب اليسارية، وهزيمة التيار القومي باحتلال العراق ودماره وإعدام رئيسه الراحل صدام حسين، مما وفر ظرفاً سانحاً لأحزاب تيار الإسلام السياسي كي تستفرد بالمشهد السياسي .
ثورات الربيع العربي السلمية المدنية الديمقراطية، حركها حاجات الناس لعناوين النضال التي أخفقت حركة التحرر العربية في إنجازها طوال نصف قرن من بعد الحرب العالمية الثانية وهي :
1 - استكمال خطوات الاستقلال السياسي والاقتصادي، 2 – توفير العدالة الاجتماعية، 3 – إشاعة الديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وتداول السلطة، 4 – تحرير فلسطين وصولاً إلى الوحدة العربية .
ولهذا كله انفجرت ثورة الربيع العربي، بدون قيادات حزبية يسارية أو قومية أو ليبرالية منظمة، بل قادتها مؤسسات المجتمع المدني وقياداتها الشابة المدعومة من الغرب الرأسمالي الديمقراطي، على خلفية نظرية كونداليزا رايس « الفوضى الخلاقة «، ولكنها بعد أن نجحت في الإطاحة بالرؤساء زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، وعلي عبد الله صالح، وبتدخل عسكري مباشر بكل من صدام حسين ومعمر القذافي، ورث التيار الإسلامي بأحزابه وتنظيماته: سواء داعش أو القاعدة أو الإخوان المسلمين أو أحزاب ولاية الفقيه أنظمة الحكم لدى تونس ومصر واليمن والعراق وليبيا، ولم تهدأ حتى يومنا ولن تهدأ إذا لم تتوفر عوامل النهوض السياسي الحزبي المنظم للتيارات الوطنية والقومية واليسارية والليبرالية بشكل متوازن، وتؤدي إلى :
أولاً : تحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام التعددية الفكرية والقومية والدينية على أساس المواطنة، وإرساء قيم الديمقراطية الدستورية وتداول السلطة عبر الاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع .
ثانياً : دعم نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه ضد العدو الوطني والقومي المشترك : المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي الذي يحتل أراضي ثلاثة بلدان عربية، والعمل على تطويقه وعزله كأبرز مظاهر مرحلة الاستعمار على بلادنا العربية .
ثالثاً : التصدي للتدخلات الإقليمية من قبل تركيا وأثيوبيا وغيرهم، والعمل على نسج علاقات الشراكة والندية وحُسن الجوار معها، بدلاً من التبعية والتمزيق والتدخلات التسللية من جانبهم ضد الأمن والاستقرار الإقليمي .
نموذج الجزائر والسودان، استكمال لخطوات ما تم إنجازه من قبل تونس ومصر وليبيا واليمن، ولا شك أن تجربتي الجزائر والسودان أكثر نضجاً وأفضل خبرة واستفادة من التجارب السابقة، خاصة وأن نضج التجربة الحزبية في كل من الجزائر والسودان أكثر وضوحاً وترسخاً من البلدان التي سبقتهم في الانفجار .
محاولات الانحناءة من قبل المؤسسة العسكرية وإجراء التبدلات القيادية استجابة لوعي القوى المحركة، تتبدد وتفشل، ذلك لأن القوى المحركة للانتفاضة الشعبية لدى البلدين أكثر حضوراً وتماسكاً وخبرة وتنظيماً، ولهذا ستضع مقدمات جدية وخطوات مدنية ذات طابع ديمقراطي، أكثر تقدماً مما سبقتها من تجارب تم سرقة إنجازاتها سواء بعودة العسكر إلى سلطة اتخاذ القرار أو بهيمنة أحزاب التيار الإسلامي، وهذا لن يحصل لا في الجزائر ولا في السودان وهذا ما نتطلع إليه مع شعوب بلداننا العربية .

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف