قالت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إن الرئيس جو بايدن، عازم على استعادة الاتفاق النووي الموقع مع إيران عام 2015، وإن كبير مفاوضيه، روبرت مالي، بدأ في وضع خارطة طريق لتحقيق الأمر، مع استئناف المحادثات في فيينا، الخميس، بعد انقطاع دام أسبوعاً.

ونقلت المجلة الخميس، عن مصادر مقربة من المفاوضات، أنه من المتوقع أن يعرض مالي على طهران صفقة تتضمن تخفيف العقوبات بالشكل الذي يجعلها تعود للاتفاق، دون أن يجعل بايدن عرضة للهجوم من قبل المتشددين في الداخل الأميركي، بما في ذلك الديمقراطيون الذين يعارضون تقديم أي تنازلات لإيران.

ورأت المجلة أن هذه الخطط تواجه الكثير من العثرات السياسية، مشيرة إلى أنه في حال نُظر إلى بايدن على أنه تنازل عن الكثير في وقت مبكر جداً لإيران، فإنه سيواجه رد فعل عنيف من المتشددين في الكونغرس، بما في ذلك بعض الديمقراطيين الأقوياء.

ولفتت "فورين بوليسي" إلى أن إغضاب هذه المجموعة "الديمقراطيين الأقوياء"، سيكون مكلفاً للرئيس الأميركي في الوقت الذي يحاول فيه جذب الأصوات لصالح برامجه الداخلية الرئيسة، خاصة خطته المتعلقة بالبنية التحتية والتي تبلغ قيمتها 2.3 تريليون دولار.

"عملية شاقة"

ونقلت "فورين بوليسي" عن علي فايز، مدير مشروع الأزمة مع إيران في منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" الذي كان مستشاراً لروبرت مالي عندما كان الأخير رئيساً للمجموعة، قوله: "حتى الآن، لم تتم مناقشة أي عقوبات محددة، فقط الخطوط العريضة لكيفية إعادة بناء الثقة".

وأضاف فايز: "ما يتم فعله هذا الأسبوع هو وضع اللمسات الأخيرة على قائمة من الإجراءات من قبل الطرفين للعودة إلى الامتثال للاتفاق، والخطوة التالية هي ترتيب هذه العناصر للسماح لهما بحفظ ماء الوجه".

وأوضحت المجلة أن هذه الخطوات تتضمن ما وصفه مسؤول أميركي كبير بـ"العملية الشاقة" للموافقة على إزالة أو تخفيف بعض العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، لضمان عدم إعادة الاتفاق أبداً، وتشمل أكثر من 700 عقوبة تم فرضها خارج الاتفاقية، في نهاية فترة ترمب لضمان عزلة إيران وتدمير اقتصادها بشكل كامل.

وتابع فايز: "الولايات المتحدة مستعدة الآن لرفع فئتين عريضتين من العقوبات، هما تلك المنصوص عليها في الاتفاق النووي، بالإضافة إلى العقوبات التي فرضها ترمب، لكن العقوبات المُبرَرة، والتي لا تتعارض مع الاتفاق، مثل تلك التي تستهدف منتهكي حقوق الإنسان في طهران، أو التي عاقبت الإيرانيين المتورطين في الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة، ستظل سارية".

وأكدت المجلة أن الولايات المتحدة لن ترفع العقوبات إلا إذا توقفت طهران عن خرق بنود الاتفاق النووي المتمثلة في رفع مستويات التخصيب، وإنتاج مواد نووية يمكن استخدامها لصنع قنابل مثلما فعلت خلال الأشهر الماضية.

وأوضحت "فورين بوليسي" أن الموعد الأمثل لاستكمال المفاوضات قد يكون في 21 مايو المقبل، وهو الموعد النهائي لانتهاء الاتفاقية المؤقتة التي تم التوصل إليها في أواخر فبراير الماضي، مع رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، والتي بموجبها ستحتفظ إيران ببيانات التفتيش النووي للأمم المتحدة لمدة 3 أشهر، إذ أكدت طهران أنه في حال تم التفاوض على عدم العودة إلى الاتفاق بحلول ذلك الوقت، فإنها ستدمر البيانات، وربما تنسف الاتفاق بأكمله.

استعادة الاتفاق أولاً

ونقلت المجلة عن دبلوماسي أوروبي مطّلع على المحادثات، لم تذكر اسمه، قوله: "الأمر برمته يبدو واسع النطاق في الوقت الحالي"، في إشارة إلى أن جميع المفاوضات تتم بشكل غير مباشر، إذ تجري المحادثات الرئيسية من قبل ما يسمى بمجموعة الـ E3 التي تضم ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتنقل بدورها المقترحات إلى روبرت مالي، وفريق التفاوض الأميركي الموجود في غرفة أخرى، لأن طهران تصر على أنها لن تتحدث مباشرة مع الأميركيين ما لم تتم استعادة الاتفاق النووي أولاً.

وقال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، ماجد تاخت رافانتشي، في رسالة بالبريد الإلكتروني لـ"فورن بوليسي"، إن انتقاد مجموعة E3 للخطوة الإيرانية برفع مستوى تخصيب اليورانيوم وعدم انتقاد الهجوم الذي تعرضت له منشأة نطنز النووية والذي اتهمت طهران إسرائيل بتنفيذه، سيؤدي إلى "تعكير الأجواء" في فيينا.

وتابعت المجلة: "تزعم إيران، وراء الكواليس، أن الهجوم على نطنز عزز موقفها في المفاوضات، لا سيما من خلال جعل روسيا والصين، وهما طرفان في اتفاق 2015، أكثر حرصاً على الضغط من أجل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، لكن إذا ضغطت موسكو وبكين بقوة أكبر من أجل تخفيف العقوبات بسبب تعاطفهما مع طهران، فإن ذلك قد يجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة ومجموعة الـE3".

لكن خبراء آخرين يقولون إن الهجوم الإسرائيلي قد يعزز موقف الولايات المتحدة، لأنه يرسل رسالة لطهران بأنه من الأفضل أن تعود إلى الاتفاق بشروط أميركية، أو أن الإسرائيليين سينهون طموحاتها النووية على أي حال، وأنها لن تتمتع حتى بتخفيف العقوبات، بحسب المجلة.

وبحسب "فورين بوليسي" فإنه في حال عادت إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي فإنها ستخطط لتوسيعه وتعزيزه، ليغطي أنشطة إيران المسلحة، وبرنامج الصواريخ الباليستية الخاص بها، لإرضاء المتشددين من الكابيتول هيل إلى تل أبيب، معتبرة أن الأمر "لا يزال بعيد المنال"، لأن طهران ترفض النظر في أي محادثات بشأن اتفاقية جديدة.

وعلى الجانب الإيراني، فإن طهران قد ترغب في تأجيل الأمور إلى ما بعد الانتخابات الوطنية في يونيو المقبل، لأن المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد لا يرغب في التأثير على نتائج الانتخابات، بحسب قول فايز وخبراء آخرين للمجلة.

وختمت المجلة تقريرها قائلة إن مالي، الذي وصفته بـ "اللاعب المتمرس في الشرق الأوسط"، يدرك أن هذه هي مفاوضاته الأكثر تعقيداً على الإطلاق، مضيفة أن زميله القديم فايز لاحظ أنه "لا يشعر بالتفاؤل أبداً حيال الأمر، كما أنه هو نفسه لديه مخاوف جدية بشأن إمكانية إحراز تقدم".

مباحثات فيينا

واستأنفت إيران والولايات المتحدة مباحثاتهما غير المباشرة في العاصمة النمساوية فيينا بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، بعد أسبوع من الجولة الأولى التي انتهت بالإجماع على مواصلة المفاوضات على مستوى الخبراء، مع استمرار المطالب الإيرانية برفع العقوبات الأميركية كافة كشرط لوقف انتهاكاتها للاتفاق النووي.

وازدادت التصعيدات بعد أن تعرضت أهم المنشآت الإيرانية لتخصيب اليورانيوم "نطنز" لهجوم وصفته طهران بـ "الإرهابي" متهمة إسرائيل بتنفيذه.

وردت طهران على الهجوم بالإعلان عن زيادة نسب تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60%، في الوقت الذي اعتبرت وكالة "بلومبرغ"، أن المحادثات التي تشهدها العاصمة النمساوية فيينا، من أجل العودة للاتفاق النووي المبرم في 2015 "تدور في حلقة مفرغة".

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف