
- تصنيف المقال : شؤون عربية ودولية
- تاريخ المقال : 2021-06-27
أجرى محرر موقع الميدل أيست آي البريطاني ( MEE حزيران ١٩ )، ديفد هيرست، مقابلة مرئية مطولة، مع أحد أبرز المؤيدين السابقين لرئيس الإنقلاب عبد الفتاح السيسي، وهو الناشط اليساري والمهندس ممدوح حمزة، أبن ال ٧٣ عاماً، والذي بات مطلوباً لمحاكم الطاغية بتهمة الارهاب! هو الآن يعيش في المنفى، بعد أن حكمت عليه محكمة أمن الدولة المصرية بالسجن مدة ٦ اشهر ، عام ٢٠١٩، وغرامة مالية بمبلغ ٢٠٠٠٠ جنيه مصري. وأسوة بالكثير من الشخصيات السياسية والمثقفين، أنقلب الدكتور حمزة على السيسي، بعد أن اكتشف، على ما يبدو، خطأه الكارثي في تأييد الانقلاب على رئيس منتخب، لأول مرة في تاريخ مصر.
ممدوح حمزة، ناشط سياسي منذ بواكير الشباب، ترأس اتحاد الطلبة الجامعيين، عام ١٩٦٨، ودرس الهندسة المدنية في جامعات بريطانية، وبرع فيها، ثم فتح مكتب للاستشارة الهندسية، في القاهرة، وأشرف على هندسة مكتبة الاسكندرية، ونال جوائز دولية عديدة. أيد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، تواجد في ميدان التحرير ، وفتح مكتبه لثوار مصر ، وساندهم في نضالهم من أجل اسقاط حكم حسني مبارك. في المقابلة المذكورة، نفى حمزة تأييده للانقلاب العسكري، وقال انه كان ضد تصرف حركة الاخوان، الذين، حسب قوله، تحالفوا مع العسكر، وخطفوا الثورة من الشباب، الذين كانوا المفجر لثورة يناير ، وأنه ضد الدكتاتورية الدينية وضد الدكتاتورية العسكرية.
من خلال المقابلة، ومن خلال متابعة تصريحاته وقصته مع السيسي، بدأ صدامه مع السيسي يظهر عام ٢٠١٥، عندما تصدى لمشروع شق قناة موازية لقناة السويس، الذي اعتبره مشروعاً بلا جدوى وفاشلاً أقتصاديا. وواصل، منذ حينه، انتقاده لمعظم المشاريع التي أطلقها السيسي، مدعماً انتقاده من خلال دراسات علمية قدمها لحكومة الطاغية، مثل بناء شبكة طرق كبديل عن تطوير وتوسيع خطوط سكك الحديد، و كذلك انتقاده للاتفاق الذي وقعه السيسي مع أثيوبيا عام ٢٠١٥، الذي اعتبره منذ حينه إتفاقاً خطيراً يأتي على حساب مصر .
وفي ضوء الفشل الذريع لمشاريع السيسي، وإنهاك مصر بديون خيالية، يرى د. حمزة أن ثورة شعبية قادمة في غضون سنة أو سنتين، "ستهز عرش الطاغية، وأن الثورة القادمة سيكون هدفها الحياة وليس من اجل حياة أفضل" بحسبه.
ويستند في رؤيته هذه، إلى تعمق الفقر والعوز في اوساط الشعب المصري، و القضاء على خصومه، حتى الذين كانوا مقربين له، إما بالسجن، او النفي، أو تشويه السمعة. ناهيك عن الاعدامات التي لم تشهد مصر مثيلا لها في تاريخها. ويقدر عدد معتقلي الرأي بستين الفاً.
عندما نفّذ السيسي انقلابه الدموي، وبعدها نفذ مذبحة رابعة العدوية، وغيرها، وهي مذبحة لا تزال مستمرة باشكال مختلفة، إنقسم صانعو الثورة، داخل مصر، إلى معسكرات وفرق، كما حصل في ثورات العالم العربي الأخرى، وكذلك عندنا في فلسطين. و أذكر نقاشاتي الصعبة( التلفونية)، على أثر الانقلاب، مع أصدقاء مصريين كنت التقيتهم في زياراتي لمصر ، من ناصريين وقوميين وماركسيين، الذين انقسموا بين مؤيد ومعارض لإنقلاب السيسي . ( لم يكن لي معرفة بأحد من حزب النور السلفي الاسلامي الكبير ، خصم الاخوان المسلمين، الذي دعم ويدعم اليوم الطاغية حتى اليوم ). وكذلك نقاشاتي مع أصدقاء ورفاق في فلسطين، أيدوا الطاغية واعتبروه قومياً و مناضلاً شبيها بعبد الناصر ، دون إظهار حساسية لآفة الإستبداد، وانتهاك مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي كانت أهم أهداف الثورة المصرية والثورات العربية. وقلت في حينه وكررتُ ذلك، بلغة قاسية، أنّه رغم المآخذ الكبيرة على حكم جمال عبد الناصر، إلا ان السيسي لا يصل إلى كعب ناصر. على كلٍ ، إن غالبية هؤلاء الذين أعرفهم تراجعوا عن تأييدهم للسيسي، خاصة بعد أن واصل حرب الابادة ضد خصومه التي انتقلت من الاخوان إلى كل ألوان الطيف السياسي والايدلوجي، ولكنهم لا زالوا يؤيدون مستبدين دمويين آخرين . وهذا السيسي، الذي يشعر باستقرار نظامه الدموي، بعد حربه الإستئصالية للمعارضة، دون أن ينجح في حل أيٍ من المشاكل الكبرى التي تواجهه مصر، يسعى إلى الانفتاح على من أعتبرهم أعداءً حتى الامس، مثل تركيا وقطر، وغيرها، ويلعب دور الوسيط بين حركتي فتح وحماس، في حين يرفض الانفتاح على الداخل، على شعبه والقوى الوطنية والديمقراطية المعارضة. هكذا حال أنظمة الاستبداد العربية الجمهورية( القومية) والملكية، وخاصة الاكثر دموية منها، تكون عقلانية مع الخارج في حين تكون متوحشةً مع شعبها. هي تستبدل الشرعية الداخلية بشرعية خارجية، وفي حالة نظام السيسي، فإن شرعيته مستمدة من إسرائيل وأمريكا.
والذي نريد قوله من كل ذلك، هو أن افتقار الكثير من القوميين، واليساريين، بل حتى بعض اللبراليين، لمفهوم الحرية والديمقراطية، وغياب الحساسية والوعي بكون هذه القيم أساسية لضمان انتصار الثورة ونهضة المجتمع، وتحقيق التنمية الإقتصادية المستقلة، وضمان كرامة الإنسان، هو من أهم الأسباب لإستمرار الطغيان في مصر العربية، وفي دول عربية أخرى. نعم لقد كانت مطالبة المتظاهرين المصريين وحشودهم الكبيرة، والحاشدة بتغيير حكم الاخوان، الذين ارتكبوا أخطاء خطيرة، محقة، ولكن التغيير يأتي عن طريق صندوق الاقتراع وليس عن طريق الانقلاب على رئيس منتخب بصورة ديمقراطية اتسمت بالشفافية، وارتكاب المذابح المروعة بحقهم. إن الذي حرّك اليساريين والقوميين، وكذلك الاسلاميين السلفيين من حزب النور ، في تأييدهم للانقلاب هو عدائهم المرضي لحركة الاخوان، كحركة سياسية مدنية . لقد كشف تأييد أوساط من القوميين واليسارييين واللبراليين( طبعا ليس جميعهم) وحتى شخصيات لبرالية هامة مثل محمد البرادعي، للإنقلاب، عن ازدواجية اخلاقهم، لان الديمقراطي الحقيقي واليساري الديمقراطي الحقيقي، لا يتخلى عن تمسكه بالديمقراطية، عندما يتعرض خصمه السياسي، لقمع وبطشٍ من نظام مستبد دموي. و الأمر الأكثر إستهجاناً، هو مواصلة هؤلاء تأييد السيسي، لعدة سنوات، في الوقت الذي تحول الطاغية إلى ركيزة إستراتيجية للعدو الإسرائيلي، إذ كان قادة الكيان الصهيوني يصرحون علناً بأنه "هدية من السماء" ودون أن يأبهوا لذلك. وهذا يدلُّ كيف أن عداءهم وتعصبهم المرضي ضد حركة الاخوان المسلمين، قد أعمى بصيرتهم، لدرجة أنهم لم يعودوا يرون العدو الإسرائيلي، وخطورته على مصر والقضية الفلسطينية، ومشاركة الطرفين، إسرائيل والنظام المصري، في تشديد الحصار الإجرامي لقطاع غزة.
من المفروض أن يتوفر في الديمقراطي الحقيقي، والثوري الحقيقي، والمسلم الوسطي المتنور، صفات أساسية مثل مناهضة الإستبداد، والتمسك بحكم ديمقراطي تعددي، يوفر العدالة الاجتماعية للمواطنين، بديلاً عن الانظمة الدكتاتورية،الدينية او العلمانية، او العسكرية.
ولكن لا بأس أن إسترد الكثيرون وعيهم، ومبادئهم، فهذا خيرٌ من مواصلة العناد وانعدام الحساسية تجاه كرامة الإنسان، كما يفعل الكثيرون في دول عربية أخرى تحكمها أنظمة عربية متوحشة ومستبدة .
لعل هذا التغيّر يكون بداية صحوة حقيقية تُلهم الضالّين في أقطار عربية أخرى، وتساهم في مراكمة معارك النهضة و التغيير نحو الديمقراطية والعدالة الإجتماعية والإستقلال الوطني.


