بحلول الأربعاء يكون قد مضى 19 عاماً على تولّي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السلطة، لكن أحزاب المعارضة تبدي تفاؤلاً متزايداً بشأن إمكانية هزيمته، في انتخابات الرئاسة المرتقبة في عام 2023، ولا سيّما أنه يبدو رافضاً لتغيير سياساته الاقتصادية، وفق ما أوردته صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.

وذكرت الصحيفة أنه عندما قرر عضو في حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، مواجهة أردوغان بشأن تصاعد السخط العام المرتبط بتدهور الوضع الاقتصادي، خاطبه الرئيس قائلاً: "أنت تكذب. أعرف الشارع أفضل منك".

ونقلت الصحيفة عن عضو في الحزب، قوله إن الرئيس "مقتنع بأن بعضهم في الحزب والحكومة يبالغ بشأن المشكلات" التي تعاني منها البلاد.

ويواجه أردوغان إشارات تحذيرية متزايدة بأن نهجه في إدارة اقتصاد تركيا، المقدر بـ765 مليار دولار، ليس ناجحاً. وفي حين أن النمو الاقتصادي يبدو جيداً على الورق، إلا أنه لم يُترجم إلى وظائف، إذ بلغ معدل التضخم نحو 20% في سبتمبر الماضي. كما أن العملة تفقد قيمتها، فقبل عقد كان الدولار يساوي نحو 1.8 ليرة، وبات الآن يقارب 10 ليرات.

والعامل الأكثر أهمية بالنسبة إلى الرئيس، يتمثل في تراجع الدعم لحزبه بنحو 10 نقاط مئوية، مقارنة بالانتخابات البرلمانية التي نُظمت في عام 2018، ليبلغ أدنى مستوى تاريخي، بين 30 و33%.

وقال أوزير سنجار، رئيس شركة "ميتروبول" لاستطلاعات الرأي، "السبب الرئيس والأهم هو الاقتصاد. كثيرون الآن لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية. نحو 30% من الناخبين لا يستطيعون تدبّر أمرهم. هذا هو السبب الأساسي وراء مغادرة الناس حزب العدالة والتنمية".

"من سيئ إلى أسوأ"

وتبدو المعارضة التركية مقتنعة بأن تدهور الاقتصاد سيساعدها في إسقاط أردوغان. وقال كمال كيليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أبرز قوى المعارضة في البلاد: "لم يتبق وقت طويل. تحلّوا بالصبر. قد تكونون جوعى، وقد تنقطع الكهرباء عنكم. وقد تُعتقلون وتسجنون، وحتى تُعذبّون.. ولكن تحلّوا بالصبر".

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن الرئيس التركي مُحاط بمتملّقين، وتلاحقه شائعات بشأن وضعه الصحي، مضيفة أنه "إما غير قادر وإما غير راغب في الاستماع إلى الذين يحضّونه على تبديل مساره".

في أكتوبر الماضي، أذهل أردوغان الأسواق مرة أخرى عندما خفّض المصرف المركزي التركي أسعار الفائدة، في ظل ارتفاع التضخم، في وقت ترفع فيه كل المصارف المركزية في العالم أسعار الفائدة. وأدت هذه الخطوة إلى انخفاض جديد لليرة. وبعد أيام من ذلك القرار، جازف بدخول أسوأ أزمة دبلوماسية منذ عقود، عندما أمر بطرد 10 سفراء غربيين، طالبوا بالإفراج عن رجل الأعمال المسجون عثمان كافالا، قبل أن يتراجع عن تهديده.

ونقلت الصحيفة عن وزير سابق، لا يزال عضواً في الحزب الحاكم، قوله، "السياستان الداخلية والخارجية، والاقتصاد، كل شيء يسير من سيئ إلى أسوأ. لا تزال هناك فرصة لتغيير الوضع.. ولكن هناك رجل واحد فقط يمكنه فعل ذلك، والأمر يعود إليه".

"صانع القرار الوحيد"

أردوغان البالغ من العمر 67 عاماً، يبدو الآن غالباً "متعباً وهزيلاً، إذ بدا كأنه نام للحظات، خلال رسالة مصوّرة وجّهها إلى مسؤولي حزبه في يوليو الماضي". وفي ظل إشاعات متزايدة بشأن وضعه الصحي، أنتج مساعدو الرئيس تسجيلاً مصوّراً الشهر الماضي على مواقع التواصل الاجتماعي، يُظهره مرتدياً قبعة بيسبول وهو يلعب كرة السلة.

وقال أوميت أوزلالي، أحد نواب رئيسة حزب "الخير" (يمين الوسط)، إن رؤساء شركات بارزين، بعضهم معروف بصلاته بالحزب الحاكم، بدأوا يتواصلون مبدئياً مع حزبه الذي تتزعمه ميرال أكشينار.

وأضاف أن النظام الرئاسي شديد المركزية، الذي طبّقه أردوغان قبل 3 سنوات، عاجز عن التعامل مع المشكلات المتزايدة في البلاد. وتابع، "أردوغان هو صانع القرار الوحيد. ليست لديه شبكة معلومات جيدة. إنه يكبر ويشعر بتعب متزايد".

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لتركيا بنسبة 9% هذا العام، لكن أبرز جمعية للأعمال في البلاد "توسياد" حذرت من أن تركيز الحكومة على النمو بأي ثمن، وإن كان يؤذي البلاد.

وبعدما انخفض معدل الفقر بشكل كبير، خلال السنوات الـ15 الأولى من حكم "العدالة والتنمية"، ارتفع مجدداً في عام 2019 بعد أزمة حادة للعملة، أدت إلى ركود وتسبّبت في فقدان مليون وظيفة.

وحذر البنك الدولي، في وقت سابق من هذا العام، من أن "ذلك يُترجم إلى نحو 1.5 مليون فقير إضافي، أي 8.4 مليون على المستوى الوطني، ما أدى إلى محو كل المكاسب تقريباً التي تحققت في السنوات الثلاث السابقة على الاضطراب الاقتصادي".

"الرئيس لا يحب الأقوياء"

واصطدم أردوغان مع المصرف المركزي، المستقلّ اسمياً، وأقال ثلاثة محافظين في أقل من سنتين، وأقصى عملياً صهره، بيرات ألبيرق، من وزارة المال، وأصبح نادراً ما يواجه تحدياً من وزرائه.

ونقلت "فاينانشال تايمز" عن مسؤول تنفيذي في شركة تركية كبرى، قوله: "يبلغنا الوزراء: يجب أن تتحدثوا إلى الرئيس كي يفهم الوضع. ولكن لماذا علينا فعل ذلك؟ هذه هي وظيفتهم".

في السياق ذاته، قال مسؤول حكومي: "الرئيس لا يحبّ الأقوياء من حوله، الجميع يدرك ذلك. ولذلك لا أحد مستعد لقول الحقيقة".

لكن بوراك بيلجهان أوزبك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الاقتصاد والتكنولوجيا بأنقرة، يعتبر أن أسعار الفائدة المنخفضة والعملة الرخيصة يفيدان شبكة المقربين من أردوغان، لا سيّما أولئك الذين يعملون في قطاعَي البناء والسياحة، والذين أسهموا في دعم حكومته.

وأضاف: "المصطلح الصحيح هنا هو البقاء.. لا يريد اقتصاداً ديناميكياً، ولا أن يجعل الاقتصاد التركي عظيماً، بل يريد اقتصاداً يكفي للفوز في الانتخابات المقبلة".

ويشكّك أوزبك بنجاح هذه الاستراتيجية، في ضوء تحوّل تكتيكي للمعارضة، إذ نأت عن سياسات الهوية القائمة على الانقسامات الدينية والثقافية والعرقية، التي أبعدت أنصار حزب "العدالة والتنمية". ويضيف أن خصوم أردوغان "يثيرون تساؤلات بشأن قدرة نخبة حزب العدالة والتنمية، بدلاً من أيديولوجيتها وهويتها. وهذه الاستراتيجية تنجح في هذه الظروف الاقتصادية".

وفي حين أن المعارضة متفائلة بنهاية وشيكة لعهد أردوغان، يبدو مراقبون أجانب أكثر تشاؤماً. ويقول دبلوماسي أوروبي: "إنهم يحلمون. كمْ عدد المستبدين الذين تنحّوا؟".

"ليست مجرد لعبة أرقام"

ويرى قياديّو المعارضة أن نجاحهم في هزيمة حزب العدالة والتنمية، في إسطنبول وأنقرة خلال الانتخابات البلدية في عام 2019، عندما دعموا مرشحاً واحداً في كل مدينة، يُظهر أن هزيمة أردوغان ممكنة عندما يتحدون.

لكن "فاينانشال تايمز" تنبّه إلى أن المعارضة تتجاهل مخاوف من أن عناصر في الدولة العميقة بتركيا، وتشمل جهاز الاستخبارات والشرطة والجيش ومجرمين، مرتبطين بحزب الحركة القومية، شريك أردوغان في الحكومة، قد يتحرّكون لدعم رئيس مريض. ويقول قيادي في حزب معارض: "عندما يتضح أن السفينة تغرق، سيقفز الجميع منها. أنا لا أعني فقط في حزب العدالة والتنمية، بل البيروقراطية أيضاً، والجيش. هل تعتقد بأن الجيش سيسانده إذا سقط؟ لن يفعل ذلك".

وبعد فوز مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، بفارق ضئيل برئاسة بلدية إسطنبول، في عام 2019، اعتبر أردوغان أن النتائج مزوّرة ودفع في اتجاه إعادتها، لكنه خسر التصويت الثاني أيضاً.

وتعتبر أصلي آيضن طاش باش، وهي باحثة في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، أن ذلك "يُظهر المدى الذي يذهب إليه أردوغان من أجل الفوز في الانتخابات". وتضيف: "هذا يفيد بأن الأمر لن يكون مجرد ما يحدث في الاقتراع، إنها ليست مجرد لعبة أرقام، ولكن ستكون هناك أيضاً كل أنواع الضغوط السياسية والمقاومة، من أردوغان وشركائه في الائتلاف" الحكومي.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف