
- تصنيف المقال : شؤون فلسطينية
- تاريخ المقال : 2022-10-26
استشهد خمسة شبان من بينهم مقاتلون من مجموعة "عرين الأسود" وأصيب 21 مواطنا بالرصاص الحي وصفت جروح أربعة منهم بأنها بالغة الخطورة، خلال اجتياح عسكري واسع النطاق شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر أمس، في البلدة القديمة بمدينة نابلس المحاصرة منذ عدة أيام.
وأعلنت وزارة الصحة، استشهاد الشبان حمدي صبيح رمزي قيم "30 عاما"، علي خالد عمر عنتر "26 عاما"، حمدي محمد صبري حامد شرف "35 عاما"، وديع صبيح الحوح "31 عاما"، مشعل زاهي بغدادي "27 عاما"، وإصابة 21 بالرصاص الحي، بينهم أربعة على الأقل بحالة الخطر الشديد، خلال اقتحام قوات الاحتلال مدينة نابلس
التي خرج عشرات الألوف من مواطنيها في وداع متفجر بالحزن البالغ والغضب العارم لجثامين الشهداء إلى مثواهم الأخير.
وقال شهود عيان لـ"الأيام"، إن الشهيدين شرف وعنتر وهما من حلاقي البلدة القديمة المعروفين، كانا أول من اكتشف أمر تسلل الوحدات الإسرائيلية الخاصة إلى البلدة القديمة، وعندها أخذا بالصراخ وإخبار الشبان بشأن عملية التسلل ومكان تواجد الوحدات الخاصة، فكانا هدفا للقتل بشكل مباشر وبدم بارد من قبل تلك القوات، فيما كان الشهيد قيم هدفا للاغتيال عن طريق تفجير مركبته، بينما أصيب الشهيد الحوح وهو من أبرز القادة الميدانيين لمجموعة "عرين الأسود" خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال بعدة رصاصات قاتلة، وعاد ثلاث مرات من الطريق نحو الثلاجة إلى غرفة الإنعاش لعله يعود مجددا إلى الحياة، قبل إعلان استشهاده وقيل في رحيله: "نابلس تيتمت بعدك يا وديع"، فيما أصيب الشهيد بغدادي خلال اشتباك مسلح مع جيش الاحتلال بجروح بالغة الخطورة وأعلن الأطباء عن استشهاده في وقت لاحق.
روايات شهود عيان
وفي التفاصيل كما رواها عدد من الشهود، أوقفت إحدى الدوريات المشتركة لأجهزة الأمن الفلسطينية والتي تتواجد بصورة دائمة في منطقة "ميدان الشهداء" وسط مدينة نابلس، عند منتصف الليل، سيارة اشتبهت بها، وحين بدأ عناصر الأمن الفلسطيني بتفتيش السيارة المشتبهة، انفضح أمر القوة الخاصة والتي بدأ عناصرها بإطلاق النار نحو القوة الفلسطينية والتي ردت على الوحدة الإسرائيلية الخاصة فورا، وعندها بدأت قوات كبيرة من جيش الاحتلال معززة بعشرات الآليات العسكرية باقتحام المدينة من عدة محاور، في عملية اقتحام تعتبر الأضخم منذ سنوات.
ساحة حرب
وأكد الشهود، أن جيش الاحتلال وفور اقتحامه المدينة من مختلف المحاور والمداخل حاصر أحد المنازل في البلدة القديمة وسط عمليات إطلاق نار كثيفة واشتباكات مسلحة تحولت خلالها البلدة القديمة إلى أشبه ما تكون بساحة الحرب، فارتقى الشهيد حمدي شرف إثر إصابته بشكل مباشر، وبعد ذلك ارتقى الشهيد علي عنتر، ومن ثم ما لبث أن استشهد الشاب حمدي قيم إثر انفجار المركبة التي كان يقودها في حي "رأس العين"، دون التأكد بصورة قطعية ما إذا كانت المركبة تعرضت للإصابة بقذيفة أو عملية قصف أو نتيجة لتفجير عبوة ناسفة.
وروى الشهود، أن الاشتباكات المسلحة والتي تعتبر الأعنف والأشد من نوعها، تواصلت مع قوات الاحتلال وقناصته حتى الساعة الثالثة فجرا، ولعدة ساعات منعت قوات الاحتلال طواقم الإسعاف من الوصول إلى المنطقة المحاصرة.
وبعد انسحاب قوات الاحتلال وجد ثلاثة شبان مصابين في مناطق مختلفة ليست قريبة من بعضها ونقلوا إلى المستشفى وغادر اثنان منهم بعد ذلك مشيا على الأقدام حيث كانت إصابتهما طفيفة.
استشهاد الحوح
أما الشهيد الحوح، والذي تولى قيادة مجموعة "عرين الأسود" بعد استشهاد إبراهيم النابلسي قبل نحو شهرين ونصف الشهر، فقال شهود العيان، إنه وصل إلى المستشفى العربي التخصصي وقلبه متوقف، ولكن اللافت أن جموع المواطنين الذين شاركوا في المواجهات وغصت بهم الشوارع واندفع الآلاف منهم إلى المستشفيات، لم يسلموا أو يصدقوا بأن الحوح استشهد، فتجمهروا أمام المستشفى وهم يرددون الأدعية في أن يتماثل للشفاء، في مشهد يماثل ما حدث عند استشهاد إبراهيم النابلسي، لتعلن وزارة الصحة بعد نحو ساعة استشهاده، ومن ثم تم نقل جثمانه إلى مستشفى "رفيديا" الحكومي.
الاشتباكات الأعنف
وبموازاة الاشتباكات المسلحة التي كانت تدور داخل بلدة نابلس القديمة، امتدت الاشتباكات إلى محيط البلدة القديمة، وتواصلت بكثافة ودون توقف على مدار نحو ثلاث ساعات حتى انسحب جيش الاحتلال، وشارك فيها مسلحون قدموا من مناطق أخرى مجاورة واشتبكوا مع الاحتلال في أكثر من مكان في محيط نابلس القديمة، كما أجمع الشهود.
وتركزت عملية الاقتحام الإسرائيلية والاشتباكات المسلحة، في حارة "الياسمينة" المعقل الرئيس لـ"عرين الأسود" وتحديدا "حوش العطعوط" في قلب البلدة القديمة، وهدفت إلى الوصول إلى مقاومين في مجموعة "عرين الأسود".
وكان اكتشاف الوحدات الإسرائيلية الخاصة في سوق "البصل"، قرب حارة "الياسمينة"، دق جرس إنذار وضعته مجموعة "عرين الأسود" بعد ارتقاء الشهيدين شرف وعنتر، وهو ما مكن المقاومين من تتبع جنود الاحتلال والوحدات الخاصة والاشتباك معهم مباشرة، وتحديدا في محيط "حوش العطعوط" حيث اندلعت اشتباكات مسلحة تعتبر الأشد منذ الاجتياح الإسرائيلي للمدينة إبان عملية "السور الواقي" في نيسان العام 2002.
ودفع جيش الاحتلال بقوات إضافية من جنوده إلى البلدة القديمة تحت غطاء كثيف من النيران من نقاط الاحتلال العسكرية المحيطة بمدينة نابلس وتحديدا من جبلي "جرزيم" و"عيبال" وباتجاه منطقة دوار الشهداء وسط نابلس وحارة الياسمينة.
وأكد أحد شهود العيان، أن الاحتلال أطلق إلى جانب الرصاص الكثيف صواريخ مضادة للدروع باتجاه منزل تحصن بداخله عدد من المقاومين، وهو ما أكده الإعلام العبري ومشهد الدمار الذي خلفه جيش الاحتلال في المنطقة المستهدفة.
وروى شاهد العيان، إن الاشتباكات كانت تشتد من ساعة لأخرى، واستمرت حتى الثالثة فجرا، ومع كل صلية رصاص كانت تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي رسائل المقاومين وبيان "عرين الأسود" حول تصديهم لجيش الاحتلال ودعوتهم لمؤازرة المقاومة ونصرتها، ليتدفق عشرات الشبان إلى البلدة القديمة رغم انتشار القناصة والوحدات الخاصة والاشتباكات العنيفة.
وقال أحمد جبريل مدير الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر بنابلس، إن هذه العملية العسكرية كانت الأشد منذ سنوات نظرا لكثافة النيران والقوات والسلاح المستخدم، أعاقت قوات الاحتلال وصول طواقم الإسعاف إلى موقع المواجهات لنقل المصابين، فيما تركزت معظم الإصابات في المناطق العلوية من أجساد المصابين ممن وصفت إصابات أربعة منهم على الأقل بأنها بالغة الخطورة، بينما نقل طاقم الإسعاف جثمان الشهيد القيم وهو محترق بالكامل بعد تفجير المركبة التي كان يقودها في منطقة "رأس العين".
وعلى مدى أكثر من ساعة، تضاربت الأنباء حول مصير عدد من المقاومين، وخاصة المتعلقة باستشهاد الحوح، القائد البارز في "عرين الأسود"، حيث صدحت حناجر آلاف الشبان بالدعاء له أمام المستشفى حتى أعلنت وزارة الصحة نبأ استشهاده.
وفي روايات أخرى، أكد شهود عيان أن قوات الاحتلال اقتحمت عدة أحياء في البلدة القديمة من المدينة، وسمعت أصوات إطلاق نار وانفجارات وشوهدت أعمدة الدخان واللهب تنبعث من عدة مواقع، وعقب ذلك اندلعت مواجهات عنيفة بين المواطنين وقوات الاحتلال التي دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة تساندها طائرات مسيرة، في وقت انتشر فيه القناصة من جنود الاحتلال على أسطح المنازل والمباني المطلة على مركز المدينة وعلى أحياء البلدة القديمة، والذين تعمدوا إطلاق النار صوب كل جسم متحرك.
المواطنون يهبون
للدفاع عن مدينتهم
وأجمع الشهود، على أن قوات أخرى من جيش الاحتلال حاصرت عددا من الشبان في "حوش العطعوط" بالبلدة القديمة، وسط إطلاق لصواريخ "الأنيرجا" والرصاص باتجاههم، ومنعت طواقم الإسعاف من الوصول إلى البلدة القديمة لإخلاء المصابين وتقديم الإسعافات الأولية اللازمة لهم، ما دفع العشرات من أهالي نابلس للتطوع من أجل نقل الجرحى والدفاع عن مدينتهم، بينما أطلقت مستشفيات المدينة نداءات للتبرع بالدم، فاحتشد مئات المواطنين أمام مستشفى "رفيديا" للتبرع بالدم.
وتعمدت قوات الاحتلال خلال اقتحامها البلدة القديمة، إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية ومنازل المواطنين وممتلكاتهم.
وقال شاهد عيان، إن الوحدات الإسرائيلية الخاصة تسللت إلى البلدة القديمة باستخدام مركبتي تبريد مغلقتين في عملية تسلل كانت نقطة البداية لعملية عسكرية تعتبر الأطول والأقسى من سلسلة عمليات جيش الاحتلال المستمرة في نابلس منذ عدة أسابيع.
تشييع حاشد للشهداء
وفي وقت لاحق، شيع عشرات آلاف المواطنين من نابلس والمدن والبلدات المجاورة، جثامين الشهداء الخمسة إلى مثواهم الأخير في موكب جنائزي مهيب انطلق من أمام مستشفى "رفيديا" وسط غضب عارم وهتافات وطنية وإضراب وحداد شل مرافق الحياة في مختلف محافظات الوطن، بالتزامن مع اشتباكات ومواجهات اندلعت مع قوات الاحتلال على خطوط التماس.
ورفع المشاركون في موكب التشييع والذين تقدمهم مقاتلون من مجموعة "عرين الأسود"، الأعلام الفلسطينية والرايات السوداء ورددوا الهتافات الوطنية والمنددة بجرائم الاحتلال.


