دخلت الأزمة السورية منعطفاً جديداً بعد «اجتماع فيينا» الرباعي، الذي ضمّ وزراء خارجية روسيا وأميركا والسعودية وتركيا، للتباحث حول حلّ سياسيّ للأزمة السورية الممتدة لما يقارب سنوات خمس. جاء «اجتماع فيينا» بدعوة من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد أيام قليلة من زيارة بشار الأسد إلى موسكو، ما يعني منطقياً أن روسيا تحمل رسالة سياسية جديدة للأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع على سوريا تستحق عقد الاجتماع بسببها. كالمعتاد، لم تنقل الأطراف المشاركة في الاجتماع مضمون المباحثات إلى وسائل الإعلام والرأي العام، إلا أن السياقات وتحليل الصور وتقليب النظر في حسابات الأطراف يمكن أن يعطينا ـ برغم ذلك ـ فكرة عن إطار ومضمون هذه المحادثات.
زيارة الأسد إلى موسكو
يفيد تحليل الصور التي رشحت عن زيارة الأسد إلى موسكو في قراءة واستنباط الرسائل السياسية التي حملتها، تلك التي أرادت موسكو إرسالها إلى عناوين شتى في الداخل والخارج. أولاً جرى الاجتماع بحضور وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو وسكرتير مجلس الأمن القومي نيكولاي باتروشيف (جهاز المخابرات الخارجية) ووزير الخارجية سيرغي لافروف إلى جوار الرئيس الروسي على طرف واحد من الطاولة، ما يعني أن أركان الحكم الروسي (وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات) مجتمعة على سياسة بوتين السورية ولا خلاف عليها في رسالة واضحة إلى الداخل الروسي بتراصٍّ الصفوف. ومن المعلوم أن تكاليف التدخل الروسي في سوريا تجري من موازنة وزارة الدفاع الروسية، وليس من موازنة خاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها روسيا. ثانياً، شكل الاجتماع رسالة إلى العالم مفادها أن روسيا تستطيع ما لا يستطيع غيرها، أي إخراج بشار الأسد واستقباله في موسكو وإعادته مرة أخرى في أول زيارة خارجية له منذ اندلاع الحراك الشعبي، ما يعني أن روسيا ـ وليس غيرها ـ هي مَن يمسك ورقة النظام السوري. ثالثاً، أرادت روسيا تحميل الرسالة إلى العالم بمضامين إضافية لترضية الأطراف الإقليمية والدولية المناوئة لبشار الأسد والتمهيد لـ «اجتماع فيينا»، عبر تجريد اللقاء مع الأسد من المظاهر السيادية المفترضة عند لقاءات رؤساء الدول. في هذا السياق، يُلاحظ أن بشار الأسد سافر إلى موسكو على متن طائرة من طائرات الخطوط الجوية الروسية وليست الطائرة الرئاسية الروسية، ولم يجرِ له استقبال رسمي في موسكو (كلاهما ربما لاعتبارات أمنية)، ولم يحضر معه اللقاء على الجانب الآخر من طاولة المحادثات أي مسؤول سوري، كما غاب العلم السوري عن صور الاجتماع ومعه غابت كل رموز «السيادة الوطنية» السورية. الرسالة هنا هي: روسيا لا تتمسك ببشار كرئيس لسوريا إلى الأبد، وما تجريد الزيارة من الرموز السيادية إلا إشارة بصرية ذات مغزى إلى ذلك. رابعاً، وهي نقطة مرتبطة بما سبقها، جاء حديث بوتين المتلفز أثناء اللقاء عن حلّ سياسي يتوازى مع العمل العسكري، على العكس تماماً من خطاب بشار الأسد بضرورة القضاء على الإرهاب قبل الدخول في التفاوض السياسي. باختصار، يمكن القول إن «اجتماع فيينا» لم يكن ليحدث لولا زيارة بشار الأسد إلى موسكو، بالشكل والسياق الموصوف أعلاه.
«اجتماع فيينا»: تنازع الصور
جاء «اجتماع فيينا» بدعوة روسية بعد الإعلان عن زيارة بشار الأسد مباشرة، ما يعني أن هناك أفكاراً روسية جديدة للحل تستحقّ الاجتماع وإعطاء روسيا صفة «ماسك زمام المبادرة» في الأزمة السورية. هنا يبدو واضحاً أن ترتيب زيارة الأسد إلى موسكو كان المقدمة الضرورية لإطلاق المبادرة الروسية للتسوية السياسية. بمعنى أن الزيارة ثبتت ورقة النظام السوري بيد موسكو التي تفاوض باسمه وبقوة حضورها العسكري على الأرض، كي تبادر إلى عقد «اجتماع فيينا» على هذا الأساس الواضح.
تواترت ثلاث صور أساسية في «اجتماع فيينا»، الأولى صورة وزيري الخارجية الروسي والأميركي وخلفهما العلم الروسي والأميركي، وهي الصورة الأهم من منظور روسيا. مفاد الصورة أن القطبين الندين (تحت الكلمة الأخيرة خطان) يلتقيان للتباحث في الأزمة السورية، بما يفتح الباب أمام البحث في ملفات أخرى مثل الأزمة في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا وغيرها من القضايا على الساحة الدولية، وهو أمر تريد موسكو تثبيته في الأذهان. الصورة الثانية كانت لوزراء خارجية أميركا والسعودية وتركيا وخلفهم أعلام الدول الثلاث، بما يعنيه ذلك من اجتماع تنسيقي بين الدول الحليفة الثلاث قبل الاجتماع مع وزير الخارجية الروسي. الصورة الثالثة والأخيرة لوزراء خارجية روسيا وأميركا والسعودية وتركيا وخلفهم الأعلام، من دون مشاركة وزير خارجية إيران، التي تملك نفوذاً غير منكور على الأرض في سوريا. دلالة الصورة الأخيرة تتأطر في أن روسيا تسترضي تركيا والسعودية، برغم إعلان روسيا لاحقاً ضرورة توسيع الاجتماع لاحقاً ليشمل مصر وإيران والإمارات والأردن وقطر، وفي تأكيد روسي إضافي للمتفاوضين على أن موسكو هي مَن يمسك بورقة النظام وليس طهران.
الصور وخلفياتها
قلبت روسيا الموازين في سوريا والمنطقة بتدخلها العسكري في سوريا، وبالتالي تعلم الأطراف الإقليمية المناوئة للنظام السوري أنها إذا دخلت في مفاوضات من دون شروط مسبقة لحل الأزمة، فسوف تتحسّن مواقع النظام ومن خلفه روسيا. في المقابل، تعلم روسيا أن ضرباتها الجوية لها نافذة زمنية محدودة متعلقة بالتوصل إلى حل سياسي يجرجر أميركا إلى طاولة المفاوضات على سوريا ومن خلفها أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية على روسيا، وليس التورط في المستنقع السوري. وبرغم عدم وجود خسائر روسية حتى الآن، إلا أن المكاسب العسكرية على الأرض لا تتطابق مع السيادة الجوية الروسية على أجواء سوريا. هنا لعبت ـ على الأرجح ـ صواريخ «تاو» المضادّة للمدرعات التي تستخدمها فصائل المعارضة السورية مؤخراً، دوراً في منع قوات النظام من تحقيق مكاسب عسكرية برية. ويمكن تصوّر أن السعودية سلمت هذه الصواريخ إلى فصائل المعارضة السورية، بتسهيل لوجستي تركي، والأهم طبعاً بموافقة أميركية. كما أن إحجام واشنطن حتى الآن عن تزويد فصائل المعارضة بالصواريخ المحمولة المتطورة المضادة للطائرات، والتي يمكنها نظرياً تكبيد روسيا خسائر في الطائرات، يعني أن إدارة أوباما راغبة في إبقاء خياراتها مفتوحة بالتصعيد أو التهدئة. باختصار، جرى «لقاء فيينا» على خلفية نجاح روسي جوي مشوب بعدم تقدم واضح على الأرض وبدء النافذة الزمنية للعمليات في الإنغلاق تدريجياً، وأيضاً على خلفية ورطة أميركية سعودية تركية في قلب التوازنات الجديدة على الأرض في سورية، ناهيك عن إسقاط النظام.
الخلاصة
كان «اجتماع فيينا» لقاء الضرورة لكل الأطراف، بحيث يصلح لأن يكون بداية للحل أو محطة للتصعيد. ونظراً لأن روسيا تريد إخراج حل سياسي يضمن مصالحها ويرضي الأطراف الإقليمية في الوقت ذاته، فقد تضمن «اجتماع فيينا» منطقياً أفكاراً روسية جديدة للحل تعطي للأطراف الأخرى بعض ما تريد، وهو ما يبرر موافقة الدول الثلاث أميركا والسعودية وتركيا على عقد الاجتماع مع روسيا. يعي بوتين أن بشار الأسد لا يمكنه البقاء في السلطة إلى الأبد، بعد ما يقارب الخمس سنوات من الحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها مئات الألوف من السوريين وملايين النازحين خارج سوريا. لذلك يسعى الرئيس الروسي إلى تسوية سياسية بين الأطراف الإقليمية المتصارعة، أي إلى حلول وسط تسمح بمرحلة انتقالية يكون الأسد طرفاً فيها، مع إعطاء تعهد روسي بخروجه من السلطة في نهايتها، ومع ضمانات روسية تتعلق بسلامته وعدم ملاحقته قضائياً.
يقول منطق المرحلة إنه لا يمكن للدول الإقليمية التي لم تفلح في إسقاط النظام السوري عسكرياً أن تجبر روسيا على رحيله الفوري. وفي المقابل، لا يمكن لروسيا الاحتفاظ به للأبد. تدور المرحلة الحالية من المفاوضات الرباعية حول المدى الزمني للمرحلة الانتقالية التي يكون بشار الأسد جزءاً منها: ستة شهور أم سنة أم سنة ونصف أم غير ذلك. ولعل تصريحات وزير الخارجية السعودي حول ضرورة خروج بشار الأسد من السلطة لحل الأزمة السورية، مؤشر على أن المطروح للتفاوض الآن هو مدة المرحلة الانتقالية التي يكون بشار الأسد جزءاً منها، وبالتالي تريد الرياض عبر تصريحات وزير خارجيتها الضغط ديبلوماسياً لتقليل زمن الفترة الانتقالية.
في السياق ذاته يمكن فهم تصريحات وزير الخارجية الفرنسي الخاصة بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن يندد باستخدام النظام البراميل المتفجرة ضد المدنيين، لأن ذلك الأمر من شأنه في حال إقراره غلق الباب على إمكانية خروج بشار بضمان سلامته وعدم ملاحقته قضائياً كما تريد روسيا. وحتى مع استخدام روسيا لحق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع القرار الفرنسي إن حدث، فسيعني ذلك أن الجهود الروسية للتسوية السياسية ستتعرّض للعرقلة، ما يجعل عامل الوقت يلعب في غير مصلحة موسكو. لننتظر وسنرى.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف