مضى 157 يوماً على العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، وما زال المواطنون يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، وأمراضاً تتفشى، ويعانون من تبعات الحصار المشدد، خاصة في ظل شهر رمضان.
"الأيام" واصلت نقل مشاهد جديدة من العدوان، إذ رصدت حالة الغلاء الفاحش في الأسواق خلال الشهر الفضيل، كما وثقت أوضاع مجمع ناصر الطبي بعد انسحاب قوات الاحتلال منه، حيث لا يزال خارج الخدمة، إضافة إلى مشهد تحت عنوان "أزمة في الطاقة البديلة"، ومشهد أخير يرصد الحصار المالي المشدد المفروض على قطاع غزة، منذ بدء العدوان.

غلاء فاحش في الأسواق
شهدت أسواق قطاع غزة ارتفاعاً كبيراً جداً على أسعار السلع الغذائية، مع دخول شهر رمضان، إضافة إلى اختفاء العديد من الأصناف التي كانت متوفرة سابقاً، وشح في سلع أخرى.
اكتظت الأسواق في محافظة رفح بعدد كبير من المواطنين الباحثين عن المواد الغذائية الشحيحة والنادرة، خاصة الدجاج، والخضراوات، واللحوم، التي قفزت أسعارها على نحو مفاجئ، بحيث وصل ثمن كيلو لحم الأغنام إلى 160 شيكلاً، بينما تهافت مواطنون على محال الدواجن التي وصلتها كميات قليلة من الدجاج المجمّد، بينما يباع الدجاج في الأسواق السوداء مقابل 80 شيكلاً لكل دجاجة، لا يزيد وزنها على كيلوغرام واحد.
وقال المواطن إبراهيم عودة: إنه توجّه إلى السوق في أول وثاني أيام رمضان، لشراء ما يطعم به أبناءه، فوجد أسعاراً فلكية لا طاقة له بها، موضحاً أن ثمن كيلو الملوخية الخضراء وصل إلى 25 شيكلاً، والخضراوات باتت شحيحة وأسعارها عالية، وغير منطقية، فحتى الأرز وصل ثمن الكيلو منه إلى 35 شيكلاً، وهو شحيح، أما السكر فكان مفقوداً في الأسواق، وزيت الطعام يباع بعشرة أضعاف ثمنه.
وأوضح أنه عاد إلى خيمته دون شراء شيء، وطلب من زوجته أن تُعد وجبة إفطار من المعلبات المتوفرة لديهم، والتي تسلمها كمساعدات إغاثية.
وأكد أنه لن يعود للسوق مجدداً، فالأسواق باتت مخصصة لطبقة الأثرياء، ومتوسطو الدخل والفقراء لا يمكنهم شراء شيء، وليس لهم سوى فتات المساعدات التي يتسلمونها على فترات زمنية متباعدة.
وأضاف عودة: بات جدول الطعام اليومي في رمضان، معلبات فول أو حمص على السحور، ومعلبات بازيلاء أو فاصوليا، مع لحم دجاج معلب "لانشون" على الفطور، مع غياب كامل لأي نوع أو شكل من أشكال الحلوى، وهكذا.

مجمع ناصر الطبي خارج الخدمة

ما زال مجمع ناصر الطبي، أحد أكبر مستشفيات جنوب قطاع غزة، خارج نطاق الخدمة تماماً، بعد احتلاله وتدمير جزء من مبانيه، وتخريب أقسامه.
ولم يكتفِ الاحتلال بتدمير المستشفى، واعتقال العشرات من الكوادر الطبية داخله، فوفق الناطق باسم وزارة الصحة في غزة، أشرف القدرة، فإن الاحتلال أفسح المجال لمن سمّاهم "العملاء والمأجورين" لإحداث تخريب ودمار ونهب لمجمع ناصر الطبي، إذ وصل هؤلاء إلى المجمع من أمام الدبابات وتحت نظر القناصة، كما أن الاحتلال منع وصول الطواقم الطبية والإدارية إلى المجمع ورفض المطالبات المتكررة بوجود ممرات آمنة.
وتسببت هجمات اللصوص في سرقة معدات طبية من قسم الهندسة والحاسوب في المجمع، وإحراق أقسام مهمة في المجمع، وتدمير بعض المرافق.
وأدى خروج المجمع عن الخدمة إلى خلق أزمة صحية كبيرة في مناطق جنوب قطاع غزة، فإضافة إلى تسببه بضغط كبير وغير مسبوق على ما تبقى من مستشفيات عاملة جنوب القطاع، يضطر مواطنون ومسعفون إلى نقل الجرحى وجثامين الشهداء من مناطق وسط وغرب محافظة خان يونس، باتجاه مستشفى النجار في رفح، أو مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح.
وقال أطباء وممرضون يعملون في مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار: إن المستشفى يستقبل يومياً عشرات الضحايا القادمين من مناطق غرب محافظة خان يونس، إذ يتسبب طول مسافة نقلهم، التي تزيد على 15 كيلومتراً، مع وجود زحام شديد، في تدهور الحالة الصحية لبعض الجرحى، بل واستشهاد بعضهم.
وبدأ عشرات الشبان المتطوعين بحملة تنظيف واسعة لمجمع ناصر الطبي، شملت إزالة الركام، وتهيئة المداخل، وإعادة تنظيم الأقسام، وإغلاق بعض الفتحات التي أحدثتها قذائف الدبابات في الجدران، على أمل أن تتمكن جهات الاختصاص من إعادة تشغيل المجمع ولو بصورة جزئية.

أزمة في الطاقة البديلة

هناك توجه كبير وغير مسبوق من قبل المواطنين لشراء وتوفير أنظمة طاقة بديلة، منها البطاريات ومتعلقاتها، وأنظمة الطاقة الشمسية. فالتوجه لشراء هذه الأنظمة بات ضرورة ملحة للجميع، في ظل استمرار انقطاع الكهرباء عن قطاع غزة منذ أكثر من خمسة أشهر، وتدمير شبه كلي لشبكات وخطوط الكهرباء في القطاع، ما يعني أنه حتى لو انتهت الحرب، فإن إعادة ترميم الشبكات، ووصول الكهرباء للمواطنين سيستغرق وقتاً طويلاً جداً.
ويرافق هذا التوجه شح كبير في كافة متعلقات الطاقة البديلة، سواء بطاريات، أو ألواح طاقة شمسية، أو أجهزة للشحن، مع ارتفاع أسعارها على نحو كبير وغير مسبوق.
وذكر المواطن خالد موسى أنه بعد أن شعر أنّ أزمة الكهرباء ستطول، بدأ بالبحث عن أنظمة بديلة، واشترى بالفعل خليتين للطاقة الشمسية، وكان ينوي تركيب نظام متكامل، لكنه صدم بنفاد البطاريات، وعدم توفر أجهزة الطاقة الشمسية، ما اضطره لتركيب جهاز صغير، ليقوم فقط بشحن بطاريتين متوسطتين لاستخدامات الإنارة، وشحن الهواتف النقالة.
وبيّن أنه ينتظر سطوع الشمس كل يوم، حيث تبدأ الخلايا بإنتاج الكهرباء، فيقوم بشحن البطاريتين، وفي اليوم التالي يكرر نفس العملية، وهكذا.
من جهته، قال المواطن محمود عيد: إنه كان يعتمد في السابق على مولدات الأحياء لإمداده بالطاقة وقت انقطاع الكهرباء، لكن مع بدء العدوان بدأ بالبحث عن خلية شمسية، وبطارية، وجهاز لشحنها، وبعد معاناة وبحث مريرَين، وجد ضالته، واشتراها بثلاثة أضعاف ثمنها الأصلي، ويقوم كل يوم بشحن البطارية عبر نظام طاقة شمسية، ويستخدمها في الليل للإنارة.
وبات مشهد ألواح الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، التي تستخدم في شحن البطاريات، منتشراً في جميع أنحاء محافظة رفح، إذ توضع بعضها أمام خيام، وأخرى على ظهر مركبات، وبعض الألواح يتم وضعها على نوافذ المنازل، إذ باتت الطاقة الشمسية المصدر الوحيد للتيار الكهربائي في القطاع المحاصر.

حصار مالي مشدد

يترافق العدوان الإسرائيلي المستمر مع حصار مالي مشدد وغير مسبوق على قطاع غزة، منع الاحتلال بموجبه تحويل الأموال من الخارج، عبر شركات عالمية متخصصة في الحوالات المالية، مثل "ويسترن يونيون" و"مونيغرام".
وعانت جراء هذا الحصار آلاف العائلات في قطاع غزة، التي كانت تعتمد في معيشتها على مساعدات مالية منتظمة، يرسلها الأبناء والأقارب لها من الخارج، وفي السابق كانت تصل تلك الأموال بسهولة، إلى أن جاء العدوان وتوقفت هذه الحوالات.
وأشار المواطن ياسر عابد إلى أن ابنه الذي يعمل طبيباً في إحدى الدول الأوروبية، يحوّل له شهرياً مبلغ 400 دولار يعتاش به وباقي العائلة، ولولا هذا المبلغ لواجهوا فقراً مدقعاً، لكن منذ بداية العدوان توقف التحويل، رغم محاولات ابنه المتكررة لإرسال الأموال لهم.
ولفت إلى أنه تسلم المبلغ مرة واحدة، بعد أن حوله إلى قريب لهم في القاهرة، ونقله الأخير خلال عودته إلى غزة، ومنذ ذلك الحين يعيشون ظروفاً صعبة، خاصة أنهم نزحوا عن منزلهم في مدينة غزة، ويعيشون في خيمة غرب رفح.
وأكد أن الحصار المالي يفتك بالفقراء، ويجعل حياتهم تزداد صعوبة في ظل النزوح والتشريد.
أما المواطنة إيمان عطا الله، فقالت: إنها تعيش وزوجها وابنتها على المساعدة المالية التي يرسلها نجلها من تركيا، وبعد الحرب توقفت هذه الحوالات، وبات وضعهم صعباً للغاية، وتوسلت لابنها أن يجد طريقة لتحويل المبلغ، حتى استطاع فعل ذلك من خلال مكتب صرافة في تركيا، يتعامل مع مكتب في غزة، وجرى تسليم المبلغ للمكتب في تركيا، وتسلمته هي من غزة، من خلال نظام يسمى "التحويل الأسود".
وبينت أن المكتبين خصما ثلاثة عمولات وصلت في مجموعها إلى أكثر من 15% من إجمالي المبلغ، فالخصم الأول أخذه المكتب في تركيا من ابنها، والثاني خصمه مكتب غزة، والثالث خسرته جراء تحويل المبلغ من عملة الدولار إلى الشيكل بالسعر الذي حدده مكتب الصرافة، رغم أن هذا المبلغ أقل بكثير من سعر صرف الدولار في السوق.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف