دخل العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، أمس، يومه الـ159 على التوالي، مع تواصل القصف والغارات، واتساع رقعة المجازر، بينما وصلت المعاناة إلى ذروتها جراء الحصار والجوع، وانتشار الأمراض.
"الأيام" واصلت نقل مشاهد حية من قلب العدوان والأزمات الإنسانية التي تفتك بقطاع غزة، منها مشهد يوثق ارتفاع عدد الشهداء من الباحثين عن الطعام شمال القطاع إلى 400 شهيد، ومشهد آخر يرصد العراقيل الإسرائيلية المصطنعة لتقليل وصول المساعدات للقطاع، ومشهد ثالث تحت عنوان: "نسف أبراج حمد.. مئات العائلات أصبحت بلا مأوى"، ومشهد رابع يرصد حالة الاستياء من جموع المواطنين، جراء آلية توزيع السلع الشحيحة في الأسواق.

400 شهيد من الباحثين عن الغذاء
يواصل الاحتلال استهداف الباحثين عن الغذاء في مناطق شمال قطاع غزة، خاصة عند دواري "النابلسي"، و"الكويت"، حيث يتدفق الجوعى إلى المنطقتين، ويقضون ساعات طويلة، بانتظار وصول الشاحنات، للحصول على الطحين والمواد الغذائية.
وفي عشرات الحوادث المتتابعة، استهدفت الدبابات والطائرات الإسرائيلية المُسيّرة، جموع الجائعين، وقتلت المئات منهم، فوفق آخر إحصاء صدر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد ارتفعت حصيلة الضحايا من الباحثين عن لقمة العيش، إلى 400 شهيد، و1300 مصاب، أغلبهم سقطوا قرب المنطقتين المذكورتين، وجرى استهدافهم بشكل متعمّد ومقصود.
وقال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة سلامة معروف، إن الاحتلال يُصرّ على استهداف الباحثين عن لقمة عيش أولادهم لسد جوعهم، ويُمعن في سياسة تجويع المواطنين، لاسيما في شمال قطاع غزة، الذي يعاني من معالم مجاعة حقيقية، في ظل انعدام تام لغالبية المواد والسلع الأساسية، وشح كبير في المساعدات.
وأكد معروف أن ما يقوم به جيش الاحتلال من استهداف للمواطنين المنتظرين للمساعدات، يثبت زيف كل الحديث عن محاولات التخفيف من واقع المعاناة شمال القطاع، ويؤكد أن سياسة التجويع هي عنوان مخطط الاحتلال حالياً، إلى جانب ما يقوم به من جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
وبيّن معروف أن ما يُشجّع الاحتلال على المضي قدماً في هذه الجريمة، هو رضوخ المجتمع الدولي لإملاءاته، وعدم جديته في إنهاء معاناة سكان قطاع غزة، عبر وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات بشكل كافٍ.

عراقيل إسرائيلية لتقليل وصول المساعدات
يستمر بطء وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بفعل مجموعة كبيرة من العراقيل الإسرائيلية المصطنعة والمتعمدة، والتي تهدف إلى إبقاء الوضع على حاله في القطاع، وتعميق المجاعة المستمرة.
فمنذ بداية العدوان الإسرائيلي اشترط الاحتلال تفتيش وتدقيق المساعدات والبضائع قبل دخولها من معبر رفح، إذ يتم نقل الشاحنات المحملة بالمساعدات إلى معبري كرم أبو سالم، والعوجا، وتفتيشها بشكل دقيق، ومن ثم السماح لها بالمرور، ويومياً يدخل القطاع بين 100 و120 شاحنة فقط، وفي كثير من الأيام ينخفض عدد الشاحنات لأقل من نصف الكمية المذكورة، مع العلم أن حاجة السكان تزيد على 500 شاحنة يومياً.
وذكرت مصادر مطلعة لـ"الأيام"، أن عمليات تفتيش السلع والبضائع على المعبرين تستغرق وقتاً طويلاً، وهناك آلاف السلع يمنع الاحتلال وصولها للقطاع، منها أجهزة طبية، وأجهزة كهربائية، وبطاريات، وغيرها، وجميعها وضعت في مخازن تابعة للهلال الأحمر المصري في مدينة رفح المصرية، بعد رفض الاحتلال وصولها إلى غزة.
وأكدت المصادر ذاتها أنه وإضافة إلى المنع المذكور، يسمح الاحتلال للمستوطنين بالتظاهر عند معبر كرم أبو سالم، ويمنعون دخول شاحنات المساعدات إلى غزة، ما يقلّص من عدد الشاحنات التي تصل يومياً.
وأشار المفوض العام لـوكالة الغوث "الأونروا" فيليب لازاريني، إلى أن كل الناس في غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية، من أجل البقاء على قيد الحياة، ويدخل القليل جداً منها، بينما تزداد القيود.
وعلى سبيل المثال قال لازاريني، إنه تم رفض إدخال شاحنة محملة بالمساعدات لأنها كانت تحتوي على مقص يستخدمه الأطفال.
ووفق لازاريني يضاف المقص الطبي الآن إلى قائمة طويلة من المواد المحظورة، التي تصنفها سلطات الاحتلال على أنها "ذات استخدام مزدوج"، وتشمل القائمة مواد أساسية ومنقذة للحياة، منها أدوية التخدير، والأضواء التي تعمل على الطاقة الشمسية، وأسطوانات الأكسجين، وأجهزة التنفس الاصطناعي، إلى جانب أقراص تنظيف المياه، وأدوية السرطان، ومستلزمات الأمومة.

نسف أبراج حمد
ركّز الاحتلال على تدمير مدينة حمد التي تقع شمال شرقي محافظة خان يونس، وحوّل مبانيها وأبراجها الجميلة، إلى أكوام من الركام.
فخلال اليومين الماضيين، عملت فرق هندسية بجيش الاحتلال على وضع متفجرات داخل الأبراج الكبيرة، التي بنيت حديثاً بتمويل قطري، وجرى نسفها واحداً تلو الآخر، حيث سمع دوي انفجارات كبيرة، وشوهدت ألسنة الدخان الكثيف تتصاعد من قلب المدينة المحتلة.
وخلّفت عمليات النسف المتواصلة، آلاف المهجرين المشردين، ممن أصبحوا بلا مأوى، إذ يقيم معظمهم في خيام، بمنطقتي مواصي خان يونس، وغرب مدينة دير البلح.
وقال المواطن أحمد طه، إنه علم بأن البرج الذي يقيم فيه دُمر عن آخره، وأصبح هو وعائلته مهجرين لا مكان يؤويهم، فالأمر لم يتوقف على تدمير البرج، فشقته التي أسسها وزوجته بالتعب والكد والعرق، تحوي أثاثه، وملابس أبنائه، وكل شيء يمكن أن يعينهم على رحلة النزوح.
وأوضح طه أنه حُوصر وعائلته ليومين في الأبراج، ولم يُسمح له ولباقي المواطنين باصطحاب أي شيء خلال خروجهم، فقد خرجوا بملابسهم التي يرتدونها فقط، وتركوا كل شيء.
بينما قال المواطن إبراهيم جودة، إن الأمر ليس مجرد بنايات دُمرت، فكل شقة في مدينة حمد حصل عليها أصحابها بعد كد وتعب، وأثثوها بالقروض والديون، والآن كل شيء تبخر.
وتساءل جودة أين سيذهب هو وجيرانه؟، وفي أي مكان سيقيمون؟، وما هو مستقبل أبنائهم؟، مؤكداً أنه بات يفكر جدياً بالهجرة من قطاع غزة برفقة عائلته، إلى أي مكان في العالم، فلم يعد هناك شيء يمكن أن يبقيه في القطاع.
ولأول مرة في تاريخ حروب قطاع غزة، يعتمد الاحتلال سياسة تدمير وهدم المنازل بهذا الشكل الواسع، إذ دمر أكثر من 70% من مباني ومنازل محافظة خان يونس، بعد نسفها بالمتفجرات والديناميت.

استياء من آلية توزيع السلع الشحيحة
تسود حالة من الاستياء صفوف المواطنين، جراء سياسة توزيع السلع والمواد الغذائية في الأسواق، والتي لا تتيح لغالبية المواطنين الحصول على احتياجاتهم، وتمكّن بعض الباعة من التلاعب في عمليات البيع.
فوفق الآلية المعتمدة حالياً، يتم جلب السلع الغذائية من مصر بكميات محدودة، وتوزيعها على بعض المتاجر ونقاط البيع، والإعلان عن بيعها بأسعار محددة، غالباً تبلغ أضعاف أسعارها القديمة، ويصطف الناس في طوابير طويلة على أمل الحصول على السلعة، غير أن أغلبهم يغادرون دون ذلك.
وأكد مواطنون أن الآلية الحالية غير واضحة، وتسهم في تسريب كميات كبيرة من السلع للسوق السوداء، وتتيح للتجار التلاعب في عمليات البيع، إذ قال المواطن محمود عامر، إنه توجه إلى إحدى نقاط البيع للحصول على زيت الطعام، وبعض السلع، وبعد انتظار خمس ساعات، فوجئ بأن البائع وضع "باكيج سلع" مغلقاً، وأجبر الناس على شرائه مقابل 100 شيكل، وحين طلب منه ما يحتاج من السلع، قال له لا يوجد بيع مجزأ، المتوفر فقط هذا "الباكيج".
وأشار إلى أنه حين عاد للمنزل، وجد في "الباكيج" الزيت، والفستق، والميرمية، والبابونج وغيرها، موضحاً أن 30% مما وضع في هذا "الباكيج" يحتاجه، و70% أُجبر على شرائه، وهذا قمة الظلم والاستغلال.
بينما قال المواطن محمود نصر الله، إنه وقف في طابور طويل للحصول على دجاجتين، بسعر 60 شيكلاً، وهو أعلى من ثمنها الحقيقي، وبعد 5 ساعات من الانتظار، أخبرهم البائع أن الدجاج نفد، وطلب منهم المغادرة، لكنه بعد قليل شاهد الدجاج يباع في السوق السوداء مقابل 80 شيكلاً للدجاجة الواحدة.
وتساءل نصر الله كيف تم تسريب الدجاج، وبيعه في السوق السوداء، وهل من رقابة على نقاط التوزيع، مطالباً بتشكيل لجنة من أكفاء ومخلصين، لتتولى عملية بيع السلع للناس، بعيداً عن القائمين على العملية حالياً، والذين فشلوا في إدارة الأزمة، وزادوا من معاناة المواطنين.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف