
- تصنيف المقال : شؤون فلسطينية
- تاريخ المقال : 2024-03-15
ما زال العدوان الإسرائيلي مستمراً على قطاع غزة لليوم الـ160 على التوالي، مخلفاً آثاراً على كافة مناحي الحياة، في حين تتواصل عمليات جيش الاحتلال في قلب محافظات القطاع، مصحوبة بتدمير واسع وممنهج للأحياء السكنية، واستهداف للمواطنين والنازحين.
"الأيام" نقلت مشاهد جديدة من قلب العدوان والحصار، ورصدت مشهداً يوثق كيف يقضي المواطنون شهر رمضان في ظل القصف والخوف، ومشهداً آخر يرصد استهداف الاحتلال لمقار المساعدات التابعة للأمم المتحدة، ومشهداً ثالثاً يُسلّط الضوء على استمرار منع الاحتلال الطواقم الصحافية من الوصول إلى قطاع غزة، ومشهداً رابعاً تحت عنوان: "نساء مُعيلات".
إفطار وسحور على دوّي الانفجارات
شكّل قدوم شهر رمضان المبارك بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، تحدياً للمواطنين، الذين يحاولون قدر المستطاع التعايش مع الواقع الصعب الذي تسبب به العدوان.
فقد فرض العدوان نفسه على كل طقوس وتفاصيل الحياة في شهر رمضان، بحيث بات المواطنون يتسحرون على وقع الانفجارات، ويُفطرون على أصوات الغارات وأزيز الطائرات، وما بينهما يقضون يومهم بين غارة هنا، وتوغل هنا، ونزوح مستمر.
وقال المواطن عبد الرحمن يعقوب، إنه منذ العام 2014، عايش ثلاث حروب تزامنت مع شهر رمضان، لكنه لم يشهد أصعب من الحرب الحالية، التي رافقها نزوح، وخوف، وشهداء بالعشرات يومياً، فلم يحترم الاحتلال حرمة الشهر الفضيل، ولم يراعِ حال الناس في رمضان.
وأوضح يعقوب، الذي يقيم وعائلته في خيمة غرب مدينة رفح، بعد أن نزح من مدينة غزة أوائل شهر تشرين الثاني الماضي، أن الخوف والقلق يتسلل لكل تفاصيل حياتهم، فيتسحرون في خيمتهم على وقع الانفجارات، ويجتمعون على مائدة الإفطار وهم متأهبون لقصف جديد قد يُشن في أي لحظة.
وأكد أن الحرب أفقدتهم الكثير من طقوس شهر رمضان، وسلبت منهم عاداته الجميلة، التي اعتادوا عليها في هذا الشهر، كما منعهم العدوان من زيارات الأقارب والأحبة، والتواصل مع الجيران.
من جهته، قال المواطن باسم خضر، إن شهر رمضان تزامن مع أصعب فصول العدوان، وهو التهديد المتصاعد باجتياح رفح، فنحو 1.5 مليون شخص في المدينة يتأهبون لحدوث الأسوأ، ولا يعلمون أين سيذهبون، وإلى أي مكان قد ينزحون.
وبيّن خضر أن المواطنين يقضون شهر رمضان في ظل أجواء من الخوف والقلق، ويفتقدون الشعور بالأمان، كما يفتقدون المأكل والمسكن الجيد.
استهداف مقرّات المساعدات
تستمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بصورة متواصلة منذ 160 يوماً، مُستهدفة كافة مناحي الحياة، لكن الأخطر استهداف مقرات تستخدم لتوزيع المواد الغذائية على المواطنين والنازحين الجوعى، كما حدث ظهر أول من أمس.
فبينما كان مئات المواطنين يتوقفون في طابور طويل أمام وداخل أكبر مراكز توزيع المساعدات التابعة لوكالة الغوث "الأونروا"، وسط محافظة رفح، أطلقت طائرات إسرائيلية مسيّرة صاروخاً على المواطنين، ما تسبب بسقوط خمسة شهداء، بينهم موظف تابع لوكالة الغوث، وجرح 22 آخرين.
القصف الإسرائيلي الذي وصف بالخطير، خلّف حالة من الخوف والهلع، ودفع المواطنين إلى مغادرة المركز، وبدد أي شعور بالأمان يمكن أن توفره المؤسسات التابعة للأمم المتحدة داخل قطاع غزة.
وأشار المواطن محمد شاهين، إلى أنه كان يقف في طابور طويل منتظراً دوره للدخول إلى مركز تموين رفح "الوير هاوس"، وفجأة دوّى انفجار كبير، وشاهد الناس يخرجون من المركز مضرّجين بدمائهم، والبعض تم حمله في مركبات عمومية.
وذكر شاهين أنه ذُهل من هول ما رأى، ولم يصدق أن هذا القصف حدث داخل مركز تُرفع عليه أعلام الأمم المتحدة، فقرر حينها العودة إلى البيت، ولا يريد استلام حصته من المساعدات.
بدوره، قال المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني: "إن الهجوم على أحد مراكز التوزيع القليلة المتبقية التابعة للأونروا في قطاع غزة، يأتي في الوقت الذي تنفد فيه الإمدادات الغذائية، وينتشر الجوع على نطاق واسع، وفي بعض المناطق، يتحول الأمر إلى مجاعة".
وأضاف: "كل يوم، نشارك إحداثيات جميع منشآتنا في كافة أنحاء قطاع غزة مع أطراف النزاع، وقد تلقى الجيش الإسرائيلي الإحداثيات، بما في ذلك إحداثيات هذه المنشأة يوم أمس" قبل القصف بـ24 ساعة.
ومنذ بدء الحرب قبل خمسة أشهر، سجلت "الأونروا" عدداً غير مسبوق من الانتهاكات ضد موظفيها ومرافقها، يفوق أي نزاع آخر في جميع أنحاء العالم، حيث قُتل ما لا يقل عن 165 من العاملين في الوكالة، منهم من قتلوا أثناء تأدية مهام عملهم، بينما أصيب أكثر من 150 مرفقاً من مرافق الأونروا، بعضها دمر تدميراً كاملاً، ومن بينها العديد من المدارس؛ كما قُتل أكثر من 400 شخص أثناء لجوئهم تحت علم الأمم المتحدة؛ وفق المفوض العام.
منع الصحافيين من الوصول لغزة
يواصل الاحتلال منع الطواقم الصحافية الأجنبية والعربية، من دخول قطاع غزة، لتغطية الحرب الدائرة.
ومنذ بدء العدوان لم يسمح الاحتلال بدخول أي من الطواقم الصحافية من المعابر، رغم تقديم عشرات الطلبات من قبل مؤسسات إعلامية مختلفة، بينما قتلت قواته نحو 133 صحافياً يعملون في مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية. كما دمّر الاحتلال العشرات من المقار الإعلامية، واستهدف بنايات وأبراجاً توجد بها مكاتب صحافية.
ويعاني الصحافيون العاملون في قطاع غزة، من مشاكل عدة، أبرزها صعوبات التنقل، وضعف خدمات الاتصالات والإنترنت، وانقطاعها لفترات طويلة، إضافة إلى المخاطر التي يواجهونها، ورفض الاحتلال منحهم أي حصانة.
وقال رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، سلامة معروف، إن منع الطواقم الصحافية من الوصول إلى غزة، انتهاك صريح وواضح لحرية الرأي والتعبير، ويؤكد أن الاحتلال - كما هي عادته - يسعى إلى ارتكاب جرائمه بعيداً عن الشهود وأعين الكاميرات، لذلك يمنع دخول الصحافيين الأجانب، ويستهدف الصحافيين الفلسطينيين، بشتى الوسائل.
وشدد معروف على ضرورة أن تكون بوابة معبر رفح خياراً مواتياً لوسائل الإعلام والطواقم الصحافية لدخول قطاع غزة وتغطية العدوان، مطالباً كافة المؤسسات والهيئات المعنية بحرية الرأي والتعبير، بإدانة قرار الاحتلال، والضغط لتسهيل دخول الإعلام الدولي إلى قطاع غزة.
ودعا وسائل الإعلام الدولية إلى كسر حاجز المنع الإسرائيلي، على دخول قطاع غزة، ونقل مجريات العدوان على الأرض، مستنكراً حالة الصمت على قرار الاحتلال منع دخول طواقم الصحافة الأجنبية إلى قطاع غزة للشهر السادس.
نساء مُعيلات
فرضت ظروف الحصار والفقر الشديد الذي يعصف بالمواطنين في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، على المئات من النساء تولي مهام جديدة، لم يعتدن على توليها في السابق.
فقد تحول الكثير من الأمهات والزوجات، إلى معيلات لأسرهن، إما لمساعدة أزواجهن، أو ليتولين المسؤولية الكاملة لإعالة الأسرة، بعد استشهاد الزوج، أو فقدانه.
وذكرت المواطنة أم إبراهيم فرحات، أنها نزحت من محافظة غزة في شهر كانون الأول الماضي، وذلك بعد أيام من استشهاد زوجها.
وبينت أنها أقامت مع أبنائها الخمسة وأكبرهم لم يتجاوز الثامنة من عمره في خيمة، واعتمدت لفترة على المساعدات الغذائية الشحيحة، لكن عائلتها عانت الفقر الشديد، فبدأت تفكر جدياً بالبحث عن عمل، حتى اهتدت إلى فتح بسطة صغيرة، وبيع المعلبات، والمواد الغذائية.
وأشارت إلى أنها تشتري المعلبات من بعض المواطنين، وأغلبها عبارة عن مساعدات، يبيع المستفيدون جزءاً منها، ثم تبيعها للمواطنين، وتحقق دخلاً بسيطاً، يمكن أن يساعدها في توفير متطلبات أسرتها.
وأكدت أن ظروف الحياة في ظل العدوان صعبة وقاسية، فأغلب الأشياء مفقودة، وما هو متوفر أسعاره عالية جداً، وهي تحاول جاهدة أن توسع بسطتها، وتجلب أشياء جديدة، لعلها تُحسن دخلها، ما يمكنها من تحسين أوضاع عائلتها، وشراء بعض الخضراوات التي لم تدخل خيمتها منذ شهرين.
أما المواطنة النازحة من محافظة خان يونس "أم أيمن"، فقالت إن زوجها فُقد منذ حوالى الشهر، إذ توجه للمنزل الواقع في مركز المحافظة لجلب أغطية وملابس لأبنائه، ومنذ ذلك الحين فقد ولم يعد.
وأوضحت أنها وبعد مدة، قررت أن تتولى مسؤولية عائلتها، وتعمل على توفير احتياجاتهم، فاشترت بعض المواد، وبدأت بصنع معجنات في خيمتها غرب محافظة رفح، منها قطع "بيتزا"، و"مناقيش الزعتر"، وتجلس عند الزحام وتبيع ما صنعته.
وشددت على أن عملها شاق، جزء منه يتم في الخيمة، والآخر في الشارع، وتقضي يومياً ساعات طويلة حتى تحصل على قمة العيش، آملة بأن يعود زوجها المفقود، ليتولى المسؤولية الثقيلة.


