في يوم الثلاثاء الماضي انطلقت سفينة "اوبن ارمز" من قبرص إلى قطاع غزة وعلى متنها 200 طن من المواد الغذائية والأدوية.
الحمولة التي كانت تحملها اجتازت فحوصا دقيقة في ميناء لارنكا، لكن البشرى التي يمكن أن تجلبها معها إلى مئات آلاف سكان غزة ما زالت بعيدة عن التنفيذ.
القصد هو إنزال الحمولة في البحر ونقلها بوساطة قوارب صغيرة إلى شاطئ غزة.
لكن من غير الواضح من سينزل الحمولة وأين سيتم تخزينها ومن سيوزعها ومن سيحميها. حتى تصريح الرئيس الأميركي عن نية إقامة محطة مؤقتة، ستنتظر شهرين على الأقل إلى أن تصل أجزاؤها ويتم تركيبها وتتحول إلى رصيف يكون بالإمكان إنزال الحمولات عليه.
في غضون ذلك لا يوجد للإدارة الأميركية أي حلول للصعوبات اللوجستية والتشغيلية المعقدة التي سترافق عملية النقل، هذا في الوقت الذي فيه الأمم المتحدة تعتبر الوضع في القطاع "جوعا شديدا" وقضية المساعدات الإنسانية تتطور وتصل إلى أزمة استراتيجية.
الرئيس الأميركي أوضح أن إقدام جنود الجيش الأميركي لن تطأ أرض غزة. لكن رغم تصريحاته فإن أحدا ما يجب عليه ربط المحطة بالشاطئ وحماية طواقم الهندسة الأميركيين، وبالأساس تسلم المساعدات وتوزيعها على المحتاجين.
بدلا من ذلك فإن الإدارة الأميركية تبحث عن شركات خاصة يمكنها تنفيذ المشروع، بالأساس الحصول على تمويل كاف لتشغيله. إحدى الشركات هي شركة "فوغ بو" التي هي بملكية رجال مخابرات أميركيين سابقين. رئيسها هو سام ماندي، وهو جنرال سابق في المارينز وكان مسؤول عن القوات في الشرق الأوسط، ونائبه ميك مالروي، رجل سابق في الـ سي.آي.ايه ومستشار لوزير الدفاع. هذه الشركة عملت في السابق بنشاطات مشابهة في أرجاء العالم، والآن بدأت تبحث عن مصادر تمويل في دول عربية مثل اتحاد الإمارات وفي دول أوروبية أيضا، وهي تنوي تأسيس صندوق خاص لتجنيد التبرعات.
التمويل هو شرط أساسي لتشغيل مشروع المساعدات للقطاع لأن الإدارة لا يمكنها فعل ذلك، بالأحرى دون مناقصة يجب أن تتنافس فيها شركات، إذا وجدت مثل هذه الشركات.
لكن حتى لو تم حل موضوع التمويل فإن الصعوبات التي تنتظر المشروع لن تختفي.
أي شركة تعمل في نقل المساعدات ستكون بحاجة إلى حماية فضاء المحطة والمخازن التي سترسل إليها المساعدات في المرحلة الأولى. حسب معرفتنا إسرائيل وافقت على توفير دائرة الحماية الخارجية الموجودة في محيط المحطة، بصورة تمنع المدنيين والمجموعات المسلحة (أعضاء حماس أو تنظيمات أخرى) من الوصول إليها والانقضاض على الشحنات. لكن حتى الآن غير معروف من الذي سيكون مسؤولا عن المساعدات في الطريق من المحطة إلى المخازن ومنها إلى السكان.
مصدر إسرائيلي مطلع قال للصحيفة إن النية هي إلقاء هذه المهمة على قوات فلسطينية محلية غير مسلحة. ولكنه أضاف "حتى الآن لم يتم حل قضية توفير الحماية وكيف سيتم منع أحداث تشبه الحادثة قبل أسبوعين التي قتل فيها 113 شخصا عندما اندفع الناس إلى قافلة المساعدات".
إحدى الطرق التي يتم فحصها هي أن تلقى المسؤولية على الشركة الفلسطينية الخاصة "بديكو غزة"، التي عملت في بناء المنطقة الصناعية في غزة.
يبدو أن لديها المعرفة والقدرة المطلوبة لتخزين البضائع وتوزيعها. "يمكن أنه في نهاية المطاف لن يكون أي مناص، وسيضطر جنود الجيش الإسرائيلي إلى حماية المساعدات وتوزيعها من المحطة وحتى مراكز التوزيع في المدن"، قال هذا المصدر الإسرائيلي.
ولكن أي حل لوجستي سيتم التوصل إليه سيحتاج إلى الانتظار حتى يتم استكمال بناء المحطة المؤقتة.
وهي فترة زمنية غير متاحة لسكان غزة التي يحتضرون بسبب الجوع. حسب تقارير مخيفة عن وضع الجوع والوضع الصحي في غزة فان السكان بدؤوا في ذبح الكلاب والقطط لتوفير الطعام لأبناء عائلاتهم.
في 9 آذار نشر نيكولاس كريستوف، وهو كاتب المقالات الأكبر في "نيويورك تايمز"، مراسلة محمد الشنطي، وهو من سكان غزة، الذي حتى اندلاع الحرب كان طالب طب في جامعة رودس في جنوب إفريقيا، مع زميلة له في الجامعة. في هذه المراسلات المثيرة للقشعريرة، بين 11 تشرين الأول و29 شباط، حيث انقطع التواصل معه، قال "إن الأرز الذي عشنا عليه في الأشهر الأربعة الأخيرة اختفي كليا من الأسواق. أنا وزوجتي قررنا أن نأكل وجبة واحدة كل يومين من أجل إبقاء أولادنا على قيد الحياة بقدر الاستطاعة. ما بقي لنا هو الحصيرة. نحن بدأنا نطحنها من اجل خبزها وأكلها. وعندما بدأنا نأكل خبز الحصير فان البراز أصبح فيه دم".
في يوم الثلاثاء الماضي وللمرة الأولى بعد ثلاثة أسابيع دخلت شاحنة مساعدات تابعة للأمم المتحدة إلى شمال القطاع، وقد كانت فيها مواد غذائية بكمية يمكن أن تكفي لـ 25 ألف شخص من السكان هناك لفترة قصيرة. وهي كمية صغيرة نسبيا مقارنة مع الاحتياجات الكبيرة للقطاع. مع ذلك، حتى الآن من غير الواضح كم يمكن استمرار الترتيب الذي فيه الشاحنات إلى شمال القطاع يمكنها استخدام الطريق العسكرية القريبة من الجدار الفاصل بين غزة وإسرائيل.
في الوقت نفسه تراكمت كميات كبيرة من شاحنات المساعدات على معبر رفح في الطرف المصري، وهي تنتظر في الدور في الفحص كي تدخل إلى القطاع. في مصر نفسها يزداد ضغط الجمهور لفتح المعبر وإدخال المساعدات بشكل حر دون مراقبتها وفحصها من قبل الطرف الإسرائيلي.
في يوم الثلاثاء رفضت وزارة الخارجية المصرية للمرة الثانية طلب أعضاء مجموعة شخصيات ونشطاء اجتماعيين الالتقاء معهم من أجل مناقشة إعطاء تصاريح دخول لمتطوعين مصريين، من بينهم أطباء وأعضاء في منظمات إغاثة إلى داخل القطاع.
بمساعدة النشر في الشبكات الاجتماعية نجح أعضاء المجموعة، على رأسهم الدكتورة منى المينا وهي رئيسة نقابة الأطباء السابقة، نجحوا في الحصول على توقيع آلاف المتطوعين، من بينهم الكثير من الأطباء الذين يريدون الانضمام للطواقم الطبية في القطاع.
وزارة الخارجية المصرية لم تعطِ أي تفسير لتأجيل الالتقاء مع المجموعة. وحتى الآن الحكومة هناك تحذر من أن لا تخرق التفاهمات مع إسرائيل ومع الإدارة الأميركية في ما يتعلق بدخول شاحنات المساعدات والمهنيين الذين يريدون تقديم المساعدة.
التحكم في وتيرة نقل المساعدات من رفح إلى غزة هو أداة ضغط أساسية ما زالت مصر يمكنها استخدامها على حماس، لكن من غير الواضح إلى أي درجة هذا الضغط يمكن أن يكون ناجعا، لا سيما عندما تكون مصر تخضع لتفاهمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أنباء يسربها النظام المصري لوسائل الإعلام تقول إنه حتى الآن توجد احتمالية لحدوث انعطافة في المفاوضات حول صفقة التبادل، وأن مصر مرة أخرى قامت بدعوة بعثة من حماس إلى القاهرة، لكن الشخصية الرفيعة في حماس، موسى أبو مرزوق، قال إنه لا يعرف عن الدعوة.
حسب تقرير آخر فإن الإدارة الأميركية تفحص وقفاً قصيراً إنسانياً لإطلاق النار يهدف إلى نقل المساعدة الطبية والدواء للمخطوفين الإسرائيليين في القطاع، لكن في هذا التقرير جاء أن حماس تشترط وقف إطلاق النار بإدخال المعدات الطبية والدواء إلى مستشفيات القطاع. ومن غير الواضح إذا كانت إسرائيل ستوافق على هدنة إنسانية كهذه. الخوف هو من أن هدنة إنسانية قصيرة ستؤدي في أفضل الحالات إلى "صيانة أفضل للمخطوفين"، حسب تعبير مسؤول إسرائيلي، "لكنها لن تدفع قدما بالتوصل إلى اتفاق كامل".

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف