يجلس الشاب محمد مصطفى (34 عاماً) فوق ركام منزل عائلته، ويستذكر بعضاً من تفاصيل حياته مع ذويه في منزلهم الواقع بحيّ تل الزعتر شرق مخيم جباليا، شمال قطاع غزة.
أكثر ما لفت انتباه الشاب مصطفى هو صور جمعته بعائلته في شهر رمضان قبل الفائت، بدا فيها أكثر سعادة واستقراراً، بينما كان يتحسس طريقاً وسط الركام، ويفتقد للأجواء العائلية المميزة في شهر رمضان. وقال إنه يعيش بمفرده في خيمة فوق أنقاض منزله، بينما تشتت أفراد عائلته بين مخيمات الإيواء والسكن لدى الأقارب.
أما المواطنة سهير خير الدين (43 عاماً) فجمعت أطفالها حولها وسط خيمة صغيرة، قبالة ركام منزلهم في بيت لاهيا، وجلست لتتناول طعام الإفطار معهم.
استذكرت مع أبنائها مواقف زوجها الذي استشهد تحت أنقاض منزلهم خلال العدوان، مشيرة إلى أنه كان يهتم على غير العادة، بترتيب مائدة الإفطار بصحبة أفراد أسرته وأشقائه.
من جهته، قلّب محمد دهمان (36 عاماً) صوراً موثقة على هاتفه النقال لأعزاء له استشهدوا في وقت سابق، ويمضي وقتاً في مشاهدة بعض الفيديوهات والصور التي وثقت تفاصيل حياته قبل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وقال دهمان، الذي يقيم بين أنقاض منزله المدمر في حي "تل الهوا" بمدينة غزة: "هذه التسجيلات من صور وفيديوهات ستبقى أفضل ما يذكرنا بالزمن الماضي الذي عاش فيه معنا أحبابنا وأصدقاؤنا، ونحن نعيش في منازلنا وبحياة مستقرة، مقارنة بما نعيشه في هذه الفترة".
لم يكن حال المواطنة "أم مدحت" التي تقيم في جزء من منزل شقيقها، أفضل وهي تقلّب في هاتفها النقال بعض الصور لزوايا وأركان منزلها الجميل في حي النصر، بمدنية غزة والذي دمرته قوات الاحتلال بالكامل.
وقالت: "أنا استعيد الذكريات مع أبنائي وفي منزلي سواء المتعلقة بشهر الصيام أو قدوم الأعياد وأشاهد صوراً لأحداث جميلة جمعتني بأشخاص مقربين وقد أصبحت ذكريات بعدما حرمتني الحرب من رؤيتهم".
وأضافت: "أم مدحت" (59 عاماً) "من بينهم شهداء وآخرون جرحى، وجميعهم أعزاء على قلبي"، مؤكدة أن الحزن وآلام الفقد تجعلها تبكي بحرقة وتذرف الدموع، خاصة عندما تتذكر مواقفهم في شهر رمضان.
أما الفتاة "سارة" (24 عاماً) المشردة مع عائلتها في خيمة عند أنقاض منزلها في بيت لاهيا فقالت إن "معايشة شهر رمضان بعد اندلاع العدوان ونحن بهذه الظروف الصعبة أمر قاسٍ على القلب".
وأشارت إلى أنها مخطوبة منذ عامين ولا تستطيع الزواج بسبب حالة التشرد التي تمر بها منذ أكثر من عام ونصف العام، فلا منزل ولا حتى مكان لإقامة خيمة، وتقضي وقتاً طويلاً في استرجاع ذكريات جميلة جمعتها مع أفراد أسرتها الذين فقدت بعضهم شهداء".
وقال الدكتور باسل حسونة المحاضر الجامعي في علم الاجتماع والنفس: "الجميع يحاول الهرب من الواقع الحالي الصعب الذي يعيشه، إلى عالم الذكريات من خلال صور الهواتف وأحاديث الماضي، لكن بكثير من الحسرة والوجع الذي يلحق بهم الأذى النفسي والمعنوي".
وأضاف: "من المعروف أن الإنسان يعيش بين الماضي والحاضر الكثير من الأحداث، منها المؤلم ومنها المفرح"، معتبراً أن التركيز على الذكريات الجميلة والمفرحة في هذا العدوان يسبب المرارة والحزن.

لا يوجد تعليقات
...
عزيزي المتصفح : كن أول من يقوم بالتعليق على هذا المقال ! أدخل معلوماتك و تعليقك !!

الرجاء الالتزام بآداب الحوار
اسمك *

البريد الالكتروني *

العنوان

المعلومات المرسلة *
أدخل الكود *
أضف