
- تصنيف المقال : شؤون فلسطينية
- تاريخ المقال : 2026-02-09
مشاهد جديدة من قطاع غزة في ظل تصاعد خروق الاحتلال، واستمرار الأزمات والمشاكل التي تواجه النازحين، وانهيار القطاع الصحي، وتفاقم أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة البدائل.
ومن المشاهد الجديدة التي رصدتها "الأيام"، مشهد يوثق تزايد قائمة الأرصدة الصفرية من الأدوية في قطاع غزة، بفعل الحصار والتضييق الإسرائيلي، ومشهد آخر يسلّط الضوء على ظاهرة تهريب السجائر وأثرها على حركة إدخال البضائع للقطاع، ومشهد ثالث تحت عنوان: "اقتصاد المولدات".
أرصدة صفرية من الأدوية
ما زالت أزمة الأدوية تعصف بالمستشفيات والمراكز الصحية في قطاع غزة، رغم مرور نحو 4 أشهر على بدء تطبيق اتفاق التهدئة الحالي، إذ يواصل الاحتلال منع وصول الأدوية والمستهلكات الطبية، وكذلك الأجهزة التشخيصية، ويسمح بمرور كميات محدودة جداً منها، ما خلق أزمة تهدد حياة آلاف المرضى.
ووفق وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن ما تبقى من مستشفيات عاملة في القطاع باتت تُصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة، وأصبحت مجرد محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى الذين يواجهون مصيراً مجهولاً.
وأكدت الوزارة أن ما تركته "الإبادة الصحية" من تأثيرات كارثية جعل من استمرار تقديم الرعاية الصحية معجزة يومية، وتحدياً كبيراً أمام جهود التعافي واستعادة العديد من الخدمات التخصصية.
وقالت: إن الأرصدة الصفرية من الأدوية والمستهلكات الطبية جعلت من أبسط المسكنات ترفاً لا يملكه من يواجهون الموت كل دقيقة، مشيرة إلى أن 46% من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66% من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، و84% من المواد المخبرية وبنوك الدم من دون أرصدة.
وأوضحت أن خدمات السرطان، وأمراض الدم، والجراحة والعمليات والعناية المركزة، والرعاية الأولية في مقدمة الخدمات المتضررة جراء الأزمة المذكورة.
وأشارت وزارة الصحة في أحدث تصريح لها، إلى أن ما يصل إلى مستشفيات القطاع من أدوية كميات محدودة لا يمكنها تلبية الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية، منوهة إلى أن إنقاذ الوضع الصحي في مستشفيات غزة لا يمكن أن يكون مع الحلول الإسعافية المؤقتة، التي تُراكم التأثيرات الخطيرة.
وجددت المناشدة العاجلة والفورية إلى كافة الجهات المعنية بالتدخل لتعزيز الأرصدة الدوائية.
وكان المدير الطبي لمركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى، أكد أن الإمكانات الطبية في غزة ضعيفة للغاية، وأن العلاج الكيماوي المتوفر حالياً يعود إلى ما قبل 30 عاماً، بنسبة نجاح محدودة، نتيجة عدم توفر العلاجات الحديثة رغم محاولات منظمة الصحة العالمية إدخالها.
بينما كشف مدير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة الدكتور محمد أبو سلمية، عن فقدان نحو 50% من مرضى غسيل الكلى حياتهم، مع استمرار تسجيل وفيات يومية، في ظل غياب أكثر من 70% من أدويتهم.
تهريب السجائر
انعكست ظاهرة تهريب السجائر المستمرة عبر معابر قطاع غزة، على سلاسة تدفق السلع والبضائع، وعرقلت عمليات وصول السلع، وأضرت بالمواطنين.
ووفق مصادر مطلعة، فإن ارتفاع أسعار السجائر والمعسل، ومنتجات التبغ، دفع بعض التجار والسائقين، وبالتعاون مع نظراء لهم في مصر وإسرائيل، إلى دس السجائر وسط البضائع، خاصة الملابس، ما يبطئ عملية إدخالها، بعد تعرضها لعمليات تفتيش دقيقة.
وذكرت المصادر ذاتها أن الاحتلال ينفذ عمليات تفتيش دقيقيه وطويلة على المعابر، بذريعة البحث عن السجائر، وهذا أدى إلى بطء عملية نقل السلع، وتلفها في بعض الأحيان.
وأفاد سائقون بأن جيش الاحتلال سبق وأحرق عدة شاحنات على معبر كرم أبو سالم، بدعوى وجود سجائر فيها.
من جهتها، حذّرت نقابة تجّار الألبسة من خطورة استمرار محاولات التهريب التي تتم عبر شاحنات الألبسة القادمة من مصر إلى قطاع غزة من قِبل بعض التجّار الخارجين عن القانون، مؤكدة أن هذه الممارسات باتت تشكّل عبئاً كبيراً على القطاع التجاري والمجتمع ككل.
وأوضح رئيس نقابة تجّار الألبسة في قطاع غزة، أبو زهير المحتسب، أن قيام بعض الجهات بتهريب دخان ومعسّل وبضائع محظورة داخل شاحنات الألبسة، أدى إلى تشديد إجراءات التفتيش من الجانب المصري، ورفع تكاليف الشحن، وتأخير وصول البضائع، فضلاً عن وصولها أحياناً ناقصة أو متضررة، ما ينعكس سلباً على الأسعار ويزيد الأعباء على المواطنين.
وأكد المحتسب أن النقابة ترفض هذه التجاوزات بشكل قاطع، وتدعو جميع التجّار إلى الالتزام التام بقوانين الشحن واحترام الإجراءات المتّبعة، حفاظاً على انسياب البضائع، وحماية لمصالح التجّار الملتزمين.
وشدّد على أن النقابة لن تتهاون مع أي جهة يثبت تورطها في عمليات تهريب أو التسبب بالأزمة الحالية، مشيراً إلى أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك كشف أسمائهم وتحويلهم للجهات المختصة في كل من مصر وغزة.
وختم المحتسب تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب أعلى درجات المسؤولية الوطنية والتجارية، داعياً إلى التعاون الكامل لتجنّب مزيد من التعقيدات التي قد تمسّ حياة المواطنين واستقرار السوق.
وكانت أسعار السجائر ارتفعت على نحو كبير في قطاع غزة خلال الأيام الماضية، مع انتشار أوسع لبسطات تبيع "الدخان الشامي"، وأغلبه عبارة عن أوراق ملوخية وأشجار جافة، يتم لفه في قصاصات من الورق وبيعه للمدخنين.
اقتصاد المولدات
في ظل الحرب وانقطاع جميع مصادر الكهرباء، بات اعتماد المواطنين في قطاع غزة يقتصر حالياً على الخلايا الشمسية، وبعض مولدات الأحياء التي عادت للعمل، باعتبارهما مصدر التيار الوحيد المتوفر حالياً.
لكن المولدات التي يُشغلها مستثمرون، تبيع الكهرباء بأسعار عالية جداً، وتتحكم في حاجة المواطنين، ما خلق اقتصاداً يزدهر لتلك الظاهرة.
ووفق الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، فإن أزمة الكهرباء في غزة لم تعد مجرد انقطاع في خدمة أساسية، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية كاملة الأركان، تكشف حجم الانهيار الذي أصاب البنية التحتية وقدرة المواطنين على الصمود، فمنذ بدء حرب الإبادة يعيش قطاع غزة انقطاعاً كاملاً للكهرباء، بعد توقف جميع مصادر التغذية، وتدمير معظم مرافق شركة توزيع الكهرباء.
وحسب أبو قمر، فإن الأرقام صادمة، فقطاع غزة خسر نحو 2.1 مليار كيلوواط/ ساعة من الكهرباء، فيما تجاوزت الخسائر الأولية لقطاع الكهرباء 728 مليون دولار، وأكثر من 70% من شبكات الكهرباء دمرت، ما يعني فعلياً شللاً كاملاً للمنظومة الرسمية للطاقة.
وأوضح أنه في ظل هذا الفراغ، برزت كهرباء المولدات التجارية كخيار وحيد، لكن هذا الحل تحول إلى عبء ثقيل، فسعر الكيلوواط الواحد وصل إلى 20 - 30 شيكلاً، بينما تدفع الأسرة الغزية في المتوسط 300 شيكل شهرياً مقابل كهرباء تقتصر على الإضاءة وشحن الهواتف فقط، كل ذلك في ظل غياب الدخل وارتفاع أسعار الغذاء والمياه.
وبيّن أن المفارقة بأن سعر لتر السولار المستخدم في تشغيل المولدات يبلغ نحو 25 شيكلاً، وبعضه يُنتج محلياً بطرق بديلة، ما يعني أن تكلفة الإنتاج أقل بكثير من السعر المفروض على المواطنين، وهنا يتحول الأمر من أزمة طاقة إلى تشوه اقتصادي واحتكار مُقنّع.
وأشار إلى أن اقتصاد المولدات أنقذ الغزيين من الظلام، لكنه في المقابل يستنزف قدرتهم على البقاء، والحل لا يكمن في ترك السوق بلا رقابة، بل في تنظيم الأسعار، وكسر الاحتكار، ودعم إعادة تشغيل منظومة الكهرباء الرسمية.


